ذهنية الصورة البصرية وعقلانية طبيعة الحركة الوهمية

ضحى عبدالرؤوف المل

تلتف الخطوط المتشابكة باخطبوطية ترتسم تفاصيلها الفراغية داخل ذهنية الصورة البصرية وعقلانية طبيعة الحركة الوهمية الغير منظورة التي يلتقطها " اتيان بسترمجي" بصريا ، وبتجريد عقلاني يضع الفكر امام حقيقة الاشياء، وتكوينها المجرد القادر على مخاطبة العقل مباشرة من خلال الواقع التصميمي الذي يتشكل ضمن انفعالات تخيلية هي جزء من تفكير بصري يثير رؤية تتجسد من الداخل الى الخارج ، لتنفي مادية الاشياء التي تتكون من فكرة غامضة تحاكي الوجود بعقلانية الطبيعة الخلاقة، وفطرتها التي تستعصي على الانسان ليجسد الدماغ الخطوط الاولى للوعي التي تجعلنا ضمن الوجود والانسانية حيث تتخذ التصميمات في اعمال " اتيان بسترمجي" اشكالها العملية المختلفة من مسارات ومعايير ، ومقاييس تخطيطية اشبه بجغرافية بشرية تتشكل من خلالها حركة وهمية ، وبمزاوجة مع التخيلات والايحاءات التي تقود الفكر الى اختراعات ابداعية تمثل انطلاقة للوعي الفني، وبعقلانية هندسية ترى الداخل النابض بجمال حياتي فطري يتكون مع مراحل الحياة وينمو ويتطور ليحاكي الفن المعاصر .

طبيعة عقلانية يلتقط " اتيان بسترمجي " تصويراتها من الحس الوجودي بتكوينات تبدو كمخططات حسية ناتجة عن انفعالات ميتافيزيقية ثائرة على الواقع ومتناقضة معه من حيث اعادة تشكيل الحركة بخطوط حبرية تميل الى ملموسات تخطيطية ، لتكوين مجسمات تتضمن بناءات تشكيلية تحاكي بطبيعتها الاشكال الجديدة وفقا للرؤية ومعطياتها التي يستقرأها " اتيان بسترمجي" بوسائل ابداعية مختلفة . تستمد وجوديتها من بنية التفكير الانساني ونظامه العقلاني الساعي دائما الى التغير، وخلق تغيرات حداثوية دون تحطيم الاسس والمقومات البنيوية لاجزاء الشكل بالتوافق مع الانطباعات الحسية المتداخلة مع المعطيات التي صممها بمختلف الاساليب العملية مع خصوصية الحس البصري ، المتأثر بالضوء وفراغاته حيث يعمل على انحسار الضوء بين فراغات صممها داخل كل عمل فني تشكلت بنيته ضمن محسوسات دقيقة. أدت الى الكشف عن منظومات ايقاعية تميزت بخصوصية الحركة الداخلية، والقدرة على التجزيء والتفكيك البصري الى وحدات تركيبية تنكشف تصميمتها العقلية الحسية من حيث التحليل المرن المتمسك بواقعية الاشياء الفنية واسسها العقلانية.

عقلانية لا تخلو من انفعالية فنية للمادة المحسوسة ، بمختلف خاماتها المتباينة والمتضادة مع الشكل الحسي والمادى والاتساق الثنائي بين الفكرة ومظهرها الداخلي قبل تنفيذها . لتصبح عملا مجردا من كينونة المفاهيم التقليدية التي ثار عليها " اتيان بسترمجي " وتوافق معها تصميميا لتبدو متماسكة كوحدة صاغها بخصوصية اسلوبية نابعة من الذات ، وقوة تصوراتها او قوة تجريدها للمادة التكوينية باعتبارها عنصرا فنيا يكتشف ماهيته بالرؤية، وبتقاطع الخطوط والمسطحات، والضوء، والظل، وحتى في بعض اللوحات باللون الاصفر وسريالية التشكلات التي يدركها العقل وتنفيها الحواس، فهل يحاول " اتيان بسترمجي " خلق صورا تخيلية ناتجة عن عقلانية الشكل الفني وتحويله الى منجز فني؟

اشكال مستحدثة عبر خطوط صاغها فنيا ببساطة وظفها. لتوائم الفكرة التي التمسها من الشكل الواقعي، كالدماغ وبنيته الداخلية التكوينية المؤلفة من عدة اجزاء ، تشكل مسيرة تتشابه فيها الاشياء وتتطابق . لتتغير الخطوط التي تشكل منحى فكري جمالي يثير توازنات وايقاعات تلتقطها العين قبل الحواس الاخرى. لان ديناميكة الحركة الوهمية مثبتة داخل العقل وضمن الحقائق التي نحللها فكريا، لنصل الى جوهر الاشياء وجمالياتها من خلال رؤيتها من الداخل اولا ، فهو يحاول الافلات من القيود التي يفرضها العقل الانساني على الشكل الخارجي. لهذا نشعر بعد تأمل اعماله البصرية بنوع من التحرر الذاتي، فهو اعتمد على الداخل لرؤية العمق الاستطيقي لتأملات العقل دون العاطفة. الا انه لجأ لتكنيك تشكيلي ضمن العمل الابداعي التصميمي الفني، كما ان بعض اللوحات مبنية على الالوان والاسس التشكيلية .

انظمة معقدة داخل اشكال تنطوي على مفاهيم عقلانية، تتجدد تبعا للرؤى الفنية محاولا بذلك ايجاد اشكال جديدة تحاكي بحداثويتها منظومة العصر الجديد، وطبيعته العقلية المتمثلة بالافكار الناسخة والمنسوخة من الداخل الى الداخل، ضمن نظم معلوماتية اشار اليها بالخطوط الاساسية والفرعية التي تتبعها العين دون التفكر بالمكان والزمان او ابعاد التصميم ووجوده. لأن الحس يلجأ مباشرة الى تحليل الشكل وتحويله الى اجزاء يفككها. ليفهم المعنى الحركي المؤدي الى بناء الصورة الذهنية والتخيلات الناتجة عنها ، حيث تنشط الذاكرة البنائية بصورة فنية انعكاسية تؤلف تكوينات تضم مجموعة من الصور التي يولدها الشكل، ويثير تصورات ذهنية ذات ترميز يختزن من الابعاد ما هو متصل مباشرة بمراكز الحس في دماغ مشى عبر مساراته بخطوط تعرجت وتقاطعت مع الميول الفنية والعقلية.

يقول ماتيس:" على الفنان ان يبحث عن التصورات ذات الكفاءة التي تتحول من خلالها الطبيعة الى فن والالوان والخطوط تعد قوى فععالة وسر الابداع يكمن في الاستخدام المتوازن لهذه القوى." فهل استطاع" اتيان بسترمجي" تقديم تصورات تتوازى مع الفكرة؟.ام ان الفكرة الذهنية في اعمال" اتيان بسترمجي" اكير من حقيقة التشكلات البنائية او بالاحرى البصرية التي قدمها في معرضه. اذ تبدو الفكرة قابلة للتطور والتجدد عبر نقاط كثيرة كان من الممكن تطويرها بشكل اكبر ، فالمعطيات الحسية تستند على ماديات الشكل الاساسي المتكون من تخيلات ذات نظم تتناقض مع الية التفكير الفني الثائر على التقليدي والمنطلق نحو الحداثوية .

معرض الفنان " اتيان بسترمجي" ( Etienne Bastormagi )

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء