مفردات جمالية غنية بتعبير فني تتباين من خلالها رؤية الذات

ضحى عبدالرؤوف المل

تضفي "أنا شاهنازاريان" على الثقل اللوني لغة الشكل عبر نظم متفاوتة في الإيقاع الناجم عن توزيع الحركة ضمن ضبط شاعري يحقق بصريًا رومانسية حسية تثري اللوحة، وتمنحها الإحساس بالجمال. فهي تربط بين المعنى والشكل بالحركة التعبيرية، والعناصر السينوغرافية المتباينة ضمن رؤية فنية توجتها بشاعرية ذات خصائص تشكيلية من لون وضوء، وحركة، وخط، وفراغ، وفواصل، وتباعد، وتقارب، وما إلى ذلك من مفردات جمالية غنية بتعبير فني تتباين من خلالها رؤية الذات وكونية الوجود وجمالية الحياة. إذ تتضح قوة الفضاءات والتخيلات الملامسة لقوة الطبيعة في الألوان الفاتحة الموحية بربيعية، تتضاد فيها الأشكال ما بين الفراشة والمرأة، والزهرة وبرمزية تتيح فهم الحقائق التعبيرية التي توحي بالمضمون، وكيفية الخط في تشكيل يجتذب الحواس نحو فواتح اللون، والغوامق الترابية في لوحات تتضاد مع بعضها البعض في إبراز كينونة الوجود أو مكونات الحياة الجمالية، وأبرزها المرأة متمثلة بالشكل وباللون في أعمال الفنانة "أنا شاهنازاريان".

تحقق "أنا شاهنازاريان" بفلسفتها الرومانسية الغارقة بنعومة اللون، وبالحوارات البصرية المتداخلة مع حسية الشكل وأهميته من حيث التكرار الإيقاعي، لتموجات الخطوط، ولتضاد البناء الذي يساعد في خلق هارمونية أنثوية تتغلغل مع سينوغرافية اللوحة، وأبعادها الجمالية. فالرؤية للشكل الفني في لوحاتها هي جزء من شعور جمالي يُضيء بمفاهيمه الحواس، ويحقق تنويعات صياغية تؤثر على فكرة التضاد والتناغم في لوحاتها المختلفة في الأشكال، والمتآلفة في المعنى. فهي تجمع الوحدات الفنية المنسجمة ضمن نسيجية البنية وحبكتها، إضافة إلى تنوع الرؤية وإغراقها بالحركة البصرية الهادفة لخلق انفعالات تخيلية، وإدراكية تتميز بالفعل الحركي للون ورومانسيته التعبيرية والبسيطة في أبعادها الجمالية.

ثيمات لونية متكررة، وتلاحم شكلي يثير المعاني الفكرية المرتبطة بالقيم الدلالية، والتعبيرات اللونية المصحوبة بحركة شبه دورانية تترجم العاطفة الذاتية التي تتركها الفنانة "أنا شاهنازاريان" بين عناصر اللوحة، والتماثل المعنوي للواقع التخيلي، ودعائمه المجازية في الخط المتموج الذي يُجمّل الشكل الشاعري في غالبيته وسيكولوجيته الهادئة في التعبير عن الذات، ومكنونها المشابه للطبيعة والكون وللوجود بشكل عام. إذ ترتكز المحاكاة الفنية بين الطبيعة واللون، وبين الخط والوجود بمجاز تشكيلي يؤدي دوره بعمق المعنى لكل صورة تركتها في لوحة هي جزء منها، حيث ترتبط خارجيًا بالواقع وداخليًا بالعمق النفسي. إذ تؤثر ألوانها على جموح البصر نحو لانهائية الإيقاع الجمالي المتميزة به ألوانها وأشكالها.

تجمع الفنانة "أنا شاهنازاريان" بين الشكل واللون بمعاني حركية محسوسة، وبمهارة ريشة تراعي فيها التناسب بين درجات الألوان، وبين التموجات القصيرة والطويلة، وبوضوح هادئ وإشباع ضوئي يسهم في خلق معايير مختلفة بين لوحة وأخرى. كما يسهم في تلاحم الأشكال والألوان وانفصالها ضمن إيقاعات داخلية، مما يشد بناء اللوحة لونيًا، وعلى التداخل التشكيلي ومسايرة الحجم، وأبعاد اللون وكأنها تكتب قصيدة لجمال مجازي هو ضمن استعارات اللون، ونظم الخط المتشكل كمعنى. فتكاثر الأنماط الساكنة والمتحركة كأنها فراشات تدور حول ذاتها في طبيعة حاضرة الضوء والألوان، وفي هذا تجليات دلالية وإيحائية، وحسية وبصرية تجسد بموضوعية المعنى الجمالي، لمفهومي التقارب والتناسب في الفن التشكيلي الهادف إلى تحرر الضوابط الفنية من قوالبها الشكلانية.

تتمثل حركة أشكالها وألوانها في مخيلة مفتوحة الفضاءات فنيًا، حيث تتشكل الصورة الذهنية بروحانية اللون وانعكاساته العميقة على الخارج، لتحافظ على كل ما هو مألوف للحواس، وللعين من خلال التأثر والتأثير بالمخيلة النابضة بالأشكال، وبتلاقي الألوان وتنافرها ضمن الأبعاد المرسومة بإيحائية مزدوجة تعتمد على الموضوعية والذاتية، والشكل والمعنى، والمضمون والأسلوب، والتقارب والتنافر، والحار والبارد، والتناغم والتنافر، وبحيوية تعنى بالبناء الصياغي للوحة، والجمع بين الأنماط الكلاسيكية والمعاصرة، وضمن تشكيلات تؤلف نغمات تنسجم هارمونيًا مع الأحاسيس الانفعالية الناشئة من الطابع التخيلي لتتبوأ الحركة اللونية قيمة جمالية خاصة في لوحات الفنانة "أنا شاهنازاريان". إذ تبدو الإيقاعات التصويرية كلغة شعرية هي لفن تشكيلي تحرر من كلاسيكية اللون الخاضع بدوره لمعايير عفوية أحيانًا.

تشكيل زمكاني ينسجم مع حركة النفس وتخيلاتها حيث تخضع التكوينات اللونية للأنماط والثيمات الخاصة لكل خط عامودي أو أفقي أو مائل أو منحني، وما إلى ذلك. كما أن اللون الأزرق المشبع بحنين الفراشات والزهور يتكاتف مع صورة المرأة، والمعنى التخيلي والمحسوس لها من مقاييس تلامس الخيال والواقع معًا.

فالمعطيات الفنية في لوحات الفنانة "أنا شاهنازاريان" في أغلبها إيقاعات تتكرر حسّيًا وذهنّيًا. لتعصف بوجدانية المتلقي، وتحاكي حواسه برومانسية لون تجذبه إلى أعماق الشكل واللون. لندرك كنه الترادف والتجانس في لوحاتها، وكأننا نقرأ قصيدة تضافرت فيها اللبنات الأساسية، لتشكيل لوحة وجدانية تهيمن على تأملات مفتوحة وبصدق ذاتي يثير مشاعر الجمال.

معرض الفنانة "أنا شاهنازاريان" في غاليري حمزكييان

تم نشره في جريدة اللواء عام 2014