منحوتة «معاً نبني» لـ عبد الناصر ياسين
ضحى عبدالرؤوف المل
استخدم الفنان «عبد الناصر ياسين» تصميمًا مفعمًا بالحيوية وفق تقنية بسيطة هي أجزاء من أنماط هندسية مركبة تركيبًا معماريا يتطلب عدّة قطع توحي بالمشاركة الجماعية، لقدرتها على استيعاب الكثير من القطع الصلبة من المادة التي اختارها، لتتواءم مع رؤيته الهندسية أولاً، ومن ثم بمعالجات ظاهرية لأشكال مكونة من مقاييس محددة، ومركبة بإحكام، لتمثل الصعود والبناء، والصبر والتعدد القادر على التأليف والتآلف، وبثبات يؤكد من خلاله «عبد الناصر ياسين» على الاستمرارية الحياتية حسيًا، وعلى الاستمرارية البصرية لمكونات هندسية قادرة على إنشاء المجسم دون أن يعتمد على نظام أحادي، بل اعتمد على الأداء الجماعي المرن الذي يؤكد من خلاله على التماسك والانصهار الثقافي أو المجتمعي من خلال منحوتة تركيبية تنتظم، وتتوزع أجزاءها تبعًا للفكرة القائمة على المستطيل والدائرة، وبأحجام ومقاسات ذات خصائص استغلها ياسين لتكوين النحت الظاهري، وبكفاءة قادرة على الارتفاع والازدياد إلى ما لا نهاية، ليشير إلى التماسك الاجتماعي في طرابلس وقوته في الثورة الحالية، ضمن الرؤية الثقافية المتمسك بها فنيا، ليكون المجسم النحتي هو رسالة بصرية تتوحد معها التكتلات أو بالأحرى القطع النحتية المركبة، بتوزيع منتظم يؤديه مع استدارات لينة رغم قساوة المادة. فهل «معًا نبني» تشير إلى الكل من خلال الجزء وأهميته في البناء؟ أم أنها ترمز إلى أهمية كل فرد في المجتمع لبناء الحياة بجمالية تتعلق بالانصهار والتفاعل الثقافي والحياتي معًا؟
تصميم يعتمد حسيًا على الضعف والقوة من خلال التركيب ورمزياته المستبطنة فعليًا في الازدواجية والوسط، وعلى المفهوم التراكمي من خلال عدد الأجزاء التي تتألف منها المنحوتة أو المجسم القادر على التوسع ما بين مستطيلات ومربعات متوارية، ودائرة في الوسط حيث تجتمع المعاني النحتية وفق نظرة هندسية معمارية تستند على الطول والعرض لكل جزء، وهو قريب من شكل قلعة تتسلح بالأسلوب التأسيسي لما يسمى البناء والاتحاد والقوة الجماعية، وما إلى ذلك من مصطلحات توحي لها كناتج جمالي نحتي قائم على التنوع والإعداد والتطور، لإضفاء المعنى الحقيقي للتآخي بين المذاهب والطوائف في طرابلس بشكل خاص، وفي لبنان والعالم بشكل عام. وإن ضمن ارتفاعات معينة اختارها لكل جزء من منحوتته، إلا أنه يمكن لها أن تكون البناء الثقافي والجمالي لرمزيات ووضعها في هذه المنحوتة أو المجسم الهندسي.
قطع حجرية بأشكال مختلفة مكدسة هندسيًا ببساطة وسلاسة معمارية، وفتحات متعددة المقاييس للإشارة إلى الفراغات وأهميتها المعقدة، لأنها تركز على الأشكال الفنية نفسها المتكررة، والتي تشهد على المحاكاة والتناغم معتمدة على أحد المفاهيم الهندسية المعمارية، للتعبير عن الإنماء والوجود والتكاثر والبقاء، عبر التجريد الهندسي من حيث تفكيك المعنى وجمعه ضمن فلسفات جمالية قائمة على الشكل المعارض في الالتواءات أو نصف الاستدارة، وكأنها الدرج المفتوح للصعود نحو القمة من خلال اللاشكل الحسي. فهل أسلوبية التصميم تمّت من خلال تطوير النظرة الفنية القائمة على فكرة «معًا نبني»؟ أم أن ياسين قدّم تمثيلاته الهندسية الموحية إلى التكتل الكلي المجتمعي في سبيل النهوض والتقدم والازدهار من خلال هذه المنحوتة؟
«معًا نبني» تم وضعها في ساحة من ساحات طرابلس بمشاركة مدير الرابطة الثقافية الأستاذ رامز فري ومحترف عمران ياسين، والفنان خالد الحجة، وحشد من المهتمين.
تم نشره عام 2019 في جريدة اللواء
https://aliwaa.com.lb/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%85%D9%86%D8%AD%D9%88%D8%AA%D8%A9-%D9%85%D8%B9%D8%A7-%D9%86%D8%A8%D9%86%D9%8A-%D9%84-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%86/