ثقب في جسم الإنسانية

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية الروسي الكبير نيقولاي غوغول 'النفوس الميتة'

ترجم الدكتور عبدالرحيم بدر رواية "النفوس الميتة" وراجعها غائب طعمة فرمان ، يبدو الغموض المنبثق من بين الانسجام الخفيف السريع في مفردات يجمعها لغويا بمرونة تصويرية تزدحم حركتها في ذهن القارئ "وعند وصول العربة باب النزل وجد راكبها خادم الفندق واقفا لاستقباله، وكان هذا خفيف الحركة ، سريعها لدرجة يتعذر على المرء فيها أن يتبين طابع ملامحه." فالرقي الكلاسيكي في رواية نيقولاي غوغول نلمسه من البداية لتمكنه من بناء المشهد برمته، بكل أركانه التصويرية والتعبيرية، والتمثيلية والروائية، ليجمع بفنيته المعهودة خيوطه الروائية التي يحبكها في كل مرحلة ضمن عقدة تحيط بجوانب كل حدث، وبموضوعية منطقية ينساب معها القارئ"خلع مسافرنا قبعته، ونزع عن عنقه لفاعا صوفيا ملونا، من ذلك النوع الذي تحيكه الزوجة لزوجها بيديها، وحينما تعطيه إياه توصيه وصايا معتبرة عن كيفية طيه، والواقع أن العزاب أيضا يلبسون لفاعات مماثلة، لكنهم في حالتهم هذه لا يعلم إلا الله من حاكها لهم."

نمو روائي وارتقاء في الصورة التخيلية لواقع صاغه نيقولاي غوغول بفنية عالية وفكر درامي معقد يمتد مع الشخصيات الثانوية بمختلف اللقطات الزمنية والمكانية، ليمسك بالإنسان أولا وأخيرا، والبيئة التي يضعه فيها بدائرة حياتية لا نفاذ منها مع غوغول مع الاهتمام بتلميحات نقدية اجتماعية لاذعة في باطنها من حيث السخرية بأدب لا يمكن النفور منه عند من يقرأ معانيه الحقيقة "ومن الغريب أن هناك كثيرا جدا من الناس من الطبقة المستنيرة لا يستطيعون أن يتناولوا طعاما في فندق دون أن يثرثروا مع الخادم في الحديث بل يمزحوا معه أحيانا. مهما يكن من أمر فلم تكن جميع أسئلته بلا هدف." فالعوالم الداخلية في الرواية متينة في اتساعها وبيئتها، وأمكنتها التي ينسجها من الواقع وجوانبه المختلفة ذات الأشكال الأدبية التي تبرز منها حياة شخوصه الروائية بمختلف قاماتها التجسيدية المتفاعلة مع الظروف، والمضامين المنسوجة ضمن تطورات وتغيرات في الأنماط الروائية المرتبطة بالواقعية وبتصوير الشخصية دراماتيكيا" وبغموض يثير القارئ المتابعة لمعرفة هذا الذي يسأل عن الأمراض في المدينة " وتساءل إن كانت هناك أمراض كحميات متفشية، أو برداء مميتة أو جدري أو ما إلى ذلك" فمن هو بافيل ايفانو فيتش تشيتنسيكوف؟

يقول الناقد الروسي بلينسكي:" إن شكل وظروف الرواية أنسب للتقديم الشاعري للإنسان الذي ينظر إليه في علاقته بالظروف الاجتماعية، وهنا كما يبدو لي السر في نجاحها غير العادي، وفي سيطرتها المطلقة" وصف وتصوير وتعبير عن مشاعر اجتماعية ناقدة، أو ساخرة بوضوح لافت من خلال التعابير المرتبطة بصفة هذا الرجل المسمى بافيل ايفانو فيتش تشيتسيكوف، ولكنه أيضا يحاكي القارئ قبل أن يتساءل عن ديناميكية الفصل الأول الذي لم يكشف فيه عن مساره الروائي الذي يزداد تعقيدا كلما قرأنا" وسيحيط القارئ علما بهذا الغرض إذا كان لديه من الصبر ما يقرأ به هذا الاستهلال القصصي الذي مهما بدا طويلا فإنه قد يتسع ويزداد طولا كلما قاربنا العقدة التي قدر لها أن تتوج بهذا الكتاب." فهل ترك نيقولاي غوغول خيطا نقديا يبدأ منه الناقد التحليل الروائي لأسلوب قص من خلاله غوغول رواية " النفوس الميتة؟ "

يتسم أسلوب غوغول بالبساطة والحيوية مع الحفاظ على العقد التي يتركها تزداد كلما حاول القارئ الإسراع بالقراءة كيف يرى النهاية دون غموض، لكنه يخاطب القارئ بتنبهات ناقد وكاتب ومؤلف درامي ينهي روايته بسلاسة يدرك من خلالها القارئ بساطة الفكرة وتعقيداتها في آن معا " ولكني أود أن أذكر هنا أنني لا أحب أن أشغل بال القارئ بشؤون أشخاص هم من طبقة أحط من طبقته، فقد علمتني التجارب أن لا رغبة لهم في التعرف على الطبقات الدنيا، وأن من طبع الروسي العادي أن يتعرف على أشخاص في درجات السلم الاجتماعي العليا.. ولهذا السبب فإن مؤلف القصة يشعر بالخوف على بطلته ولا سيما أنه قد جعل هذا البطل من متوسطي الأعيان فقط" فهل يبني طبائع الشخوص من خلال إقناع القارئ بواقع فانتازي مؤلف من محض خيال روائي التقط ثغرة اجتماعية، وغلفها بمواضيع خطيرة تصيب المجتمع بآفة كبرى؟

تظهر الجوانب الذاتية للروائي نيقولاي غوغول في أكثر من جانب حواري، أو من خلال مونولوج يكشف من خلاله عن ردود أفعال الفكر المتناقض دياليكتيكيا، مما يتسبب في تعاطف القارئ مع الشخوص وتطوراتها الدراماتيكية عبر سياق العقدة التي يشد متانتها بمقدرة يشارك بها القارئ الذي يعيده فجأة إلى مشهد كان قد بناه وتوقف عند نقطة معينة، ليتحقق من مقدرة القارئ في متابعة ما يقرأ، أو لمعرفة أي نوع من القراء يقرأ رواية " النفوس الميتة " بكل أبعادها النفسية الواقعية والزمنية والمتخيلة أيضا، إذ لا يمكن بيع النفوس بهذه الصفقة الغريبة التي قال عنها مانيلوف: " هل أستطيع أن أتقاضى ثمنا على نفوس هي في العدم؟ على الأقل من وجهة نظر معينة، ونظرا لوجود هذه النزوة الغريبة، إذا سمحت لي بأن أستعمل هذا التعبير. المستحكمة فيك إلى هذه الدرجة فإنني من ناحيتي على استعداد لتقديم هذه النفوس إليك دون قيد أو شرط."

هجاء ارستقراطي مبطن يرتكز على سخرية من القوانين أحيانا، وأحيانا أخرى على الفكر والعقل، وعلى استهجان تصرفات شخوصه بمختلف طبائعهم من خير أو شر أو بساطة أو عفوية ساذجة أو قوة وإدراك، وتملك ومعرفة تقود القارئ إلى فهم طبيعة الرواية بكل فصولها التراجيدية كاشفا عن عيوب المجتمعات، والإنسان كي يساعد في خلق تصورات تنجح في إسقاط الضوء على المواضيع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية ، حتى انتقاد سياسات كانت سائدة في زمانه" هل مات في السنين السابقة عدد كبير من فلاحيك ؟" فتنهدت العجوز وقالت: " أجل، لا أقل من ثمانية عشر، وكلهم من الأقوياء العاملين، لقد نما غيرهم في الواقع، ولكنني لا أرجو خيرا من الأحداث، إنهم طائشون، وعندما جاءني المختار في المرة الأخيرة رحت أبكي أمامه، كان علي أن أدفع ضريبة عن رجالي الأموات كما لو كانوا أحياء".

متاجرة بالأموات أقل بساطة من المتاجرة بالأحياء حيث تبدو سلطة الإقطاعي هي في نفسه أولا قبل تملكه المالي، لأن القرض أو الرهن الشرائي هو رمز لجشع يكمن في حب المال والسلطة دون الاهتمام بالإنسان الرازح تحت ضغوطات تشتته، وتضعفه بل تتركه يباع ويشترى ميتا أو حيا " وعلى ذلك أفهمها أن بيع النفوس الميتة هذه، أو نقلها سوف يتم على الورق فقط ، وأنها ستسجل كما لو كانت حية " وهنا يقدم تشيتسيكوف نماذجه الاجتماعية المتمثلة بأنماط تمتلك النفوس الحية المستعبدة بعقود يتم دفع ضرائب عنها تبعا لعقد الملكية الذي لا تنتهي صلاحيته بنهاية حياة العبد المشترى من قبل الإقطاعي، لكن ما يبدو في الرواية من غموض عن شخص تشيتسيكوف الإنساني في مسعاه لشراء النفوس الميتة ما هو إلا تعبير عن الطمع الأكبر لرجل يهدف إلى بناء سلطة مالية كبرى، وهذا نموذج حياتي نراه عبر أزمنة متعددة كثيرة، فميل الإنسان لحب المال لا يمحوه الزمن" وقد تفكر أيها القارئ في لحظة كاللحظة التي نحن فيها فتقول: هل صحيح أن مدام كوربوتشكا تقف في سلم الكمال الإنساني على درجة منحطة جدا" وفي هذا عمق حواري بينه وبين القارئ وشخصيته" الله وحده يعلم الأفكار العديدة التي تبرق في ذهن الإنسان في اللحظة الواحدة."

أسلوب روائي محبوك بفن قاص حاذق وروائي واقعي يحاور واقعه من خلال فكرة متخيلة ، وهو يروي قصة وجوه جشعة تذهب ضحيتها النفوس التي جاهدت في حياة لا إنسانية ، كانت هذه النفوس معذبة، لتختلف الرواية في جانبها الآخر الذي يظهر الفساد في النفوس الإدارية والسلطوية القائمة فقط لخدمة الارستقراطيين في مدينة لا تختلف عن الريف إلا في التراخي والكسل عند أصحاب الدخل الحكومي الكبير، فهو لم يصف الخرج فقط لشخوص هم خيوطه الروائية، إنما استطاع إيصال تحليله النفسي لهم أمام القارئ، ليدرك أن هذه النماذج الاجتماعية موجودة في كل زمان ومكان، بل من خلال قراءة الوجه والملامح بفراسة تحليلية يتشارك بها مع القارئ "سيكون وجه نوزديف مألوفا للقارئ، فمما لا شك فيه أن كل إنسان قد قابل مثيلا له، والناس من هذا القبيل، حتى في الصبا وأيام المدرسة يشتهرون بأنهم رفاق طيبون( وهم مع ذلك يتلقون ضربات قوية) لأن وجوههم تبدي عنصرا من الصراحة والاستقامة والإقدام، مما يشجعهم بسرعة على خلق الصداقات، فيبدؤون بمخاطبتك بالضمير المفرد الثاني قبل أن يرتد إليك طرفك." ويكمل في التحليل النفسي لهذه الشخصية " ومع أنه كان أرعن طائشا إلا أنه كان في الوقت نفسه قديرا على القيام بسرقات خفية ووسائل محظورة أخرى."

حب للطبيعة وللحياة الصافية من شوائب الإنسان وسلبياته المؤثرة على بيئته التي لا يرعاها بقدر ما يرعى اهتمامه للمال ، فالشاعرية الانطباعية عند نيقولاي غوغول تتجلى في تعابيره الجمالية المفصولة وجدانيا عن رواية جل شخوصها تتميز بالانفعالات النفسية، والخلل الإنساني، لكنه لم ينس في ظل التكوين الروائي رسم تصورات تمجد الطبيعة" وباختصار كان كل شيء بديعا لا تستطيع الطبيعة أن تبتدعه ولا الفن، ولا يمكن أن يكون إلا حين يتحد معا، حين تمرر الطبيعة إزميلها في لمسة نهائية على عمل الإنسان المتراكم في غير نفع غالبا."

ما بين السادة المتملكين والفلاحين فروقات كبيرة، لأن الكسل والنشاط لا يجتمعان من حيث المفهوم الفعلي للمعنى، والدولة لا تقوم على أنماط تنقسم لقسمين متضادين بهذه الصفة، فالإقطاعي سيكبر ويزداد كسلا وخمولا وبخلا ، والفلاح سيموت فقيرا معدما، ونشاطه لن يخذله حتى نهاية الحياة ، لكن الجهل لا أنواع له، لأنه يرافق صاحبه حتى وصوله للفشل برغم كل ذرائع الوصول التي تمكنه من بداية قد تظهر عكس ما هو متوقع، فالعمق الفني أو العمق الباطني للرواية يحاكي الظاهر بتكنيك قوي المعنى منه ما هو مخفي يتحسسه القارئ بإدراك حياتي، ومنه ما هو مرئي نراه ضمن مجتمع يئن من ضعف تسببت به هذه الشخوص الموجودة في الحياة، أو في رواية تفاجئ القارئ بواقعها المتخيل" سعيد ذلك الكاتب الذي يتعرف دون الالتزام بالشخصيات المضجرة المنفرة التي يصعقنا واقعها البئيس على شخصيات تعكس كرامة الإنسان، ويختار من الدوامة العظيمة للشخصيات المتتابعة أمامه كل يوم بعض الاستثناءات." فهل نيقولاي غوغول هو ذاك الكاتب الذي تجرأ أن يكشف كل ما يظهر في لحظة أمام الأبصار؟

Doha El Mol