فن إبداعي عصامي يلقي الضوء على مواضيع إنسانية
ضحى عبدالرؤوف المل
ترتفع نسبة العشوائيات في الدول النامية وتشكل مشكلة بين السكان. كما تؤدي إلى إضعاف القدرات الجمالية أو الإبداع العمراني أو حتى جمالية الرؤية البصرية، وهذا ما تحاول الفنانة "تانيا بكاليان سيف الدين" التنبيه له من خلال رؤيتها الفنية المفاهيمية ذات التركيب الكرتوني، والطلاءات الجيرية. ليرى الإنسان ضيق الفراغات، وكثافة العشوائيات في المخيمات. إن الفلسطينية أو المخيمات السورية الآن، فهي تهدف إلى إسقاط الضوء على بيئة قد لا نشعر بخطورة تواجدها لكنها عالقة في ذاكرتنا، وموجودة بكل سلبياتها في كل بقاع العالم حيث وضعتها "تانيا بكاليان سيف" بعصاميتها الفنية ما بين دائرية اللوحة أو ما بين مربع لا فراغات فيه. فاللوحات تحمل بصمة الموضوعات الإنسانية والمفاهيمية التي تهتم بالحالة البيئية والجغرافية وتشكلاتها عبر الزمن، وآثار الحروب المخفية في أماكن ما كمشكلة المخيمات والنازحين، ليثيرها فنياً من خلال لوحاتها ذات التركيب الإبداعي الذي يخدم فكرة العشوائيات وإظهارها بكل تفاصيلها المؤدية إلى تساؤلات تؤدي إلى طرح أسئلة يصعب الإجابة عنها. هل هذا ينتج من ضعف القدرات التمويلية في البلدان النامية؟ أم أن مصادر التنمية التي باتت معدومة، وهي أيضاً لا تستطيع التخلص من عشوائيات تدفعنا نحو المزيد من المشاكل الاجتماعية أو العمرانية وحتى الإنسانية؟
ربما لا يحمل معرض "تانيا بكاليان سيف" فنياً مواصفات تشكيلية أو إبداعية مفاهيمية بمعناها الأكاديمي أو قياساتها ومعاييرها الحركية. لكنها قدمت مزيجاً دائرياً من مربعات هي جزء من فن إبداعي عصامي يلقي الضوء على مواضيع إنسانية تهتم بالمجتمع والإنسان، ويحفظها التاريخ لتكون رسالة إلى العالم. فالعشوائيات على مدار العالم هي نتيجة التهجير والخروج من مجتمع إلى مجتمع بكل التفاصيل التي تؤدي إلى أذية الإنسان. فهل من رؤية تنموية تستطيع أن تقدم حلولها لهذه العشوائيات التي وضعتها "تانيا بكاليان سيف" ضمن طيف الألوان البيضاء أو بمعنى موجودة ولا أحد يراها على حقيقتها أو أن أبعادها أكبر من حقيقة الإنسان؟
كرتون، جير، خامات مختلفة من عشوائيات شاركت لوحاتها في رؤيتها الفنية الهادفة إلى خلق بصمة اجتماعية تضيء على مختلف المواضيع الإنسانية بفن نراه يحاكي الإنسان أولاً والذوق العام ثانياً، من جمالية تفتقدها العشوائيات التي يصعب فصل مربعاتها عن بعضها البعض، وكانها كتلة جيرية صماء لا أرواح فيها. إلا أنها موجودة ولا يمكن محوها إلا ضمن رؤى عمرانية تقدم البديل عن هذه المخيمات أو العشوائيات التي تتسبب في تلوث اجتماعي بمختلف مواضيعه المحملة بالوجع والألم والنزوح الإجباري، وما إلى ذلك من مواضيع أيضاً لا يمكن حصرها، ولكنها محسوسة بعد كل حرب يصاب فيها الإنسان بخسائر إنسانية.
يزداد الضغط البصري في لوحاتها كلما اقترب المتلقي منها أو ابتعد عنها، فتصميماتها للوحات تركيبية تضم فكرة العشوائيات، اعتمدت جغرافياً على الرؤية من الأعلى، وكأنها تصميمياً تقدم صورة هندسية لمدن مؤلفة من مربعات متساوية تقريباً في الحجم والشكل والبنية. لكنها بعيدة كل البعد عن مواصفات البيوت الصحية التي تحتاج إلى تهوية ومزروعات وحدائق أو فسحات وممرات وهذه أبسط حقوق الإنسان في الحياة. فهل من يرى؟ وهل من طفولة تنمو بشكلها الصحيح بين هذه المربعات السكانية التي تضم في جوانبها الإنسان الذي تهجر أو ترك أرضه هرباً من الحروب والقتل، ليقتل في بيئة عشوائية غير مؤهلة لاحتواء إنسان يعيش فيها؟
حين تتأمل لوحات "تانيا بكاليان سيف" تحاول اكتشاف المرمى بين المربعات التي تركتها من ورق أو مخلفات مرمية هنا وهناك، لتؤكد على نظافة البيئة وسلامة الإنسان، لأن تلوث الحواس هو تشويه للوجود الإنساني، وانتشار بقعة الفقر وتأثيرها على باقي المناطق من حيث الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية وازدياد الأوبئة، ونقص وسائل الحياة من ماء وكهرباء أو حتى ازدياد نسبة الجريمة في العالم. فالهواجس التي تطرأ على ذهن المتلقي تتضمن المخاوف التي تؤثر على الإنسان بشكل عام، فهل تخاطب "تانيا بكاليان سيف" العالم بعشوائيات تهدد مورفولوجية الحضارات أو بالاحرى مورفولوجية الدول النامية؟
ربما قد يتساءل البعض عن نوعية هذا الفن؟ وعن تجلياته الهندسية والجغرافية، ورؤيته القلقة والمتضامنة مع الإنسان المنكمش عن التفاعل مع التقدم الزمني. ليبقى المكان عبارة عن مربعات متاخمة، وهي مصدر يجب اتخاذ إجراءات تنموية لتقديم كل مستلزماته الداعمة لحقوق الإنسان، ولبيئة أفضل، واللوحة تسعى إلى خلق معالجات ودية وإيجابية لهذه الظواهر التي تمتد وتكبر مساحاتها يوماً بعد يوم، وكلما ازدادت الحروب. فاللغة الفنية بلونها الأبيض وخاماتها الواقعية تعني مضامين ودلالات يمكن اعتبارها نوعاً من المعطيات التي تنطوي على أبعاد سلوكية اعتادها سكان هذه العشوائيات أو أزمات تتسبب بها الحروب أو الدول الكبرى، والتي ينجم عنها تشوه في النمو البيئي والعمراني الذي يخفض من قيمة الإنسان. فهل من فن مورفولوجي جديد يرى ويحلل ويترك بصمة تاريخية؟
معرض الفنانة "تانيا بكاليان سيف الدين" (Tania Bakalian Safieddine)
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء