ضبابية اللون الأبيض المنبعثة من أرز عكار

ضحى عبدالرؤوف المل

تساهم الصورة الفوتوغرافية في تكوين الأفكار التي تتشكل كهوية تبرز من خلال الرؤية الجمالية التي استطاعت العدسة التقاطها باتساع معنوي انصهر مع الرؤية الجمالية وتكويناتها المؤدية إلى نشوء لقطة تتميز بدقة الأبعاد المؤثرة مناخيًا على الانعكاسات بين الألوان، وبيئتها الحاضنة لهذا الجمال التأثيري الملموس، والمتمثل بتكوينات واتجاهات الطبيعة المتمثلة بلون الأرز الأخضر المعانق لثلج تراكم على أكتاف الأرز، استطاعت عدسة "نزيه قمرالدين" التقاطه بفطرية فوتوغرافية، ودقة ضوئية لمس فيها ضبابية اللون الأبيض المنبعثة من أرز عكار، وما يمثله جماليًا لعدسة تحيط بشكل مباشر بواقعية طبيعية. لصورة خلاقة بصريًا تشكلت من مكونات الطبيعة في عكار، وما يحيط بها. فأرز لبنان الزاخر بالخضرة على مدار الفصول ينعم بتجليات من شأنها منح الصورة الفوتوغرافية قيمة جمالية تؤدي المعنى المستوحى لهوية لبنان، والخاضع لموضوعية اللقطة واتساعها. لإظهار العلاقة التي تربط بين العدسة والعين بشكل مباشر، وبدون تحسينات مضافة على معطيات الفكرة بشكل عام.

حقيقة طبيعية جمالية التقطها "نزيه قمر الدين" بعدسة حسية تمتلك مدلولات روحية تستحث البصر على الاستمتاع بطبيعة لبنان الجمالية من حيث البيئة والمناخ، ومن حيث الأحراج المحمية بيئيًا، وماهيتها ذات الصيغة الفنية المرتبطة بالمفاهيم الفوتوغرافية، وقوة العدسة وتأثيراتها الضوئية المتآلفة مع لون الثلوج وقوة سطوعها المتوازنة مع رمادية السماء، وتعبيراتها الغائمة المستعدة لذرف ثلوج أكثر على أرز امتلأت أكمامه بالبيض الشتوي المستفز للبصر، والممتع للنفس من حيث اللقطة المباشرة، ومعناها الاتساعي لإظهار المشهد وفق الأرض والسماء، والأرز الأخضر مع الحفاظ على لون الحجر البركاني الأسود الذي تشتهر به أكثر المناطق اللبنانية في عكار خاصة.

تنمي الصورة الفوتوغرافية الفنية بشكل خاص الحس الوجداني الذي يتخذ من العدسة طريقًا، لتكوين هوية ذات خاصية تهتم بالجمال في عكار تلك المنطقة الغنية بالطبيعة الخلاقة، والبكر في بعض منها خصوصًا في أعالي المناطق التي ترتفع عن مستوى سطح البحر بنسبة كبيرة، والتي تحتاج لعين عدسة تُخرج المنطقة العكارية من المخبوء البيئي إلى الخارج العالمي. لتكتسي منطقة عكار ثوبها الحقيقي المحفوف بجمالية بيئتها، والتي لم يسمح لها حتى الآن الظهور كما تستحق أو بالأحرى اكتشاف كنزها الحقيقي من قبل المهتمين بالشؤون البيئية أو الجمعيات والتي بدأت تنشط الآن نوعًا ما. أما بسبب التقصير أو بسبب الإهمال المعرفي بجمالية هذه المنطقة، وما تمتلكه من جمال إبداعي تتضح عناصره في صورة التقطها "نزيه قمرالدين" واستطاع من خلالها إيصال رسالة أرز عكار لكل عين تتفكر بالعناصر الفوتوغرافية، وأهميتها في رؤية ما لم يستطع البعض رؤيته بالعين المجردة في هذه المنطقة الغنية بالثروة الحرجية.

الأرز الأخضر هوية لبنان هو الحياة الدائمة الخضرة، والخلود المتجذر في الأرض اللبنانية بشكل عام، وفي الأرض العكارية بشكل خاص، فالمؤثرات الضوئية المتقاطعة مع ضوئية الثلوج أضافت للصورة جمالية تميزت بالتضاد البارز في الحجارة السوداء. أو التي تميل إلى الرمادية المتوافقة والمنسجمة بصريًا مع السماء. جمعها "نزيه قمر الدين" برسم فوتوغرافي فطري ذي نسبية مدروسة في الخطوط البصرية، وما تشكله من مرئيات اجتمعت خيوطها الفوتوغرافية بين طيات أكمام الأرز المتثاقل، والمتراخي والموحي بتراث لبنان الثلجي أيضًا، الذي ينتظره السائح كل عام. فهل من هوية حرجية تستحق العناية السياحية في عكار كما هي الحال في غيرها؟

يقول جورج سانتيانا: "الجمال هو قيمة إيجابية نابعة من طبيعة الشيء خلعنا عليها وجودًا موضوعيًا. الجمال هو لذة نعتبرها صفة في الشيء ذاته." تهب صورة أرز عكار للمصور "نزيه قمر الدين" النفس راحة ببصرية لاتساعها الضوئي، ولمكنونها الجمالي المنتمي إلى لبنان، فالبرودة المنبثقة من الثلوج المتماسكة مع الأرض لم تحذف حرارة الحجارة البركانية التي تنتمي بخاصية إلى أرض عكار، وتأثيراتها الفسيولوجية على الحواس أو البيولوجية من حيث نوعية البيئة، ونظافة طبيعتها البكر رغم الإهمال المتأصل فيها منذ سنين. لكونها تحتاج لاكتشافات تضعها على الخارطة السياحية، فهل استطاعت العدسات في مسابقة أرز عكار حصد فوتوغرافيات هي هوية عكارية بامتياز؟ وهل التلقائية في التصوير هي انجذاب حسي نحو الجمال المستحق للتأمل والتفكر فيه؟

اختلاف لوني أظهرته بقوة السماء الرمادية اللون، المختلطة مع تأثيرات اللون الأخضر المبهج للنفس، الباعث على رؤية أعمق لتفاصيل كل لون وفراغاته الاتزانية رؤيويًا، الملائمة فوتوغرافيًا مع المشهد التصويري من خلال تكويناته الضوئية المؤثرة على نسبة الفاتح والغامق والتوازن الطبيعي للون، وأبعاده الجمالية المتعلقة بكمية الضوء المرتبطة على الخصوص باللون الأبيض والسطوع المعتدل، والمتناسق بينهما. كما أنه حافظ من خلال الصورة على قيمه اللون وكنه الأسس التصويرية الملتقطة بحس وجداني وبتآلف وترابط بين المعنى والشكل، وكانه يقول من خلال الصورة أرز عكار يحافظ على أخضراره في كل الفصول فخلوده من خلود لبنان.

الصورة الفوتوغرافية الفائزة بمسابقة أرز عكار التصويرية التي أقامتها الجمعية اللبنانية للإنماء الريفي وهي للفوتوغرافي نزيه قمر الدين.

تم نشره في جريدة اللواء عام 2014