فوتوغرافيات الفنانة بشرى شنان: فن رقمي يُحاكي الأجيال الفلسطينية
ضحى عبدالرؤوف المل
يتشكّل الدخان المتصاعد من فوتوغرافيات الفنانة الفلسطينية "بشرى شنان" بشكل تعبيري، ليروي حرب الصهاينة على غزة من خلال الدخان الذي يتصاعد مع كل قصف، حيث تنفجر السحب الدخانية السوداء والنيران. فقد استطاعت الفنانة تطوير رؤيتها في فن الدخان التعبيري والتخيلي أو الإيحائي بالمعنى المجازي فنياً (Smoke Art Photography)، المعروف فنياً، إلى رسم يخدم القضية الفلسطينية، وبالتحديد الحرب على غزة. تمنح كل صورة حكاية ترويها عبر الدخان المتصاعد من مدينتها التي تحترق وتندلع فيها النيران، مع ارتفاع عدد الشهداء الذين احتفظت بصورهم في دخانها الغاضب. كما أنها أظهرت تغيّرات فنية في أسلوب الفوتوشوب (Adobe Photoshop) وبرامج أخرى لتكوين المفاهيم التصويرية بدقة، كرسالة مقروءة بصريًا عبر فن فوتوغرافي رقمي يحاكي الأجيال الفلسطينية القادمة، والعالم الصامت عن حرب غزة والمجازر بحق الأطفال والشيوخ والشباب الذين يدافعون عن أرض وطنهم.
سريالية ورمزية، وحتى تعبيرية تخيّلية سردية بطابعها الفوتوغرافي، ورقمية في إخراجها التصويري والتأليفي. تعتمد الفنانة على الإحساس المندفع من المؤثرات المشحونة بالألم والوجع الفلسطيني، بل ومن كم انفعالات تأثيرية تترجم الواقع المأساوي من خلال صورة تُعد بمثابة خبر صحفي أو حكاية مأساة أو حتى تعبير متوجع من أحداث غزة، والصمت الذي غزلت منه الفنانة "بشرى شنان" فوتوغرافيات تكوّنت من دخان نراه حسّياً من خلال الواقع المتخيّل أو الواقع الحقيقي المقرون بصور التقطتها عدسة ترى ما لا تراه العين المجردة. لأن الدهشة في تغيّرات الرؤية التخييلية تخاطب الحقيقة والحس الذهني عند المتلقّي.
إن خلق صورة الفوتوشوب من صورة فوتوغرافية ملتقطة من عدسة ضوئية، ضمن الأسلوب الجمالي أو التخاطبي الذي يحاكي كل الأعمار والعالم، بما يحدث في غزة، هو فن يرتقي إلى التعبيرية الرمزية والسريالية التي تصيب الحواس بدهشة، مما يجعل المادة التصويرية الأساسية قادرة على مخاطبة الرأي العام بفن يؤدي دوره الفعّال في خدمة القضية الفلسطينية، وفي أرشفة صور القصف على غزة بأسلوب عقلاني منسجم انفعاليًا مع الفكرة الفنية وجماليتها الحسية. لأن تسليط الضوء على الدخان المتصاعد، وعلى النيران والتحولات للصورة من خلال المقارنة التي تضع المتلقّي بين الحقيقة والتخيّل، هي بحد ذاتها محاكاة صامتة توحي بما تتعرض له غزة من انتهاكات لحقوق الإنسان ولانتهاك فلسطيني خاص.
تثير الفنانة "بشرى شنان" ردود أفعالها كما تؤثر على ردود أفعال المتلقّي مع الصورة، لأنها تقسم الصورة إلى قسمين: ما هو ملتقط من العدسة بفطريته وعفويته الضوئية، وما هو رقمي أو ما هو إخراجي وتحسيني من خلال برامج الفوتوشوب. وكانت اللمسة الرقمية هي لتحسين الرؤية التخييلية التي تجعل من الدخان المتصاعد صرخة مدوية تواجه القصف النيراني بقصف فوتوغرافي، ولكن بأسلوب فني يؤرشف الحدث ويحاكيه، ويمنحه حوارات داخلية تستطيع من خلالها الوصول إلى العالم، ليرى عذابات الشعب الأعزل وهمجية الصهاينة في القصف على المدن، وتهجير شعبها والتسبب في الموت والتشرّد، والمزيد من الفقر وسوء الحال.
أشكال ونماذج تجذب البصر وتؤثر على المشاعر الإنسانية، إذ تعتبر الدخان كمخلوق إنساني ذي ردّة فعل إنعكاسية لها أبعادها الرؤيوية ومسارات تبتعد من خلالها عن الزوايا، لتضع الصورة أو الفكرة التي تضع عليها البؤرة الضوئية في الوسط. وكأنها تبرز نقطة المحاكاة في الوسط كنقطة انطلاق تعتمدها بصريًا على محورية الدخان المتصاعد عموديًا، أو انفلاشه المتراكم كمعطيات داكنة وفاتحة تتدفق حركيًا أو عموديًا أو أفقيًا. أسلوب تحرير الصورة الرقمية من حدودها الفوتوغرافية يلعب الضوء دوره المهم في إبراز ضبابية الدخان، وتشكّلاته الفنية من حيث الموضوع والإضاءة والخلفية، لإظهار حيوية الفكرة ومحاكاتها بموضوعية تشكيلية، كرسم توضيحي يتناسب مع تقنيات اللقطة الفوتوغرافية ومعاييرها الفنية ذات التركيز الإيقافي، أي بمعنى: متى تبدأ الصورة؟ وأين تنتهي؟ والسرعة الضرورية في التقاطها الزمني حيث تتوقف الصورة عند ما هو مطلوب فوتوغرافيًا وملازمًا للفكرة.
توضيحات فنية إنشائية للدخان تمزج فيها صور وجوه الشهداء والأطفال الذين عانق دخان القصف أرواحهم البريئة، فأظهرت وجوههم كشاهد على جريمة غزة الإنسانية، حيث الجريمة الكبرى بحق الإنسان والحياة الملوثة بيئيًا بدخان أسلحة لا رحمة لها. إذ تبدو التغيّرات المفاجئة في الشكل مع ألوان النيران المتوهجة بلونها البرتقالي المختلط بالاحمرار وبسواد اختلط مع الرمادي الذي يأكل ويحوّل إلى الرماد كل شيء يلمسه. فهل تحاول الفنانة "بشرى شنان" رفع قيمة البصر وحدوده، ليرى بعمق ما يحدث في غزة وفلسطين؟ أم فعلاً دخان غزة يتكلم وينادي: "أين حقوق هذا الشعب؟ أين فلسطين؟"
تتوازن الألوان الحزينة في صور الفنانة "بشرى شنان" رغم صعوبة التقاط الصورة بعدسة ذات بؤرة ضوئية محدودة التفاصيل، إذ إن التقاط إيحاءات الدخان بصعوبة ما من حيث القدرة على خلق البؤرة المناسبة للالتقاط قبل تعرضها لبرنامج الفوتوشوب، وضبط الإعدادات المناسبة لتكون المقارنة حوارية وليست جدلية، بحيث يصبح الاستنتاج بمثابة مفهوم فوتوغرافي مقروء بصريًا من كل من يرى ويحلل ويستنتج. لأن هذا ما تريد إيصاله الفنانة "بشرى شنان" للعالم من خلال صورة فوتوغرافية تتكلم واقعيًا، وصورة فنية أخرى تظهر فيها قيمة الدخان، وما يرسمه من انفعالات إنسانية تدعم الإنسان وحقوقه وبالأخص شعب غزة.
تم نشره في جريدة اللواء عام 2018 وسابقا عام 2014
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%81%D9%88%D8%AA%D9%88%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%89-%D8%B4%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%86-%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A-%D9%8A-%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9/