رؤية الحكايا الشعبية العراقية في لوحات تحاكي الشعوب كافة
ضحى عبدالرؤوف المل
لم تغب لوحات الفنان "خضير الشكرجي" عن معرض "ملونات عراقية" في "غاليري زمان"، إذ بدت ملونات الفن العراقي المعاصر متألقة بعناصرها التشكيلية المتنوعة ومدارسها التي تحتفظ، رغم تنوعها، بنكهة عراقية ملموسة فنياً. بين التراث العراقي والفن التكعيبي، تظهر تعبيرات لا يمكن إلا أن تترك آثارها على رؤية الحكايا الشعبية العراقية في لوحات تحاكي الشعوب كافة، بفن مزدان بألوان حيوية تنبض بتراث شعب ما زالت المعاناة تدفعه إلى مزيد من الإبداع بتجلياته المتنوعة. تتضمن لوحات الفنان "خضير الشكرجي" الحياة اليومية، حيث تسود المرأة التي يضفي لباسها ألوانه الدافئة بشفافيتها. إذ يدمج الأشكال التكعيبية مع التعبيرات التي تتمازج بتناغم بصري تتقاطع فيه الخطوط الهندسية بإيقاعات تهدف إلى خلق تناقضات تتجاوز الحدود التشكيلية المتعارف عليها. ليخلق ابتكاراته بوعي يظهر من خلاله الأشكال الثابتة والمتحركة بصريًا، لتصبح الفكرة هي العنصر الحقيقي لترجمة مسارات اللوحة التشكيلية التي تحتفظ بروح شعبية عراقية وجمالها الخاص.
تتوهج التكوينات المتعاكسة بصريًا، لتترسم الخطوط كشرايين حيوية تمنحها ليونة تشكيلية، تجعلها أشبه بكائن يتشكل تبعًا لاتجاهات بصر المتلقي عبر الخطوط ومرونتها في تكوين الأشكال وصياغتها الجدلية. لتتجاذب الألوان بعضها البعض محققة ديناميكية سينوغرافية وفنتازيات ترصد المعاني الحياتية العراقية وجمالياتها الواقعية ضمن مخيلة ذات تعبيرات تتسع فضاءاتها لفراغات مشحونة بالحركة. لتبرز قضايا جمالية تشكيلية تقودها المرأة كأساس للحياة وبرمزية الوطن المحرك الفعال في تجسيد لوحات فنية جزء من تراث ينخرط تشكيليًا ضمن منطق موضوعي تتجسد من خلاله التقاليد والعادات. وتُرتبط بنمط فني ابتكره الفنان "خضير الشكرجي" وأضاف عليه لمسة إنسانية تنبع من ريشة ذات جمالية معاصرة تتجدد مع الزمن، كلما اتضحت سيميائيتها التعبيرية وتكعيبيتها التي تحتفظ برؤية عميقة تتناقض فيها الأساليب الفنية وتنسجم مع الوعي الاجتماعي الواقعي والفني.
تتميز أعمال الفنان "خضير الشكرجي" عمومًا برؤيتها البصرية الديناميكية ذات الحيوية التشكيلية التي تعكس ارتسامات واقعية هي نماذج من حكايا وضعها بين الخطوط في أبعاد ثنائية، تكمن في ذاكرته المغايرة لألوان الواقع العراقي الذي يبحث له عن فرح ملموس في ألوانه الباردة والحارة، وتدرجات الألوان الخفيفة التي تتماوج بين الخطوط بفنية ريشة تمد اللون برهافة حسية تنعكس على الخط وحدته ورقته وحساباته في التقاطع والتنافر والانسجام، ضمن تكعيب يحاكي به تعبيراته النفسية وانطباعاته عن بيئته المحفورة في لوحاته المزدانه بالجمال. يصعب فصل لوحة واحدة عن الأخرى، وكأنه في هذا الأسلوب يشدد على قيمة التراث التشكيلي في لوحاته، فتراكم الرسومات وكثافتها ضمن إيقاعه اللا نهائي تتقلب بصريًا. وإذا واصلنا تأمل الخطوط والألوان أو قراءة الموضوع الداخلي للوحة التي ينطلق منها نحو فضاءات رحبة استطاع تنسيقها بمنطق الخط واللون والقدرة على جمع لوحات فنية في لوحة واحدة وضمن معاني مختلفة.
لم يتخلَ عن لطخات الألوان التجريدية رغم النظرة التكعيبية، ولم يترك للموضع أن يمحو قوة الخط واتجاهاته ولم يترك للتعبير رتابة فنية تتركه ضمن مسارات مألوفة. فالرمز أيضًا له محاكاته في لوحاته، وربما هي ميزة غموض لا بد منه، وبشكل منطقي مجازي ذي فكر إنساني يحفظ في ذاكرته مصطلحات جمالية استمتع بها في طفولته، ورافقته كظاهرة اجتماعية إنسانية تنعكس على ذاكرة اللوحة وتشكيلاتها الإيحائية المفتوحة على تأويلات عدة تجسد فكرة وحركة وسكون وتلاشي وحبكة بصرية يصعب فكها بنظرة تأملية واحدة. فالتراكيب الفنية المتداخلة مع بعضها مصقولة بمعادلة لونية تمثل قيمة إدراك اللون في الطبيعة وانعكاساته داخل اللوحة مع الاحتفاظ بقيمة الضوء والظل والتناسب بينهما.
وكأنه يرسم نبض مجتمعه بكافة الوسائل الفنية، وبأنماط إيقاعية متلاحمة ناشطة بصريًا وذات علاقات داخلية وخارجية، وحركة تحافظ على أبعاد اللوحة وقياساتها، ضمن تأثيرات يشير من خلالها إلى معاني رمزية متخفية بين الشكل والمضمون.
ما بين الحسي والملموس، تتوزع الأشكال الدافئة والباردة، والمواضيع المستقلة ذات الرؤية المنفردة التي يضعها ضمن زوايا فراغية ميكانيكية تتضاد فيها خصائص اللوحة من ضوء وظل وفاتح وداكن وتدرجات وتباين وسيمترية وتماثل وتناظر، وما إلى ذلك من مفردات فنية وعناصر وموتيفات توزعت بجمالية اختزلت الانطباعات القياسية التي قد ينفر منها المتلقي. لأنه دمج الأشكال بواقعية ملموسة مع الخطوط وتشابكاتها الدينامية ليولد حركة بصرية يصعب فهم اتجاهاتها عند المتلقي. لتثيره وتخلق محاكاة ودهشة في ثنائية فنية هي جزء من كل مترابط موضوعيًا وذاتيًا باللوحة ومعانيها الجمالية.
لوحات الفنان العراقي "خضير الشكرجي" من معرض "ملونات عراقية" في غاليري زمان الحمرا بيروت، بالاشتراك مع مجموعة كبيرة من فنانين عراقيين منهم جودت خان، رياض نعمة، جاسم محمد، سيروان باران وآخرين من رواد الفن العراقي
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء