التشظي الضوئي ضمن مساحات اللون الواحد
ضحى عبدالرؤوف المل
يحلّق الفنان الإيطالي "مارسيللو كاروزيني" (Marcello Carrozzini) في عوالم تشكيلية ما بين البارد والحار، وما بين الهواجس الإنسانية ذات المعاني الوجودية التي تضع الفكر أمام "الليمبو" (limbo) من نوع آخر، أو برزخي إن شئنا التعبير الفني، وكأنه في لوحاته يبحث عن روح اللون داخل الشكل الذي يرسمه برمزية بسيطة تستتر بين طيات الألوان، وتجريداتها السكونية الممزوجة بميثولوجيات وإنسانيات وأساطير، وحتى من انطباعات تتجاوز حدود اللون وسطوعه. فالمعايير المضمونية وتشكلاتها ضمن اللوحة الفنية تحاكي الإنسان وميوله الطبيعية في التفكير والتخيل، والتشظي الضوئي ضمن مساحات اللون الواحد المستقل بتدرجاته الداكنة والفاتحة، وما تمثله من سمات جمالية تكشف عن منطق ذي معدلات صياغية ينسجها بخاصية إنسانية واجتماعية تختزل واقعية تنطوي على مفاهيم علوم الإنسان والبيئة المحيطة به. إضافة إلى الحركة المتداخلة مع الظواهر الإنسانية التي يرسمها وفق محاكاة بصرية تعتمد على تقنية ذات مصطلحات تشكيلية متآزرة مع لغة إنسانية يقدمها ضمن علوم الإنسان بشكل عام.
تتخذ الخطوط وضعيات تأليفية كنوتات يتركها لتتناغم مع مضمون اللوحة وفكرتها الفنية المتوهجة بحيثيات تتنامى كلما أمعن المتلقي النظر فيها، وبنسق الأشكال الطبيعية أو الميثولوجية المبعثرة بغموض بين الألوان المتفاوتة انفعاليًا. لنجد أن اللوحة هي صورة إبحائية عن الإنسان وأفكاره المتخيلة والواقعية، والمنسجمة مع شطحات الألوان وحتمية الترابط الموضوعي بين الأشكال والألوان والمساحات والضوء والظل والتعتيم والامتداد اللوني الشفاف المؤثر على بنية اللوحة من حيث الكل والجزء، وجمالية الرؤية ومعناها التكويني، وأبعادها التوصيفية المرتبطة باللون والانفعالات، والتشكيلات الفنية المفتوحة نحو مديات واسعة، ضمن الحركة والتكثيف المحمل بخطاب بصري منفتح دلاليًا على فضاءات اللون وتنوعاته المبسطة، والمتعلقة بالمفهوم الإيمائي الذي يسمو باللوحة نحو إنسانيات عميقة الجذور فكريًا، ثقافيًا وفنيًا.
يحاول الفنان "مارسيللو كاروزيني" جعل بنية اللوحة الفنية نافذة نرى منها الماضي والحاضر، بأسلوب فني يميل نحو الأسطورة التي تنفلت منها واقعيات لا شكلانية لتجريد غامض باحث عن الحقيقة في الطبيعة والإنسان، ليجسد المعنى ضمن التفاصيل والأشكال والمفردات المسبوكة بتكرار يعتمد على النسق الفني المتناغم مع الوعي الحسي، المعطى للون بدينامية الحار والبارد والفاتح والداكن، وحتى الامتزاج الذي يجعل منه بنية لونية ذات معنى ميثولوجي يميل إلى خلق انعكاسات متناقضة بين الإيقاعات المنغمة التي تؤدي إلى عصف ذهني نسترجع من خلاله حكايا الحياة، والمواضيع الإنسانية المتضمنة الإحساس بالأطر والخصائص التشكيلية الهادفة إلى إبراز فلسفة تجمع بين فيزيولوجية الشكل وما يوحي له من معاني مختلفة.
تتكيف المعاني الفنية مع تشكيلاته البصرية المحاكية لفكرة يطرحها مع مراعاة لحدود الشكل، وفق قياسات الخطوط والحركة والسكون، والبعد التشكيلي المتناغم مع الأضاد اللونية المنعكسة على السطوح التي تعتمد على الفواصل، والربط الموضوعي بين فضاءات الشكل والمضمون، وما يثيره من قضايا فكرية تبحث في علوم الإنسان وكينونته النفسية المتوائمة مع منطق اللوحة الفني وواقعها المرئي المسبوغ بأفكار تثير انطباعية واقعية تتنوع في ماهيتها، ونزعتها الإنسانية والفنية في آن.
تضاد وتباين وتناسق، وتوظيفات رمزية وإيحائية مبسطة تشكيليًا بعناصرها المحبوكة لونيًا، حيث تشكل علامات استفهام بصرية متعددة، وتزيد من حدة التساؤلات الذهنية المؤثرة على طبيعة كل لوحة وتطابقها الصياغي من حيث التعبير والتجريد، والانطباع الحسي المتفاعل مع الأنماط التي يرسمها "مارسيللو كاروزيني" بتؤدة فلسفية فكرية تحيط بعلوم إنسانية يستنكرها ويتوافق معها، كأنها ترمز إلى آثار فنون الطبيعة القديمة، ولكن بلغة فن معاصر يندرج تحت مفاهيم الجمال، وما تمثله من أهمية في الفنون التشكيلية من حيث أهمية اللون وتقنيته، والخط واتجاهاته ومساراته مع إضعافه أمام اللون ونفوذه الجمالي داخل بنية اللوحة، وهذا يتضح بتنوع الألوان وكثافتها، وتناغمها الانفعالي ضمن لاوعي حركي يسمو فعليًا مع إيمائية اللون وتفاعلاته التكوينية، مما يخلق إثارة بسيطة يصعب إدراك كنهها عند المتلقي.
تفصح مكونات اللوحة في أعمال الفنان "مارسيللو كاروزيني" عن تكوين لوني يهدف إلى تعزيز الرؤية بالنسبة للأثر الإنساني، ومفارقاته التي تنطوي على أسرار الماضي والحاضر، مع الحفاظ على التمازج الحسي مع المستقبل. لتحرير جوهر اللون ومنحه تعبيرات إيحائية قادرة على إضعاف الخط، لاستكشاف قيمة اللون وقدراته، وغموضه التجريدي في بعض الأحيان، وضمن لغة تشكيلية تعبيرية ورمزية تؤدي دورها في سبك اللوحة، وشدّ أواصرها اللونية من حيث الحفاظ على قيمة الحركة والضوء والظل، والتناسب بين الجزء والكل والتحولات التشكيلية المرتبطة بالبنية الاجتماعية للإنسان وطبيعته الزمكانية المنعكسة على معنى الوجود.
لاوعي فني يتسم بنقد ذاتي في أعمال الفنان "مارسيللو كاروزيني" يتنقل بين مدارس فنية هي بمثابة أسلوب ريشة تفتش عن لغة خاصة الغرض منها إيجاد مساحات غنية بالرؤية البصرية، وأفكارها الفنية ذات المغزى الأسطوري أو المتعلق بالعالم الماورائي ما بين الموت والحياة، والتخبط بين اللون والخط والمعاني المفتوحة على عدة إيحاءات تشكيلية ذاتية وموضوعية. لتشتيت الذهن وإعادة تصفيته تبعًا لخزين ميثولوجي يجعل المتلقي قادرًا على قراءة اللوحة من خلال ثقافته وفكره وتذوقه للفن التشكيلي بشكل خاص.
أعمال الفنان مارسيلو كاروزيني (Marcello Carrozzini) في غاليري روشان
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء لبنان