عدم مطلق
قراءة في قصة "حواء في هرتها" للروائي "غابريل غارسيا ماركيز" من كتاب "القصص الكاملة" ترجمة "صالح علماني"
ضحى عبدالرؤوف المل - بيروت - لبنان
تتكامل عناصر القصة عبر الفضاءات غير الممكنة واللامرئية في قصة الروائي "غابريل غارسيا ماركيز" "حواء في هرتها الأولى"، وكأنه يبحث في نواتج الجينوم البشري عن علم وراثي يؤدي بالكل نحو الجزء، وبالجزء نحو الكل، موضحًا الفرق بين حدث وآخر. كما يوضح ذلك في احتمالات يرمز إليها بالبرتقالة أو بمعادلة احتمالية لكل حدث يراه مشتركًا مع البنية المتينة للقصة السريالية التي تؤدي دورها في تحقيق العناصر الدالة لكل حدث مستقل عن الآخر، وكأنه يرسم معادلة رياضية فيزيائية في قصة فلسفية سريالية تزرع الشك في فكر القارئ. ليستنتج أن البرتقالة هي العنصر الوحيد الخالي من الأحداث المشتركة التي تهدف إليها دون التفكير في عواقبها، خلافًا للحالة الأولى حيث أرادت تقمص هرة. لكنها بعد تحليلات متعددة في السلبيات والإيجابيات اعتمدت النفي الواقعي، ولجأت إلى خلق احتمالات، ولكن هذه الاحتمالات تؤدي كلها إلى أن الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان ومهما اختلفت أبعاده.
أين تكمن حدود الإنسان؟ قصة تؤدي إلى تساؤلات تخيلية ناتجة عن "مغامرة تحت جلدية ممزقة، ذلك الجزء الطيني المزهر حيث كان يتموضع جمالها التشريحي" ليضع الليمبو في منطقة برزخية لا يمكن الدخول إليها ولا الخروج منها. لأنها ببساطة عالم من التناقضات لأرواح أطفال لم يتم تعميدها أو الأرواح التي هربت من الدنيا بالانتحار أو عالم الأرواح التي تراوحت بتواجدها الدنيوي بين هذا أو ذاك. فصياغة القصة عند ماركيز تبدأ من مجموعة خيوط عقلانية معقدة في اتجاهاتها، فهو يربطها ضمن عقدة متينة لا يمكن فكها. إنما يجاهد العقل في فهم طبيعتها الفلسفية أو السريالية من خلال الفهم التحليلي عند القارئ. إذ يضع شخوصه القصصية في حالة مرضية ما. فهذه المرأة التي قتلها جمالها وضعها ضمن الأمراض النفسية المستعصية التي يصعب علاجها. لأنها توارثت خلاياها من الجدود الجينية المتراكمة في ذاتها، حيث لم تستطع الانتصار على مرضها النفسي قبل الجسدي لاستسلامها الجيني له. "لا، هذه الحشرات ليست منها. إنها أتت منتقلة من جيل إلى جيل، داعمة بدروعها الدقيقة جدًا كل شهرة طائفة مختارة، ومختارة بصورة مؤلمة. لقد وُلِدت هذه الحشرات في رحم أول امرأة حملت طفلة جميلة"، معتبرًا الجمال فضيلة غير مجدية للمرأة بل هو من أسباب التعاسة وأضافها إلى التعاسة المتوارثة للمصير الإنساني الذي يقود نهاياته نحو حياة أخرى عالقة بسبب الانتماء المتذبذب بين الإيمان والشك، متكئًا على عدة علوم فيزيائية وكيميائية ورياضية، إضافة إلى خرافات تأثر بها وانتقدها في قصصه بلغة مواربة فنيًا. إذ يبدو المنطلق الأساسي في قصته "حواء في هرتها" هو جمال المرأة وسوء استعمالها له، مما قد يؤدي إلى إصابتها بعدة أمراض نفسية تؤدي بها إلى الموت المحتّم، حيث يصبح الجمال الهاجس الأكبر عندها، والخوف من فقدانه أشبه بفقدان الحياة. "ما نفع جمال مثل هذا؟ كانت تفكر، ليلة إثر ليلة، وهي غارقة في يأسها، بأنه كان من الخير لها أن تكون امرأة عادية، أو أن تكون رجلاً، بدل التمتع بهذه الفضيلة غير المجدية، والتي تتغذى على حشرات نائية الأصول تسرع في مجيء الموت المحتّم إليها." فهل الإنسانية مبنية على واقع موروث لا هروب منه إذا يتتابع في السلالة البشرية مع الأجيال الزمنية حتى بأمراضه العقلية والنفسية الناتجة عن خلل جيني يدفع ثمنه الإنسان غير القادر على مقاومته بسبب الجين الأساسي الذي توارثه؟
ما من تحرر في الحياة الواقعية التي نعيشها بمرّها وحلوها. لأن التحرر عند ماركيز يأتي بعد الموت عند رؤية الإنسان نفسه على حقيقتها دون جسد يمنعه من اختراق الحدود التي لا يمكن رؤيتها واقعيًا، فهو يضع نفسه أمام برزخية تفصله عن الواقع. ليكتشف الخطأ الذي يقع فيه الإنسان ويتسبب في تغيير مجرى حياته كلها التي تركها دون أسف عليها. "لعنت أسلافها فهم المسؤولون عن أرقها. هم الذين تناقلوا هذا الجمال الثابت، الدقيق، كما لو أن الأمهات، بعد موتهن، يهززن رؤوسهن ويجددنها ليطعمن بها جذوع بناتهن. كان ذلك كما لو أن الرأس نفسه، رأس واحد فقط، جرى تثاقله، بالأذنين نفسيهما، وبأنف مشابه وفم متطابق، وبالذكاء الثقيل نفسه، في النساء كلهن اللواتي كان عليهن تلقيه دون مفر كميراث جمال مؤلم." فهل كل جمال في امرأة بصاحبه ثقل في الذكاء؟ إذ ما من استثناء لقاعدة الواقع البشرية عند ماركيز فهو يترك مسافة للحياة ليمنحها قيمة التوارث، وبالتالي هو يمحو عنها صفحة الابتكار والإبداع بلا جدود، لأن كل منا يحمل من صفات الإنسانية الأولى ما يؤهله ليكون فردًا من مجموعة أفراد مستنسخة مع الأجيال ومتطورة كأنها المرض السرطاني الذي لا شفاء منه. "أتى ذلك الميكروب الأبدي الذي ازداد رسوخًا عبر الأجيال، واكتسب شخصية، وقوة، حتى تحول إلى كائن لا يقهر، إلى مرض لا شفاء منه، وعند وصوله إليها بعد أن مر بعملية مراقبة معقدة، صار مريرًا ومؤلمًا، ومن غير الممكن تحمله... مثل ورم أو سرطان بالضبط."
تسيطر الأفكار العجائبية على قصة ماركيز "حواء في هرتها"، حيث تفكر الجميلة بتقمص هرة لتأكل برتقالة أثارت في نفسها هدفًا تسعى له، وتنصب رغبتها في تذوق طعم البرتقالة التي ترمز إلى الوعي بعد الموت لما افتقدناه في الحياة أو أخطأنا في تقديره. فهو يسعى لاختراق غير مألوف، ليستنتج مع القارئ سيكولوجية الإنسان وقدرته على مواجهة البناء الإنساني والتوجسات التي تصيبه من جراء يقينيات تولدت عبر السلالة الجينية، والعادات الاجتماعية، والسلوك الانقيادي المتماهي مع الواقع والمساوئ التي تصيبنا من أنفسنا أولًا وأخيرًا. "لكن التذكر كان ينتهي على الدوام برعب من المجهول. كانت أفكارها، بعد أن تجول في أركان البيت القاتمة، تجد نفسها دومًا في مواجهة الخوف. وعندئذ يبدأ الصراع." إلا أنها في مرحلة زمانية لا مكانية، أي في مرحلة التحرر الجسدي من المادة المثقلة بما توارثناه، ليترك غارسيا للقارئ متعة اكتشاف الحقائق النفسية التي تلج في عمق الرؤية غير المألوفة واقعيًا، لاكتشاف الواقع بأسلوب معاكس وعبر قصة تلج عوالمها الغريبة غير المرئية بمسوغات قصصية لا بداية ولا نهاية لها. إذ يعيدنا "غارسيا ماركيز" دائمًا إلى الدائرة التي تنتهي وضمن حلقات تثير المخاوف عبر كلمات تجريدية تخيلية ذات أحاسيس تعلو وتنخفض تبعًا لوتيرة الأحداث المتلاحقة من صوره السريالية. "ستكون هي هناك، تتأمل اللحظة، تفصيلًا إثر تفصيل، من ركن ما، من السقف، من شقوق الجدار، أو من أي مكان، من الزاوية المناسبة، محتمية بوضعها غير المادي، بحالتها اللامكانية. كان التفكير في ذلك يضايقها. لقد أدركت الآن خطأها." فالقصة أعادت غرور المرأة الميتافيزيقية إلى أصولها بعيدًا عن فضائل الزمن الذي جردها منه ماركيز في قصته هذه حيث "أدركت أن ثلاثة آلاف عام قد انقضت منذ ذلك اليوم الذي رغبت فيه أن تأكل البرتقالة الأولى." فهل حاول ماركيز حث المرأة على انتزاع هواجس الجمال والبحث عن الوعي الذي يجعلها إنسانية في واقع حياة لا يرحم؟
تم نشره عام 2014 في جريدة المدى