"الحروب استبدلت الأوجاع بالمسرات عن عمد"

قراءة في كتاب "ميادة ابنة العراق" للكاتبة "جين ساسون"

ضحى عبد الرؤوف المل – بيروت، لبنان

يحمل كتاب المؤلفة "جين ساسون"، الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، صوراً عن حرب هزت قلب "ميادة"، التي ولدت في لبنان وأحبته وتآلفت مع معناه في أكثر من زمن وحالة. تروي الكتاب قصة آلاف النساء في السجون بأسلوب حكائي يستدرج القارئ بهدوء إلى عمق كتابها، لنتساءل معها بعد ذلك: "هل حالنا اليوم أفضل من تلك الأيام؟" سؤال يصعب الإجابة عنه للوهلة الأولى. ولكن لنتذكر جميعاً أننا اليوم نمتلك أملاً وشمعة تضيء نفقنا المظلم، الذي سنصل إلى نهايته المشرقة بلا شك، فليس هناك ظلم يدوم إلى الأبد. لأن الزمن دائماً يفاجئ الجميع بما هو غير متوقع. إلا أن للكلمة ألف باب تدخل منه، إذ تموت الأجساد وتبقى الأرواح خالدة، لتروي للأجيال قصة عذابات بقيت في كتاب أو في لوحة أو على جدران السجون. "الكتابة، الكتاب، والتصميم" فنون تعشقتها وراهنت على محبتها، فعقدت معها صداقة وفية.

الكتاب عبق بالذكريات وبالأوجاع التي ما زالت تتواتر على أرضنا العربية. وما زلنا نبحث عن السلام بين الأنفس التي تتدثر بالأفكار السوداء. ولكن هل تستحق المرأة أو الطفل أو الشيخ كل هذا العذاب الذي تحدثت عنه "جين ساسون" في كتابها؟ وهل فعلاً "للذكرى نكهة توازي الأيام الحلوة"؟ أم أن الذكرى هي لخالص الأيام الجميلة التي عشناها؟ لكن السؤال: أين هي هذه الأيام؟ استطاعت "جين ساسون" إطلاق وصف ذي وجهين، لندرك هيئة الأشكال التي كانت في السجون من خلال صفات تتركز في الذهن وتعلن عن العمر الذي أمضاه السجان في هذا المعسكر التعذيبي. "رفع المقدم رقبته قليلاً، وترجح جلد رقبته المتهدل يميناً ثم شمالاً، قبل أن يخرج كلماته بتركيز شديد كانت كلمة إطلاق رصاصة قاتلة."

الأم لا تنسى أطفالها وهي قابعة تحت رحمة سجان لا يرحم. فهي لم تُنفِ روعة إحساس الأم في وصف مشاعرها، حيث "كان من المفترض أن تصحب فيء معها في دعوة إلى الغداء، ومن ثم إلى طبيب الأسنان لأن أحد أضراسها ملتهب، ومن المفترض أيضاً أن تصطحب ابنها علي إلى الحلاق ليقص شعره، ومن ثم الذهاب جميعاً لشراء حاجات البيت". فقد تلتهب مشاعر الأم وعاطفتها أكثر من أن يلتهب جسدها بين جدران السجن، فكيف تتكون المجتمعات بعافية ليكبر المجتمع وبصحة الوطن جنة الناس على الأرض؟ "لم تكن خطاها تصعد نحو العلو المنشود، لكنه صعود نحو هاوية سحيقة، هي ليست بغموض الألغاز كي تفككها بصعوبة الغريب." فرمزية العلو باتت صورة لفوبيا جديدة تعلن عن مرض نفسي داخل ميادة، التي تتوجس من كل هذا وتنتظر ما هو أسوأ. فما هو الأسوأ من سجن أم لم تستطع إبلاغ أطفالها أين هي؟

أسلوب فني واعٍ لمصير الإنسان المعذب سياسياً، تبعاً للطبقة الحاكمة، وخصوصاً المرأة، نفسيتها ووضعها الاجتماعي، التي استكملته بوضعها كسجينة سياسية، رصدت معها حكايا النسوة في زنزانة 52، الرقم الشؤم الذي تخافه، بتداخل فني زمني حساس في التوصيف والسرد واستخراج الصورة التاريخية لبعض الأفراد. "هذا الحلول القدري في رسم التاريخ والمساهمة في صنعه منحهم هذه المكانة، سواء أوافقنا أم اختلفنا معها، فالعظيم وحده من يختلف الناس عليه. وقدر العبقري أن يكون متفرداً أو وحيداً في زمانه ومكانه وفي حلو التاريخ ومرّه."

