جدلية الطبيعة والفن ومعطياتها الجمالية في أعمال الفنان "جوزييه بينونة"
ضحى عبد الرؤوف المل
ترتكز العملية الإبداعية في أعمال الفنان "جوزييه بينونة" (Giuseppe Penone) على جدلية الطبيعة والفن، ومعطياتها الجمالية المتجسدة بأشكالها وأحجامها وتغيراتها الفيزيولوجية، وما يطرأ عليها من تحولات يتأثر بها الإنسان، فيوظفها إبداعيًا لتتبلور المفاهيم الجمالية التي يسعى إليها من خلال الطبيعة ومادتها المحاكية للإنسان. مما يعزز الفكر الفني ويغنيه، ويضع الفنان وجهاً لوجه أمام مادة حية تحتضن قدراته الفنية من نحت ورسم وخلق إبداعي، وما إلى ذلك. ليتنافس معها ضمن الأسس المسخرة للإنسان. حيث يحيا مع الجمال ومع ما هو ناظم له فنياً، ليحاكي الذات بموضوعية العناصر الحياتية المتواجدة ضمن الطبيعة والحركة المتجددة فيها، وبتفاعل بصري يثير فكر الإنسان من حيث دورة الطبيعة وكينونته المتشابهة معها، وهذا ما يحاول الفنان "جوزييه بينونة" الانطلاق منه في فن نحت مواده من الطبيعة، وبأسلوب إبداعي يميل إلى التأليف والبناء من مادة الخشب وعناصر الطبيعة.
يتجاوز الفنان "جوزييه بينونة" مادة الخشب أو أغصان الأشجار، وما إلى ذلك من مواد أخرى هي من صميم الطبيعة وكينونتها، ونسبية الحركة والسكون فيها المتوائمة مع ما قدمه من أعمال تأخذ البعد اللانهائي المفتوح على إعادة إيحاءات. لتتشابه مع الإنسان في أبعادها وتشكلاتها المماثلة. لمنظور الإبداع والفكر النحتي أو الفراغي من حيث التوازن البصري، وقدرات الإنسان في تشكيل معرفة جمالية لطبيعة معاصرة تشاركه فنونه ضمن بيئة طبيعية، يأخذ منها ما هو حي أو تالف كإعادة تصنيع أو إيجاد منحوتات هي من مواد بيئية حولها إلى عمل جمالي بمقاييس ومعايير نحتية تثير الجدل لفن معاصر برؤية طبيعية وجمالية ترتكز على مسائل جدلية وكينونة إنسانية.
يستكشف الفنان "جوزييه بينونة" قدراته البصرية في التشكيل النحتي المبني إبداعيًا على معرفة كنه الطبيعة، والتماشي مع مادتها ليسيطر على المادة من خلال معرفة كينونتها الطبيعية، وما هي قادرة عليه في اتخاذ الأشكال التي يسعى إليها فكريًا وبصريًا دون أن تستعصي الأشجار في منح خصائصها التكوينية، المؤثرة على فكرته الأساسية وجوهر مفهوم النحت أو العمل الإبداعي الفني المعاصر بشكل عام. إذ يبدو نمو الجذع مشابهاً لنمو الحركة ضمن سكون تتكون من خلاله الفراغات التي يتركها. ليحدد الشكل ضمن تناسب إيقاعي يثير الحس الفني عند المتلقي من حيث الأبعاد والقياسات، والتآخي مع المادة لخلق تناقضات فنية تتضاد مع الفضاءات التخيلية التي يتركها ضمن مماثلة بصرية لمقارنة انطباعية فلسفية تؤثر في النفس الإنسانية التي يسعى إلى مواجهتها بأفكاره الجدلية عن الطبيعة والفن والإبداع النحتي الذي يعتمد على نمو المادة والتأقلم مع كينونتها الطبيعية.
حوارات داخلية تجذب البصر إلى عمق أعمال "جوزييه بينونة" الفنية، لفهم تفاصيل الحركة الداخلية، وسكونها الخارجي مع الاهتمام بوضعية الشكل أفقيًا أو عموديًا أو بالأجزاء الصغيرة. لتفاصيل العمل حيث تكتمل الرؤية ببساطة، لتمثل المعنى الهادف إلى السعي للمحافظة على الطبيعة والبيئة الجمالية لها من حيث التناسق والتماثل والسيمترية، وتشذيب الزوائد التي تتنامى، وكأنه يدعو الحس الإنساني للابتعاد عن الملوثات الحسية أو بالأحرى التلوث البصري المعتمد أولًا وبأهمية خاصة على الطبيعة، وما تؤمنه من مادة تخدم الإنسان ليعيش بجمال وسلام.
وعي فني معاصر وحس نحتي هو نقيض لنمو في خلايا المادة واتساقها الشكلي عبر أحجام تختلف طبيعيًا، والتي تحتاج لتربة وماء، وهواء وبيئة هي الجزء الأهم في تكوين النباتات أو الأغصان وتفرعها العبثي أو حتى التربة وأوراق الأشجار التي تحلل ضمن الدورة الطبيعية للحياة، وهذا يتناقض مع ما يؤسسه الفنان "جوزييه بينونة" من فن يعتمد على المقاييس والمعايير، والنسب الهندسية البنائية، والفنية، والفكر الرياضي أو المتناقضات الملموسة والمحسوسة، وما إلى ذلك. مما يمنح الإنسان عقلية ذات انفعالات محسوبة بدقة يحتاجها العمل الفني، ليتكون وفق تكامل العناصر، وتمازجها مع هندسية الفكرة، وخصائصها الفلسفية والجمالية من حيث النقائض بين الإنسان المبدع والطبيعة البكر والتشكيل النحتي المعتمد على النسب بينما الطبيعة عفوية في جمالياتها المتعددة.
تحقق الحركة الفنية في أعمال "جوزييه بينونة" الربط الجدلي بين المفاهيم التكوينية في منحوتاته أو أعماله الإبداعية، وبين الطبيعة الأم وأبعادها الكونية المجهولة تكوينيًا في خلاياها أو طبيعتها الحياتية من حيث وجودها أو لا وجودها بعكس الفن الذي يؤسسه الإنسان من فكرة تنشأ عن نظرة معرفية أو أسلوبية أو مادة مشتركة جماليًا بين المفاهيم عامة. إذ يضبط أعماله بنظم بصرية تؤهلها لخلق معادلة موضوعية مبنية على منهجية الصورة الفنية، والتحولات الكونية بمفارقات الزمن والمكان. أي تواجد العناصر الطبيعية وفق مناخات محددة لها، وهذا ينعكس على مفهوم النحت من حيث مكانه وزمانه، وكيفية الحفاظ عليه خصوصًا أنه متكون من مادة حية مأخوذة من الطبيعة كالخشب مثلاً. وهذا يخضع لمفهومين نقيضين: الثابت والمتحرك أو الثوابت النحتية والمتحركات الطبيعية، وما تمثله من توافق وتعارض بين الكل والجزء، وبين الطبيعة والإنسان. وهذا يؤدي إلى خلق يقين فني مختلف بين أصغر وأكبر أو الطبيعة كمثال أكبر للفن النموذجي فيها، والإنسان كمثال فني أصغر. إلا أنه هو القادر على بث الجمال في البيئة من حوله، وبكل زخمها التحاوري معه. وهذا ما نلمسه في أعمال الفنان "جوزييه بينونة" حيث يستخلص من الشجرة جوهر الفكرة وعمقها والرؤية الكونية لسنن الطبيعة المشابهة للإنسان.
أعمال الفنان "جوزييه بينونة" في مركز بيروت للفن (Beirut Art Center)
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء لبنان.