لغة الفن التشكيلي التي نرى من خلالها معالم الصراع البشري
ضحى عبدالرؤوف المل
تأسر ريشة الفنان "أمير حسين زنجاني" (Amir Hossein Zanjani) بتعبيراتها عن الحروب تفاصيلَ ألوانٍ تميزت بالانفلات من قيود الرؤية السياسية، فلجأت إلى لغة الفن التشكيلي التي نرى من خلالها معالم الصراع البشري وقساوة ذلك على الحياة العمرانية، والمؤثرات المؤدية إلى خرابها بيئيًا قبل إنسانيًا. وهذا ملموس في تعبيراته الملونة بضربات ريشة حيوية تحاول إظهار سلطة الحرب على الإنسان والانقياد الأعمى لها من قبل جنود تهشمت معالمهم الإنسانية في لوحات "أمير حسين زنجاني" المحاكية للحروب بكل مضامينها ومساوئها. وكأنه ما بين التعبير والواقع لجأ إلى نوع من التجريد الحي، لنشعر أن لغة الكلام المقيدة قد تحررت بين الألوان والأشكال، بل أظهرت حالة من التعاطف مع مظاهر الحروب وقسوتها التي لا يحصدها إلا الإنسان الذي انطبعت في ذهنه معالمها بكل التفاصيل المؤلمة.
جنون حرب أم جنون سياسة في لوحات الفنان "أمير حسين زنجاني"؟ يتساءل من يتأمل لوحاته عن هذه النزعة الانقيادية التي يظهرها من خلال ملامح الرجال الذين يقاتلون والحافلة بالطاعة العمياء، والانقياد لسلطة السلاح ولغة الحروب في مشاهد فنية مليئة بالتدمير. فهل من ربح وخسارة في الحرب، أم هي خسارة في كل وجوهها التي تجعل من الجنود يرفعون أسلحتهم كعلامات انتصار؟ حيث تبدو على لوحاته لغة الانقياد المتناقضة مع طبيعة الإنسان المحب والشغوف بالجمال والسلام.
بناء لوني متماسك وألوان داكنة تتضاد مع الظل والضوء، والسرد التعبيري المجبول بلغة الحروب لظهور سلبياتها بتجريدات سينوغرافية تثير الغموض حسّيًا أحيانًا، وأحيانًا بواقعية قاسية تعانق الأفكار المنبثقة من لوحاته، والباحثة عن معنى الحروب ومدى عقلانيتها. وكان الواقف أمام لوحاته الفنية التي تخاطب بمعانيها الانفعالية المتلقي كالمتفرج على مشاهد الحرب باستسلام لا ينهي الصراعات التي تزيد من دمار البشرية، ومحو كل جمال فيها ليضفي على الإنسان قيمة الطبيعة والحياة، والصراعات الإنسانية المؤدية إلى إشعال الحروب أكثر وأكثر. فهل يبحث "أمير حسين زنجاني" عن صحوة إنسانية تجعله يميل عن لغة الحروب في لوحاته التي تتسع مساحاتها لمشاهد يفصلها عن الحرارة؟ لنشعر أن برودة الألوان من برودة الحرب التي يرسمها بكل تفاصيلها المؤثرة على الحس البصري والفكر الذي يقتصر على الأوامر العسكرية المسببة لانقياد الشعوب أو الإنسان خلف الحروب المتسببة في دمار البشرية.
إدراك فني يتنامى بسيمترية رؤيوية للحرب ومفاهيمها المبنية على السلطة وقواها القادرة على تسخير الإنسان لخدمتها دون الرجوع إلى مبادئ الإنسان التي وُلد من أجلها، وهي التآخي مع الطبيعة واستنباط الحياة وجمالياتها. وهذه الحقيقة المتناقضة مع الطبيعة يواجه بها "أمير حسين زنجاني" المتلقي، ليتفكر في تفاصيل لوحاته الفنية المبنية على رؤى الحروب، وبواطنها ومخططاتها التي تسعى إلى التدمير، وخلق بشاعات تتناقض مع الفن التشكيلي الذي يجسد من خلاله "أمير حسين زنجاني" قدراته الفنية في خلق جدلية الحرب والجمال، والصراعات النفسية ضد الحرب من حيث التشتت والتهشيم في الأشكال والألوان. فالحرب في لوحاته هي للخراب والدمار، وليس لقتل الإنسان جسديًا، إنما فكريًا، حيث لا نرى في لوحاته معالم الموت بتوازن مع معالم الخراب التي تظهر بكثرة في التفاصيل، وبين الزوايا حيث يترك لريشته ترجمة آثار الحروب على البيئة الطبيعية من حولنا.
يراعي "أمير حسين زنجاني" نارية الألوان الممزوجة مع برودة ألوان أخرى، لتشتعل السماء باللون الأحمر المشرق، والممزق مع الرمادي، لتتجهم الطبيعة مع الأحداث المؤلمة التي يرسمها بديناميكية لونية، وفق لغة بصرية تحاكي ذهنية الإنسان وحواسه، محركًا بذلك عاطفة اللون في إثارة التفكر بالحلول والتأثير المباشر المفتوح أمام مشاهد الحروب، وعمق الحركة اللونية في كل مشهد مزجه بمضمون موضوعي حداثي كلاسيكي وذاتي تشترك فيها الخطوط الثابتة والمتحركة. ليجمع بين الأساليب التعبيرية المؤدية إلى ترجمة اللوحة بوعي فني يخاطب به جمهور الفن التشكيلي. ليستقر معه لغة الحروب المدمرة للإنسانية عبر نماذج تهدف إلى خلق تضاد بين اللون، والشكل، والمعنى حيث السكون الحسي يصل للمتلقي بصريًا بوضوح معنوي وفني وحسي يضعنا أمام جمالية تختلف معالمها من حيث الخط، والفراغات، والظل، والضوء والتعتيم، والتفتيح، والتلاعب بالكثافة والشفافية في أكثر من لوحة تركها ليثير التخيلات والإيحاءات. إذ رسم فيها فقط معالم الدمار، وبعضها رسم فيها سلطة الإنسان على الإنسان من خلال رجال بأسلحتهم ضمن صفوف متراصة كأنهم تم برمجتهم لذلك.
يقول تورتسكي: "قد لا ترغب في الحرب ولكن الحرب ترغب فيك." وقد لا ترغب في رؤية لوحات الفنان "أمير حسين زنجاني" التي تمثل حروبنا المستمرة، ولكنها تضعك أمام مسافات فاصلة بين الحقيقة والحقيقة بوجوهها التي تمثل بشاعة الحرب وجمال الفن أو ألم الدمار وحلاوة الإنسان المبدع الخلاق ومدى تأثيره بما يراه، وبما لا يستطيع قوله إنما رسمه فقط. فهل لغة الحروب في الفن التشكيلي هي روايات بصرية ذات تأويلات وتحليلات تختصر الآف المقالات والكلمات التي من شأنها أن تمحى من ذاكرة الأوطان؟ لتبقى اللوحة هي المحاكاة الفنية التي تواجه هذه الصراعات بمشاهد عميقة لا تراها العين المجردة، إنما تقرأها البصيرة الفنية بجمالية صياغية يحتفظ فيها الفن التشكيلي.
تم نشره عام 2014جريدة اللواء