النظرة الفنية الملتقطة للأماكن العمرانية لها أهميتها في طرابلس.
ضحى عبدالرؤوف المل
يؤلف الفنان "أورهان بابا" من اللحظات الواقعية الصادقة انطباعات ذات منظور جمالي يحافظ على أبعاده الرؤيوية، ليضيف إلى الألوان تقنية بانورامية زاهية تجذب البصر إلى المواقع الأثرية وجمالياتها التي نراها في طرابلس من خلال انطباعات الفنان "أورهان بابا"، وبعضها المختبئ في ذاكرته الفنية التي ترجمتها الريشة الجريئة في مزج الألوان التي تختلج باللون الزهري الأكثر إشراقًا في لوحات أكثر حيوية. إن من حيث المنظور العمراني أو من حيث التظليل النسبي الذي يعتمد على الإحساس العميق، والتأثيرات المنسجمة مع المعنى، خصوصًا في لوحة النهر والبيوت العمرانية الرازحة على كتفه، محافظًا بذلك على النظرة الفنية الملتقطة لأماكن عمرانية لها أهميتها في طرابلس، كالبحصة في السويقة الممهورة بجمالية ذات نكهة قديمة.
تتوازن المساحات برصانة بصرية، كحلها بخطوط انعكاسية تضفي على اللوحة تباينات تنساب مع الأبنية، ومع سطوع الألوان الفاتحة والهادئة عند اقترانها باللون الزهري المركب المرتفع في ألوانه بنسبة تتناقض مع الألوان الأخرى التي تتمحور بحركة معمارية مؤثرة تحقق متعة بصرية عند المتلقي، حيث تجذبه نحو آثار طرابلس القديمة، وما تحتويه من مضامين تاريخية هي بمثابة تفاعل مكاني مرتبط بكينونة ابن طرابلس المتأمل جمالية المشهد والتكوينات الملائمة انطباعيًا مع واقعية العمران، وما أضاف له "أورهان بابا" من مخيلته مع الحفاظ على الإضاءة والتعتيم في الألوان الداكنة والفاتحة. يقول دكتور شاكر عبدالحميد: "إن الخاصية اللونية المرتبطة بالأشياء وعلاقات الألوان ببعضها البعض تصبح أكثر تمايزًا من خلال جودة وتنوع العلاقات البصرية."
يحاول الفنان "أورهان بابا" خلق تعبيرات تتصل بالواقع القديم، وبنظرته الخاصة لمساجد رسمها بحس انطباعي جمالي أُزدان بتكثيف الخطوط في الشكل، وعناصره التقنية الأكثر استجابة حتى في بورتريه لصورة الرئيس الراحل "رشيد كرامي" التي أضاف عليها رؤيته الخاصة للوجه، ولتفاصيله الهادئة. ليستخرج من النفس المعالم الأساسية التي تترجم الصورة بشكل أساسي، وتمنحها تغييرات بصرية تنتمي لحركة الضوء والظل في بورتريه حمل من صفات الرئيس "رشيد كرامي" ما جعلني أتأملها بعمق لأقرأ تفاصيل بورتريه تميز بالبساطة والجمال الفني.
يهتم الفنان "أورهان بابا" بالمساحة فينظمها تبعًا للحس العمراني المتأثر به، والغارق بنغمات تعتمد إلى حد ما على الألوان الفاتحة، وذات الإشراقات الضوئية المثيرة للحس الجمالي، وبالمحاكاة التاريخية للأماكن العمرانية القديمة في طرابلس، حيث تكتسب فنِّيًا قيمة هوية لطرابلس هي بمثابة مزج انطباعي بين الماضي والحاضر. ليتوحد الفكر مع اللوحة ومعناها. إن من حيث المعنى الفني أو من حيث المضمون والأسلوب وطريقة الأداء في تنظيم المساحات ذات الفضاءات المحصورة بالواقع العمراني والجمالي في طرابلس القديمة على وجه الخصوص.
يتجاوز الفنان "أورهان بابا" مواصفات الطبيعة من خلال طبيعة أخرى متخيلة، ولكن ضمن أزمنة وأمكنة تختلف عن وجودها في الحاضر حيث يشعر الرائي بالصورة القديمة، وكأن الألوان الفاتحة والمضيئة تجدد الإحساس بإعادة الحياة وتصوراتها الزمنية من وجهة نظر الفن التشكيلي، وما تعنيه الموتيفات المضافة للصورة أو للوحة المرسومة بريشة تكشف عن علاقات الأماكن التركية القديمة مع الحاضر الآن. مثل مسجد "أورغان شاه" وما يحيطه من أبنية محاها الزمان، ولكنه رسمها بجمالية عمرانية أضافت للمنظور ديناميكية اصطبغت بالآثار الفنية وطبيعتها الذاتية القديمة.
إن الواقع الخارجي في الصورة التشكيلية لا يتناقض جماليا مع انطباعية المحيط أو ما هو مرتبط بالخبرة الجمالية عند الفنان "أورهان بابا" حيث تتمتع لوحاته ببساطة الرؤية مع الاهتمام بانطباعيته الخاصة للزمان والمكان، وكأنه مستشرق يرسم في الزمن الحاضر ما تفتقده طرابلس من صلة تراثية تدمج القديم مع الجديد. لتؤرخ بفن تشكيلي يستذكر تفاصيل طرابلس العمرانية ولوعي أبناء طرابلس في حفظ تراثها من خلال استحضار رؤية تتجدد من خلال اللوحات التشكيلية.
يضيف "أورهان بابا" بصمته الفنية الخاصة على لوحات تميزت بالمحاكاة، وبخاصية مدينة اعتمد على تصويرها إبداعيًا من خلال الصور الذهنية التي تتماهى مع بورتريه الرئيس الراحل "رشيد كرامي" مضيفًا بذلك قيمة ترتبط بطرابلس بشكل خاص. لأن الإدراك الجمالي في لوحات الفنان "أورهان بابا" يرتبط بمفهوم الزمان والمكان، وتجديد النظرة لتاريخ ترك من الآثار ما يكفي، لتجذب العين لالتقاط تفاصيله الباطنية والظاهرة والتي تسمو على الانفعالات. ليبدو المنظور حسب تصوره أكثر عقلانية رغم شاعرية الألوان الحارة والباردة على السواء.
تزداد انفعالات الرائي عند لمس الألوان وجماليتها بصريًا، لأنه يربط تكنيك اللون بالفضاءات المفتوحة على عدة تأويلات، وبالفراغات المتسعة والمتعلقة بصياغة الصورة وانجذاب الحواس لها. إن من ناحية الزوايا أو الخطوط وتقاطعاتها الشديدة التأثر بالقيمة العمرانية لتلك الأبنية أو المساجد ذات المسحة الحسية المتجانسة مع الأشكال والألوان والأحجام وقدرة التخيل للواقع الباطني للزمن.
معرض الفنان "أورهان بابا" في الرابطة الثقافية بالاشتراك مع الفنان عمران ياسين والفنان محمد نابلسي.
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء