لان الهدف إنساني مجرد، أرسم مع الألوان بحرية مطلقة

حاورتها : ضحى عبدالرؤوف المل

تتحرر الألوان من حدودها البصرية ضمن بقع داخلية تنبض بالحياة في أعمال الفنانة التشكيلية "كارولين صليبا". فهي تعزف بريشتها على كل لون ليتلاشى بلا حدود مع الحركة الراقصة في لوحات زاخرة جمالياً بالمعنى الوجودي للكون، وكينونة الشكل الإيحائي لتجريد يروي الحكايات الإنسانية. فالسنوغرافيا في لوحاتها توازن البصر، وتترك الذهن في حالة تأمل عميقة. ومن خلال مشاركتها في معرض جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت الذي أقيم في "الأونيسكو"، ومن ثم في "بيت الفن" طرابلس - الميناء، كان هذا الحوار مع الفنانة "كارولين صليبا".

- تختلف الألوان التعبيرية في لوحاتك، إلا أنها متأثرة بأسلوب الفنان وجيه نحلة، لماذا؟

يمتلك أستاذ "وجيه نحلة" رؤية بعيدة. كما أن وجدانيته في اللون محببة إلى النفس، وخبرته في مزج اللون مميزة، ولها بصمة الفنان "وجيه نحلة" فقط، فلا أحد يزاحمه عليها. أشعر أنه يمتلك قدرات بلا حدود وقادر على تخطي الزمن. لهذا أتأثر به جداً أو متأثرة به جداً من أعماقي، وأرى نفسي نقطة في بحره الفني الجميل.

- ألوان صاخبة ترقص على معاني الحياة وفلسفة أوشواوية. هل هذا إيقاع من موسيقى أوشو والتأمل الحركي في الكون؟

صحيح... أنا ألتقط كثيراً الأشياء الصغيرة من الهواء، من الإنسان، من كل الكائنات من حولي. فالإنسان في كل لحظة يحيا الجمال، وكل لحظة من الحياة لها إحساسها الخاص بكل تفاصيلها الجمالية. عندما أرسم، أشعر بكل ما حولي، ومن أعماقي. وحين أترجم أحاسيسي على القماش، أقسّم عملي تبعاً لهذا الإحساس. أحب الرفاهية التي أعيش فيها، لأن الحياة والكون يتميز لكل منهما إحساس ما. فعصرنا السريع يترك البعض بلا رؤية، ونحن نفقد أحاسيسنا بسبب السرعة والعولمة المفتوحة على تقنيات تسلب منها الطاقات. وقديماً كانت هذه الطاقات مجمعة، أما الآن فهي تتلاشى.

- مشاركات تشكيلية في معارض مختلفة، أين كارولين صليبا في كل هذا؟

أحب المشاركة جداً، وأتقبل أي فنان، كل من يرسم أقدره، ولكن أيضاً عندما أعرض مع رواد الفن أشعر أنني أنا، وكأني أقاوم ذاتي لأنني أدرك أين أنا، وفي أي خط موجودة. والمشاركة مع رواد الفن تمنحني خطوة هامة في حياتي الفنية. أتقبل أي شخص في المشاركات ولا أهتم بالأمور الأخرى من غيرة أو تنافس غير بناء أو إيجابي. لأن كل فرد يمتلك نظرته الخاصة.

- ماذا أضافت الخبرات السابقة لفن أنثوي حياتي آت مستقبلاً؟

نظرتي منذ الطفولة كانت إنسانية أولاً، بمعنى أنني لا أميز نفسي كذكر أو أنثى، فالإنسان هو الإنسان أولاً. وتفاعلاته بالجمال هي من مبدأ إنسانيته أولاً. عندي ثورة إنسانية وهذا المبدأ الذي أنطلق منه، وبعدها الذكر والأنثى أو الأنثوي كما تقولين، فالإنسان المجرد هو الهدف لتعبيري عن الرسم. لا أرسم امرأة أو رجلاً، لأن الإنسان بأحاسيسه والأحاسيس منبعها واحد مهما اختلفت بمعانيها. منذ طفولتي، ثورتي تتفجر رغم هدوئي الخارجي، وهذا يجعلني أتأثر بمن حولي. لأن الهدف إنساني مجرد وأنا أرسم مع الألوان بحرية مطلقة. لأننا أبناء الطبيعة، ولا يوجد شيء من لا شيء. كما أنني دقيقة نوعاً ما في مفاهيمي.

- كارولين صليبا والصعود في الفن التشكيلي، ألا يخيفك هذا؟ وهل هذا مخطط له فنياً أم تتركيين لنفسك العفوية في هذا؟

لا يصح إلا الصحيح، والشخبطات الفنية لا تدوم. فحين ننظر إلى اللوحات المتقنة بعمق، تدخل إلى الأعماق، وهذا يستقر في الدماغ كحقيقة تظهر من خلالها قيمة الأشياء، والإنسان يستطيع التقييم عندما يصل لهدف عميق.

- الفن المعاصر يتطلب ثورة فنية وانقلابات على المقاييس، هل تؤمنين بهذا؟

لا.. أترك لنفسي عفويتها. أتبع إحساسي دائماً وأتساءل بيني وبين نفسي دائماً. هذا هو الفن التشكيلي، هو تعبير عن كل ما حولي. وعندما أرسم، لا أكون فكرة مسبقة، أضع الأسود مثلاً ليخرج كما هو، وليتفاعل مع لون آخر ينبع من داخلي. لأن التعبير النفسي هو الأقوى، وهذا هو الهدف. البعض يرسم لينفذ ما يراه، وليس بالخطأ هذا النوع من الرسم، ولكن أنا أترك لنفسي تعبيراتها بحرية تامة. وهذا أنا بلا قيود ولا حدود فاصلة بيني وبين اللوحة. أثق بما أمتلك من نظرة فنية، ولا أتوقع نتائج الرؤية لفني، أقصد من نقد أو إعلام وما إلى ذلك. وأنا أمنح ذاتي للفن من خلال لوحاتي، وهذا هو الهدف ولا أعرف النتيجة.

- سمفونيات إيقاعية ترتبط بحركة اللون ودورانه، هل هذا ما يميز لوحات كارولين صليبا؟

لا أستطيع أن أميز أعمالي، الناس هي من تقيم هذا الموضوع. أما حركة اللون، فهي التقلب، وأنا متقلبة. وهي بحد ذاتها الحركة الكونية التي أحب التغلغل فيها. البحر والتراب والهواء والماء، كل عناصر الحياة هي عبارة عن ألوان. لا أضع لها الحدود، أسبح بلا نهائية هارمونية. لا شيء مستحيل مع اللون، كل ما يمتزج بحرية وبلا حدود هو متناسق ومتناغم.

- إحساس روحي عميق في فلسفته. لو أعطيتك ورقة بيضاء الآن، ماذا ترسمين عليها؟

بين يدي الآن ورقة بيضاء، أرسم عليها. أشعر كأني سأدخل في الكرة الأرضية حيث الأسرار العميقة التي لا تراها. أبحث عن الكنز الحقيقي في الكون. فإني أحب الحلم. لأن لا حياة بلا حلم. إذا تطلعنا إلى صخرة بعمق، نرى فيها جوف الأرض. لو نظرنا إلى جذع الشجرة، نحتاج إلى مجهر لنرى التكوينات الحقيقية ذات الجمال.

- لوحات فنية تمثل حكاية الحياة كما أنها أحياناً كونية في تطلعاتها. إلى ماذا تتطلعين مستقبلاً؟

لأنني أعيش اللحظة بصدق مع نفسي، ولا أنظر إلى لوحة سابقة من لوحاتي ولا أكرر نفسي. فالإنسان يتعلق بلحظة جميلة عالقة في ذاكرته. أحب البحث عن الجديد، ولا أحب العودة إلى الوراء. أحب اكتشاف المستقبل بلحظاته الحاضرة. لكن لا أستطيع رؤية المستقبل، وأترك لنفسي اللحظة التي أعيشها الآن. وأمتلك الإحساس القوي بالتفكير الإيجابي. وأنا أهدف إلى الإيجابي لتطوير نفسي أكثر وأكثر.

- ماذا تعني هذه الأسماء للفنانة كارولين صليبا؟

- الفنان وجيه نحلة

عبقري الفن وأفتخر فيه لأنه لبناني وعالمي.

- الفنان حسن جوني

فنان عظيم يشعرني بطفولية حركة الريشة التي يمتلكها. أشعر بالبراءة في لوحاته. فهو يحافظ على الأحاسيس الوجدانية التي نشعر بها.

- الفنان ميشال روحانا

المائية الشفافة التي يمتلكها في الفن تجعلني أرفع القبعة له احتراماً لفنه، وهو الأول بالألوان المائية.

تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2014

الحوار مع الفنانة "كارولين صليبا" يعكس رؤية عميقة للفن التشكيلي ويُظهر الكثير من جوانب شخصيتها الفنية، ولكن

يمكن تحليله نقدياً من عدة جوانب لعرض نقاط القوة والضعف في طريقة تقديم الأفكار.

أسلوب الفنانة في الحديث متسم بالعاطفية والتأمل، وهو أسلوب يليق بفنانة تسعى للتعبير عن مشاعرها وأحاسيسها الداخلية عبر الألوان. في نفس الوقت، يمكن ملاحظة أن بعض الإجابات تفتقر إلى التنظيم، حيث تتداخل الأفكار أحياناً وتجد القارئ يحتاج إلى التأني لفهم الرسالة الكامنة وراء الكلمات. هذه العاطفية المفرطة قد تكون مغرية للبعض، لكنها قد تؤثر على وضوح بعض النقاط.

الفنانة تظهر وعيًا عميقًا بمفاهيم الفن التشكيلي. تركيزها على التعبير الفني الحر يبرز كموضوع رئيسي في حديثها. فهي ترى في الألوان أكثر من مجرد وسيلة جمالية، بل هي أداة للتأمل الوجودي والفلسفي. هذا النوع من التعبير عن الفن يعكس انفتاحًا كبيرًا على التجريب والحرية في الإبداع. لكن من جهة أخرى، يمكن القول إن محاولاتها لتقديم الفن كأداة للثورة الإنسانية قد تبدو غامضة بعض الشيء، وقد يكون هناك نوع من التعميم الذي يصعب تحديده. فنحن نسمع كثيرًا عن الثورة الإنسانية في عالم الفن، لكن قد يكون من المفيد توضيح هذا المصطلح بشكل أعمق. هل الفن هو "ثورة" ضد السائد؟ أم أنه مجرد وسيلة للتعبير عن الوجود؟

عند الحديث عن تأثيرات الفنانين الآخرين، يظهر تأثر "كارولين صليبا" بالفنان "وجيه نحلة" بشكل واضح. هي تُعبر عن إعجاب كبير به، لكنها تتحدث عن هذا التأثير بشكل تقليدي، دون أن تقدم تفاصيل ملموسة حول كيفية تأثير هذا الأسلوب على أعمالها الشخصية. هذا قد يشير إلى أن الفنانة لم تأخذ هذا التأثير وتعيد صياغته بما يتناسب مع تطور أسلوبها الخاص، بل يبدو أن التأثر أعمق في المستوى العاطفي أكثر من كونه تطويرًا فنيًا ملموسًا.

حديث الفنانة عن مفهوم "الإنسانية المجردة" في الفن يكشف عن فلسفة خاصة تجاه دور الفن في المجتمع. هي ترى أن الفن يجب أن يعبر عن الإنسان ككيان مجرد بعيد عن التصنيفات الاجتماعية أو الجندرية. في هذا الصدد، يبدو أنها تتبنى نهجًا يرفض التصنيف الجندري في الفن، وهو موقف يساهم في إزالة الحدود بين الفن الذكوري والأنثوي. لكن من الممكن أن يكون هذا الموقف بحاجة إلى مزيد من التفصيل. هل الهدف هو تجاوز التمييز الجندري في الفن فقط، أم أن هناك نقدًا أوسع للمجتمع؟

عند سؤالها عن الفن المعاصر، ترفض الفنانة فكرة أن الفن المعاصر يجب أن يكون ثورة أو يتحدى المقاييس التقليدية. هي تفضل الاعتماد على الإحساس الشخصي والتعبير الحر. هذه نظرة مشروعة ومفهومة، ولكن كان من المفيد أن تفسر أكثر كيف تواكب التغيرات في الفن المعاصر أو كيف تعكس أعمالها التحديات أو التحولات التي يشهدها هذا الفن. ما الذي يجعل لوحاتها متجددة وملائمة لعصرها؟ هل هي ثورة في التوجه الفني أم مجرد تفجير لأحاسيس داخلية؟

من الجوانب المثيرة للاهتمام في الحوار هو كيف أن الفنانة تعتبر نفسها "نقطة في بحر" أسلوب الفنان "وجيه نحلة". هذه الفكرة تعكس نوعًا من التواضع الفني والتقدير للفن الكلاسيكي، لكنها في نفس الوقت قد تشير إلى ضبابية في تحديد الهوية الفنية الخاصة بها. هل هي تعتبر نفسها مجرد ناقلة لفكرة فنية موجودة مسبقًا، أم أن لديها رؤية مبتكرة في التعبير عن العالم من خلال الألوان؟

الفنانة تميل إلى استخدام الرمزية والتعبير الغامض في حديثها، مثل الإشارة إلى "الكنز الحقيقي في الكون" أو الحديث عن "جوف الأرض" أو "التكوينات الحقيقية ذات الجمال" في الصخور والأشجار. هذه الرمزية تضيف بعدًا فلسفيًا عميقًا لأعمالها، لكنها قد تكون صعبة الفهم لبعض المتابعين الذين يتوقعون تفسيرًا أكثر وضوحًا وصراحة. الفن يعتمد على قدرة الفنان على إيصال رسالته بوضوح، وفي بعض الأحيان قد يؤدي الاعتماد على الرمزية إلى فقدان التواصل مع المتلقي.

الحوار يعكس شخصية فنية ذات طابع عاطفي عميق وميل إلى التجريد، وهو يعبر عن فلسفة فنية إنسانية ترتكز على التفرد والحرية الشخصية في التعبير. ومع ذلك، هناك جوانب قد تكون بحاجة للمزيد من التوضيح، خاصة فيما يتعلق بتأثيراتها الفنية، دور الفن المعاصر في أعمالها، وكيفية تقديم أفكارها الفلسفية في سياق اجتماعي أكثر وضوحًا.