قادش مدينة الحرب والسلام.

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في كتاب" طفيليات العقل" للروائي كولن ولسون.

تمتلئ رواية "طفيليات العقل" للروائي كولن ولسون، والتي ترجمها إلى العربية الدكتور محمود درويش بالأفكار النفسية، وبوعي يجمع بين محاسن ومساوئ العقل من خلال قصة بدأت بنقاش استحوذ على البداية الحقيقية لحرب مع طفيليات العقل، والمنعطفات التي يحفل بها التاريخ، لأن عبثية الحياة تدفع بالبعض نحو الحلم الذي يتفجر بأشكال مختلفة، حيث البعض يغرق بلذة اكتشاف الحضارات وتأملها، أو منح التساؤل قيمة ذهنية تدفعنا نحو البحث عن أجوبة هي في باطن كل منا، فنحتاج إلى مفتاح، لنضعه في المكان الصحيح، لكي ندخل بأمان داخل ثقوب العقل، أو الفراغات التي ما زالت تحتاج إلى لامتلاء في الحياة، ولكن ما الذي يربط بين علم النفس وعلم الآثار ومحاولة فك الرموز التي تستعصي على الإنسان العادي؟ وما الذي يدفعنا إلى الإيمان بالمعجزات؟ وهل فعلا الحضارة هي نوع من الحلم؟." على أي حال ، فالحضارة نوع من الحلم، ولنفرض أن رجلا استفاق فجأة من هذا الحلم، ألا يكفي لدفعه إلى الانتحار؟"

بداية روائية ذات زمنية متنوعة ، لكن الخيال فيها يسبق الواقع، والحاضر هو من يمسك الماضي والمستقبل، ليتحكم العقل" باستعارة غريبة حول الخلايا البيولوجية ونزعتها إلى الموت اختيارا، عندما يفقد الجسم قدرته على التنبيه بوساطة المحيط الخارجي "فالأسلوب الروائي التخيلي لم يخل من استنتاجات ذهنية كحلها بين الحين والآخر، بالأمكنة التي تتنازعها الرواية ذات الخيال الحسي المتوج بالأحاسيس الباطنية، وبتحليلات إدراكية نتجت عن تأمل العلوم.

إن من علم النفس أو علم الآثار أو حتى علم الفضاء أو علم الماورائيات، حيث بدأ النظر إلى أعماقه بقوة إنسانية باحثة عن العوالم المنطوية فيها، ليقول:" إذا كان المكان غير محدود فما بالك بالمكان الموجود داخل الإنسان؟ "

يطرح كولن ولسون في روايته طفيليات العقل فكرة التجديد الذاتي التي من شأنها خلق حب المغامرة، وفتح أبواب الحياة للانطلاق نحو حضارات كتلك التي استطاعت بناء الأهرامات في مصر، وهذا ما حاول معرفته عالم الآثار قبل أن يبدأ بالتفكير، وليتساءل: ما هو الشيء الذي يدمر قدرة البشر على التجديد الذاتي؟ فالرواية ذات بناء منطقي وفلسفي يعتمد على التحليلات التي يتشارك بها مع القارئ، مما يثير الدهشة في النفس ، فالاستنتاجات قد تتطابق بين الروائي والقارئ، وقد تتعارض، إذ يفتح نقاشات طويلة مفتوحة الأبعاد نحو عدة أجوبة، وفي كل منها مفتاح عقلي يتوجه بالحلول المتخيلة بعد لمس الواقع والتاريخ، وكأنه يقص" قصص واقعية من صميم الحياة تستفيد من الصدفة بطريقة لا يجرؤ عليها أي روائي."

دوائر تخاطرية تضعنا أمام حقائق حياتية لا يمكن استنكارها، لأنها خلاصة فكر أو عصارة تجارب إنسانية ، فالتخيلات الروائية الجامحة هي نوع من الإسقاطات أو المجازات التي تصور الحياة، وأركانها المتناقضة من خير وشر، وقوى خفية تقودنا أحيانا نحو الاعتراف" بالإحساس العارم بالقدر وبالخالق الذي يحدد نهايتنا" فهل الموت نهاية أم بداية ؟

إن الجهل بكنه الروح وبزمنية الولادة والموت من شأنه أن يرفع من قيمة الحياة، لأنها تدفع بالإنسان إلى المغامرة والبحث، كما فعل عالم الآثار وصديقه للبحث في أوراق تروي قصة الطفيليات، ليكملها بالمسبار الفضائي الذي تاه في عمق الفضاء خلال رحلة زمنية سبقت زمن الرواية التي بدأت بالزمن وانتهت باللا مكان أو اللا زمان الحقيقي، فالسرديات المترابطة مع اللغة الحوارية المملوءة بالآثار والتشويق تثير دهشة القارئ، ولطفيليات الذهن المتأثرة بالاكتشافات وبالتأريخ وأهميته " لقد جعلني مايرز أشعر أن المؤرخ الحقيقي إنما هو شاعر وليس عالما" .

ترتبط الفكرة المتخيلة في الرواية بعلم الآثار، وعلم النفس والبناء الاجتماعي القائم على نقد الزمن الصناعي الخالي من الجمال، أو بالأحرى من الشعر والموسيقى والرقص، وهذا نوع من الأسباب التي يدفع إلى الانتحار حيث " قدم استعارة غريبة حول الخلايا البيولوجية، ونزعتها إلى الموت اختيارا، عندما يفقد الجسم قدرته على التنبه بوساطة المحيط الخارجي" فالأثر الجمالي في الحياة يبعث الأمل والطمأنينة في النفس المتعبة لأن" الإنسان الذي يجهد نفسه في العمل يشعر بالتوتر، وما يلبث الأمر يصبح عادة يصعب التخلص منها "مغامرات خيالية نسجها بخيوط الحياة الحقيقية، وبعناصر علم النفس وعلم الآثار معا، لتخضع كل فكرة إلى تحليلات زمنية تمتد إلى ما قبل الماضي، وإلى ما بعد الحاضر حيث " كشفت ألواح أرزوا الأخيرة عن انتشار ظاهرة الانتحار في أثناء حكم الملك مرشيلس الثاني ق م " معتبرا أن طفيليات العقل هي كالسرطان تدمر الخلايا، كما تتسبب في شن الحروب والتحكم بالعقول الحاكمة التي تتأثر بالاغتيالات السياسية والانحطاط التاريخي، وكل ما من شأنه أن يتسبب في تدمير الحضارات" إذ تكشف الأدلة في قرة تبة عن حضارة فنية لا عسكرية، فهل هي مجرد اللامبالاة"؟.

فضاءات روائية لا تخضع إلى جنس أدبي محدد، لكنها من الخيال الزمني المقترن بقانون المصادفة، فالفكرة تتماشى مع ما يطرحه في فنه الروائي من توسع العقل إلى ما لانهاية في أعماقنا، فالمستوى السردي يزداد ويتناقص مع ازدياد حدة الحدث وخفوته، لنصل إلى نهاية هي بداية في حد ذاتها، لأن القارئ يستفيق بعدها على المفردات التي استقرت في وعيه، فالتأثر والتأثير والتفاعل بين القارئ والرواية نتج عنه برمجة تطلبت قوة في التركيز والانتباه، والغوص في أعماق الرواية أكثر فأكثر. لنحاول اكتشاف سبب الانتحار، فنكتشف أن الأفراد ليسوا إلا خلايا في جسد الحضارة الهائل، وأن نسبة الانحطاط تزداد مع التقدم في السن" كما أن" العقول البشرية ليست أجزاء منفصلة بل هي جزء من قادة العقل العظيمة"

تحليلات أثرية لاكتشافات في باطن الأرض أوعمقها يترجم من خلالها سلوكيات الإنسان القديم الذي تأثر بها إنسان في الحاضر مثل جورج سميث الذي " سافر من لندن والأمل يراوده في العثور على الألواح الطينية التي من شأنها أن تكمل ملحمة غلغامش " وهذا جعله يعترف أن علم الآثار يميل إلى دفع المرء للإيمان بالمعجزات، فهل حاول كولن ولسون في روايته الكشف عن العقل " باعتباره عالما قائما بذاته تماما، كالعالم الذي نعيش فيه كوكبا له غاباته وصحاريه ومحيطاته". إن تصوير العقل كالحضارات الإنسانية هو جزء من كل، خطط له كنوع من التجديد الذاتي حيث القدرة عند القارئ قد تنجح وقد تفشل في اكتشاف التضاد الروائي المؤدي إلى عصف ذهني شديد بتياراته الهوجاء، لأن البحث عن قادش هو تماما كالبحث عن انتحار كارل وايزمان، فتلك تحتاج إلى الغوص في عمق الأرض، وهذه تحتاج إلى الغوص في عمق العقل، وبين هذا وذاك تتضح المفاهيم المعرفية والسلوكية للإنسان المتأثر بالمحيط البيئي، فخريطة بناء الوعي يرسمها الإنسان الواعي الذي" يراقب الكون طيلة الوقت " ولكن أليست التأملات التي يلجأ إليها الإنسان في حالاته الطبيعة هي جزء من بناء الوعي، أو كما يقول كولن ولسون في روايته التجديد الذاتي: .

" وما فعلناه هو تحويل الحقيقة الخاصة بالطفيليات إلى قصة خرافية من قصص الأطفال" هروب من حقيقة إلى خرافة وبالعكس، ليستوعب العقل الكم التحليلي الذي قدمه ولسون في رواية خيالية، ولكنها تحمل فكرة فلسفية تنشط وعي القارئ، وتجعله من ضمن الدائرة التخاطرية التي تؤثر في الذهن" لقد اعتاد البشر على حدودهم الذهنية الضيقة تماما، كما اعتاد الناس على متاعب السفر الهائلة قبل ثلاثة قرون" فالرصانة في تقديم كل فكرة فرعية من خلال أسلوب تشويقي يثير نزعة الغوص أكثر هو بمثابة المحرك الأساسي لرواية انطلقت من البحث إلى التحليل والاستنتاج بالتسلسل الذهني المؤثر على القارئ بحيث تنطبع الأحداث والأفكار تبعا لما يتم تحزينه في الذاكرة معتبرا" الإنسان أشبه بقارة من القارات، غير أن عقله الواعي ليس أكبر من حديقة خلفية"

تتجدد التساؤلات إلى ما لانهاية عن ماهية قادش وطفيليات العقل، والظل خارج الزمن، والمراقبة الذاتية، فالمصطلحات الروائية اتخذت من ملكوت العقل الأرض الأساسية لها، لتستقر في العمق كالطفيليات الموجودة في أعماق الوعي، وفي ملكوت أعمق الذكريات، وإذا ما اقتربوا كثيرا من الوعي فإنهم سيتعرضون إلى خطر الكشف عن أنفسهم" ولكن يبدو أن الثورة القادشية الشبيهة بثورة العقل وطفيلياته المسيطرة هي البناء الروائي الأساسي الاستبطاني لمعركة "قادش" الشهيرة بين رمسيس الثاني فرعون مصر وبين الحثيين، والبحث عن آثار قادش والحثيين، وأسباب انتحار الإنسان والحضارات، والبقاء في تركيا للبحث عن آثار قادش والعودة من الفضاء، وقد قامت الحرب كصرخة إثبات على الطفيليات الرمزية الموجودة في الكون، والتي تمنع السلام ، فهل قادش المذكورة في الرواية هي قادش مدينة الحرب والسلام ؟

Doha El Mol