الاختلاف والتجانس بين الكل والجزء في العمل التشكيلي أو النحتي

ضحى عبدالرؤوف المل

تتوازى الخطوط في أعمال الفنان "رافي يداليان" (Raffi Yedalian) ليقارن ويشابه بين الذات والآخر، مع تفاوت نسبي بين الخطوط وارتفاعها والتوازي بينها ضمن فراغات يشقها. ليفصل بين كينونتين متقاربتين يصعب الفصل بينهما واقعيًا لثنائية كل منهما ضمن العلاقة التي يضعها في خانة الفن التشكيلي أو النحتي، وثلاثية الأبعاد القادرة على إظهار الاختلاف والتجانس بين الكل والجزء في العمل التشكيلي أو النحتي أو حتى التركيبي الإبداعي. فهل يحاول "رافي يداليان" خلق استحالة هندسية تقابلها استحالة فنية تعيدنا فطريًا إلى محور الذات ووجدانية اللون، ليخفف من واقعية الحياة ومفاهيمها التي أسقطها على أعماله الفنية؟

يستخرج الفنان "رافي يداليان" من الوعي خطوطه الكامنة في مفاهيم فنية جمالية يراها في وجه الإنسان كمعالم جمالية تؤول إلى معانٍ ثنائية ازدواجية، ونسبية لونية منسجمة ومتعادلة مع الضوء وإشراقات اللون والأشكال الهندسية المخفية ضمن الأشكال. بل ومتناغمة مع جماليات تتشابه مع الحياة، ويرمز إليها بالخطين المتوازيين والفاصل بينهما هو ما يجمع بينهما. إذ يترك للضوء والفراغ واللون فتحات أو ثغرات تنبثق منها حركة الفضاءات المتخيلة، ليحقق رؤية هندسية بنائية مبنية على مفهوم هندسي وصفي أسسه خطوط الحياة المرتسمة في ليونة حركية عند الإنسان أولًا لتشكل منحوتاته أكروباتيا دينامية حيوية للرؤية بشكل عام.

حوارات صامتة ذات خطوط جدلية تؤدي إلى خلق منظور تتلاشى فيه الخطوط اللونية المتناغمة مع العناصر والفواصل التي يتركها ترتسم عبر الفراغات، ليرسم ما ينحت وينحت ما يرسم ضمن الأبعاد المرنة المؤدية إلى نقطة تلاشي واحدة يمزجها مع اللون تاركًا للبصر متعة تأملها في منحوتاته ورسوماته. فالتغيير في الذات لا يعني التغيير في الآخر، فجماليات الأشياء في أضدادها وفي خلق هارمونية بين الألوان المختلفة التي يتركها. لتمثيل الحار والبارد، وقدرة الخط على الفصل بين ما نريده، وما لا نريده ضمن نظرة فنية تشكيلية أو نحتية تركها كتعبير عن الحضارات الإنسانية التي نراها من منظور الخطاب الفني التشكيلي والنحتي والبعد الواحد بينهما. إلا أن التحاور والتجاور بين الخطوط والألوان تتقاطع أحيانًا بتناظر حسي متبادل من طرفين لا يلتقيان، ولونين مختلفين كالأصفر والرمادي بتدرجاته الفاتحة والداكنة والخطوط الداخلية فيه. لتمكين البصر من الفصل بين السالب والموجب أو المرأة والرجل، ولكن ضمن كينونة حياتية واحدة تتضاد فيها الأشكال والأحجام وتنسجم معها الرؤية الحسية فنيًا.

يجمع "رافي يداليان" بين البداية والنهاية والفصل بينهما أيضًا ضمن حيادية لونية تتساوى عندها السطوح. لينشئ مقارنة حسية بين ما هو متضاد ومتوافق في آن معًا، مترجمًا بذلك التعابير الإنسانية إلى خطوط تم تجريدها من التفاصيل من خلال الرؤية الفنية، والانفعالات المؤدية إلى سردية لون يساعد بصريًا في خلق توازنات ثنائية تثير التناقضات، وتفصل بخط ذي اتجاهات قدرية معينة تركها مفتوحة للزمن وضمن صياغة تكوينية وتقنية لونية نكتشف من خلالها قيمة اللون في إبراز التناقضات الجمالية التي تثير البصر.

يقول "رافي يداليان": "نتأثر بالعاطفة الإنسانية وألوانها المختلفة وبما حولنا من الأحاسيس والانفعالات، فهذه المجموعة هي الإنسان وهي النضال والثورة، وأيضًا هي تعبير عن الحب المختبئ خلف الحقيقة والواقع الإنساني بمختلف ألوانه الذي يرى الواقع أو الحقيقة. وهذه الأفكار جسدتها في لوحاتي من خلال الخط المتعامد أو صلة الوصل بين الأرض والسماء أو الخط القدري، وأيضًا في منحوتة مقسمة تشير إلى الإنسان المخفي خلف أقنعة في الحياة، وهذا ما نراه عبر تقسيمات أو أي انفصال جزئي أو كلي ولكن بأسلوب تصويري تعبيري."

معالجات فنية وتقنية متنوعة تضفي على البناء الفني نوعًا من رؤية حضارية تعيدنا بالذاكرة إلى تطورات عصفت بالإنسان، وبهواجس حياتية نخفيها عن بعضها البعض، رغم أننا ندرك بإنسانيتنا القيم الجمالية التي يحملها الإنسان ضمن خطه الحياتي المرسوم له. إلا أن "رافي يداليان" ترك للخط الفاصل سماته الموضوعية، وللبنية الداخلية معانيها الخاصة من حيث اللون والخط، والشكل، والحجم، والكثافة المرتبطة بحركة اللون وتدرجاته من حيث التعتيم والتفتيح، فثمة دلالات وإيماءات قابلة لخلق حوارات داخلية يدركها المتلقي تبعًا لرؤاه الخاصة المتناغمة أو المتناقضة مع الصورة وثيمتها الوظيفية في خلق معنى مرئي متعدد الوجوه.

يفصح "رافي يداليان" عن مكنونات حياتية انفعالية هي جزء من أحاسيس ذاتية داخلية تركت للريشة حرية التعبير عن مفاهيمها الخاصة من خلال الانقسامات التي نراها حيث نشعر بحركة الأجزاء المفصولة لونيًا، والمتلاحمة من حيث الخط والشكل، وهذا التناقض البصري منح اللوحة معاني حياتية وشاعرية، وقيمة للخط والشكل ولرسومات تحررت نحتيا. لنراها ضمن تناقضات رباضية تستند على إيضاحات دقيقة الملاحظة كالعين الواحدة الغارقة بالسواد، والعين الأخرى العادية ذات اللونين أو كالخط الأحمر الفاصل بين الأجزاء والأبيض أيضًا.

تم نشره عام 2014في جريدة اللواء لبنان