مسرحية "داحس والغبراء" ودمعة ضحكة ازدواجية المعنى

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

يدفع "عبدالناصر ياسين" بالمتلقي نحو التفكر الاجتماعي في مسرحيته "داحس والغبراء" التي كتبها وأخرجها بأسلوب معاصر. يجمع اللحظة الآنية مع ما تثيره التفاصيل من اجتماعيات، ومن سخرية إعلامية هي بمثابة صرخة عن أهمية الخبر في الصحافة، وعن النزاعات التي تترك التفكير بمنحى عن البحث والتدقيق. إلا أن الأبعاد الاجتماعية والسياسية منحها صفة ديالكتيكية ذات حوارات مفتوحة على عدة تساؤلات تحيط بالمجتمع الطرابلسي بشكل خاص وبالعالم بشكل عام.

تلفيق الخبر وما يتبعه من انعكاسات اجتماعية من شأنها إشعال الرأي العام بغض النظر عن الضحكة المغلقة بالوجع الإنساني المستنكر لفكرة الانتحار في السيارات المفخخة، وما يحدث عنه من موت مفاجئ لا يرحم كبيرًا أو صغيرًا أو شيخًا أو رضيعًا، وهذه الحروب التي تشبه "داحس والغبراء" المغلفة بالجهل، والتي راح ضحيتها آلاف الموتى. فهل الحروب تجدد زمانيًا في أماكن مختلفة من العالم؟ وهل تختلف مشاهد الموت في أماكن الماضي والحاضر؟

يعالج الفنان "عبدالناصر ياسين" في مسرحيته التي كتبها وأخرجها بمشاركة الممثل "سلطان ديب" والممثل الفكاهي "غسان الرفراف" صاحب الضحكة العفوية النابعة من الروح الفنية العاشقة لخشبة المسرح التي افترشت الفصول المسرحية، ومجرياتها من أحداث مضحكة ومبكية أهمية الخبر الصحفي، وما يترتب عليه من اختراع الأكاذيب وتصديقها ومفارقتها، وهي تتعاظم وتكبر لتصل إلى الحقيقة المخفية الأيدي التي تصول وتجول وتصطاد في المياه العكرة. فالتدهور الأمني الذي عاشته طرابلس ترك أثره، خصوصًا بعد تفجير مسجدي السلام والتقوى، فالإرهاب والتطرف وفبركة الخبر الصحفي، كل ذلك ساعد على تكوين صورة اجتماعية انتقادية بقالب كوميدي. وقد شارك في المسرحية إلى جانب بطولة سلطان ديب وغسان الرفراف، ويارا رفراف الممثلون عبد الرحمن الشامي، محمد بغدادي، فيوليت دبس، عمر عرابي مع موسيقى تصويرية لوسيم ياسين التي تناغمت مع الضحكة والدمعة.

_ لماذا "داحس والغبراء" على مسرح طرابلس؟

لأنه من واجب الفنانين أن يقولوا كلمتهم أمام ما يشهدونه من أحداث، ولأن طرابلس هي البداية على الساحة اللبنانية في كل المجالات الثقافية، ولأنها هي صاحبة الجرح المباشر.

- هناك انتماء معين لجأت إليه مباشرة في المسرحية (الوسطية)؟ هل قصدت ذلك؟

لا شك بأننا ننطلق من اقتناعنا بمواجهة التطرف والتعصب... ولأنهما من وجهة نظرنا هما المادتان اللتان تُستغل لصناعة الحروب والثورات والفوضى، ولإيماننا بأن الوسطية هي الحل.

- العمل الفني المسرحي مادة تهدف إلى الإيحاء في الغالب، ماذا يحاول عبدالناصر ياسين أن يقول في هذا العمل؟

لأن المسرح يعرض ما يراه في أسواق الناس في مسرحية العالم الكبيرة، ويظهره بأساليب درامية مختلفة تصل إلى الكوميديا السوداء في بعض الأحيان، وبعدها يفتح الحوار حول المشكلة فيقوم بالتنبيه على المخاطر ويعرض أفكارًا للحلول والمعالجات.

- التأليف والإخراج ألا يشكلان العبء الأكبر على فرد في مسرحية كـ "داحس والغبراء"؟ وما الفرق بين التأليف والإخراج بالنسبة لك؟

النص والسيناريو والحوار وإخراجهما بالحركة المسرحية التعبيرية ليصلوا إلى الجمهور بالصورة التي يقدمها المخرج، بالإضافة إلى قدرة وآداء الممثلين وأزيائهم والسينوغراف والمؤثرات والموسيقى التصويرية والإضاءة، كما التوقيت والإعلان، كلهم يتكاملون لإظهار العمل المسرحي وإيصال الرسالة المقصودة.

- العمل المسرحي بمجمله طرابلسي بكل مكوناته، هل هذا هو امتياز المسرحية أم امتياز لطرابلس؟

إن هذا العمل هو أقل ما يقال أن طرابلس تستحق، وهي تلد الأبطال والفنانين والمبدعين الأوائل في لبنان. ومع القليل من الإمكانيات، يمكن أن نقدم عروضًا هادفة وممتعة تتفوق على الأعمال الهابطة وتعيدنا إلى منطق المسرح الجاد والملتزم، ولو بطريقة الكوميديا.