ترصد الكاتبة "جين ساسون" فترة زمنية من أزمة العراق في فترة حكم "صدام حسين"، وتلجأ في بعض فصولها إلى التلميح لما قبل حكم الملك "فيصل الأول" و"جعفر باشا العسكري" و"نوري باشا سعيد" و"لورانس العرب"، لتجسد واقع أبطالها في عين التاريخ حتى خلال الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني للعراق عقب الحرب العالمية الأولى، رافضة بذلك الاغتيالات والانقلابات، موضحة أننا لا نحيا بأمن وسلام في بلادنا العربية. لتقول: "كان جعفر مغرماً ببريطانيا، وطالما ردد مراراً بأنه لا يحتاج في المملكة المتحدة إلى أكثر من عصا المشي، بينما يحتاج في العراق على الدوام إلى مسدسه!" فهل أنصفت "جين ساسون" التاريخ ووقفت على الحياد في تصوير الأزمات السياسية أو الاغتيالات وأسبابها في المنطقة العربية؟

إن الشخصية المحورية في كتابها تتماشى مع الأحداث بسرعة تُظهر فيها ما يتناسب مع توجهاتها السياسية، معرقلة بذلك السياق السردي بين أحداث تشتت الذهن ما بين الزنزانة والتواريخ السياسية المهمة لما جرى ويجري من حروب بين العراق والدول الأخرى، برغم الوصف الذي يسبب الجزع للقارئ، وهو من الواقع الذي ما زال في ذاكرة كل عراقي عايش تلك الفترة زمن الحصار. "حفر الحصار بعمق معاناة حقيقية في حياة ميادة، فهو الأكثر وطأة من الحروب على يومياتها ونفسيتها. إذ شغلها ذلك القلق العاصف عن كيفية توفير القوت اليومي لديها في زمن تدرك مدى شحه وقحطه المزدوج وحصاره الداخلي والخارجي المزدوج أيضاً."

أزمنة متعددة وتواريخ ووصف داخلي وخارجي لمعالم السياسات المتبعة آنذاك مع الوقائع الاستجوابية وروتينها التوجسي. إذ نلمس ضعف المرأة المحبة لولد لها خارج السجن أو لأب أو لأخ أو لجدة، ولكن من يستطيع سجن امرأة ليوم واحد؟ لا جواب. إذ تتعرض المرأة منذ القدم وحتى الآن إلى عذابات الحروب التي تلقي بكاهلها على المرأة من انتهاكات تتكرر في ظل المأساة التي نعيشها غالباً. مما كسبت أيدينا. إلا أن ميادة كمن تدور في فراغ. إذا يصعب معرفة تهمتها، وهم من اعترفوا أن جهاز الكمبيوتر ما من دسائس سياسية فيه، وهي من "أدركت معنى أن تشيخ القلوب وهي بعد فتية."

معاناة روحية قبل الجسدية في زنزانة 52، وأيضاً معاناة سياسية في "بلاد عربية تقف على عتبة تغييرات كبيرة" لتؤرخ في كتابها عدة مراحل مرت حتى على الدولة العثمانية. وربما هذا يترك القارئ في استنتاج خاص بأن "جين ساسون" تظهر ما تريده من فترات مهمة مرت على عائلتها بالذات، فهي تحكي عن الذات وللذات ولوطن يصيب القارئ "صدمة الاندهاش". إذا صحّت مقولة: "إن التاريخ لا ينام ولا يغفل عن حدث"، حيث تمزج "جين ساسون" بين أزمنة مختلفة مرت سحاباتها السوداء على العراق المثقل بالأحداث الدموية، وتركت أثرها في النفوس بحرقة نساء الظل، وهن ينتظرن جميلة. فالرحلة المأساوية لميادة لن تنتهي في سجن تم فيه "إيصال شحنات الكهرباء إلى جسمها مراراً وتكراراً، ومعها استمرت الرجات والتشنجات والرجفات. ولشدة الاهتزازات العنيفة، رمت رأسها إلى الجزء الخلفي من الكرسي. ازداد الوجع الكافر ليصبح غير قابل للتحمل فصرخت بذعر طالبة الرحمة."

مع مونولوجات داخلية تثير التعاسة في النفس، فالانتهاكات القوية لنساء لا يملكن من أمرهن إلا الرضوخ لسجان يطيع الأوامر دون رحمة، لهو قمة القسوة والجبروت.

كتاب ارتبكت فيه الرؤية لتداخل الأحداث مع بعضها البعض، ومنها ما هو من الماضي ومنها ما هو من الحاضر. إلا أن "جين ساسون" لم تقف على الحياد مع الأحداث السياسية التي روتها بأسلوب جسدت فيه آلام النسوة المعذبات، وآلام ميادة العسكري التي استطاعت فيما بعد الهروب إلى الأردن، رافعة يديها تدعو الله: "ربي خذ باليد المباركة لتكتب صفحات عرق حر ونبيل... بحق قدرتك وجلالك."

تم نشره في جريدة المدى عام 2014