- المقدمة تميزت بزمنية دائرية تتجدد مع أماكن ما؟ هل "داحس والغبراء" تتكرر في كل الأزمنة وباتت لغة عالمية؟

صحيح أن المقدمة هي بداية الشرح لنقول إن الحروب العبثية التي نعيشها ونمارسها أحيانًا هي استمرار لحروب الجاهلية.

- لمن تتوجه بهذا العمل المسرحي الانتقادي إن شئنا القول؟ للإعلام أم للسياسة أم للشعب الرازح تحت ضغوطات الفقر أم للانتحاريين؟

إلى هذا المجتمع بصوره عامة الذي أصبح يمارس هذه الفوضى، وهذه الحروب العبثية بالإضافة إلى الأفكار القاتلة التي تسيطر على عقول بعض شبابنا.

- امتد الفضاء الدرامي في الفصل الأخير حيث إن الضحكة ذرفت دمعة. لماذا؟

لا شك أنه من واجبنا رفع الصوت أمام ما يجري في مدينتنا المظلومة، لحث الناس على العودة إلى ما كانوا عليه في مدينة العلم والعلماء، وإنصافًا لفيحاء المدن.

- ماذا يعني لك مسرح بريخت؟

إن مدرسة برخت هي إحدى المدارس التي أحبها كموليير و شكسبير، ولأننا تتلمذنا على أيدي الفنان المرحوم رفيق الرفاعي، فنحن من عشاق مسرح برتولد برخت.

في رؤية تحليلية للحوار معه نجد

أن الحوار يسلط الضوء على مسألة فبركة الأخبار وتأثيرها على المجتمع، وهو موضوع معاصر ومهم في العصر الحالي. الكاتب يربط بين الإعلام والحروب، حيث يمكن للأخبار المضللة أن تثير الفوضى وتغير مسار الأحداث بشكل دراماتيكي.

الأسلوب المسرحي الديالكتيكي: الحوار يبين أن المسرحية ليست مجرد عرض فكاهي أو درامي بل هي منصة للحوار والبحث في قضايا اجتماعية وسياسية. من خلال الجمع بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي، يخلق المخرج والفنان مساحة للمتلقي للتفكير والنقاش حول القضايا التي تتعلق بالحروب والضحايا والانتخابات السياسية.

الرمزية في "داحس والغبراء": المسرحية تنقل الحروب والمعارك الجاهلية إلى الحروب الحديثة عبر مفهوم "داحس والغبراء" كمجاز عن الحروب الحالية، ما يعطي العمل عمقًا فلسفيًا وربطًا بين الماضي والحاضر. من خلال هذه الرمزية، يفتح النص المجال للتساؤل حول جدوى الحروب وأثرها على البشر، سواء في الماضي أو الحاضر.

المزج بين الضحكة والدمعة: العمل يتعامل مع موضوعات ثقيلة ومعقدة مثل الإرهاب والتطرف والفقر، لكنه يدمجها بالكوميديا السوداء التي تجعل المتلقي يتعامل مع هذه القضايا بطريقة غير مباشرة ولكن مؤثرة. هذا المزج بين الفرح والحزن يعكس التناقضات الموجودة في الواقع المعاصر.

الوسطية كمقصد: يؤكد الحوار على أن الوسطية هي الحل لمواجهة التطرف. في هذا السياق، يمثل العمل المسرحي دعوة للتوازن والعدالة في مواجهة التعصب والتطرف، وهو أمر حيوي في السياق العربي خصوصًا في المناطق التي شهدت صراعات مستمرة.

الانتقادات الموجهة للإعلام والسياسة: الحوار يتسم بانتقاد غير مباشر للسياسات والإعلام في المنطقة، مما يجعل المسرحية أداة لتسليط الضوء على فساد هذه المؤسسات ودورها في التلاعب بالوعي العام.

التمثيل والموسيقى التصويرية: من خلال اختيار الفنانين المشاركين في المسرحية مثل سلطان ديب وغسان الرفراف، يبدو أن العمل يعتمد على القدرة التمثيلية الجادة والجوانب الفكاهية في التفاعل مع الجمهور. الموسيقى التصويرية، كما ذكر، تنسجم مع عناصر المسرحية العاطفية بين الضحك والدمعة، مما يعزز التجربة الكاملة للعمل.

المسرح كأداة توعية: من خلال الحوار، يتضح أن المسرح لا يُعتبر مجرد ترفيه، بل وسيلة توعية ومقاومة للجهل والتعصب، وهو ما يتضح في اختيارات النص والإخراج.

الحوار يقدم نقدًا اجتماعيًا جريئًا وقويًا تحت ستار الكوميديا السوداء، مما يتيح للمشاهدين التأمل في قضايا جوهرية تتعلق بالحروب، الفقر، الإعلام، والتطرف. يمكن للمسرحية أن تكون تجربة عميقة تبني وعيًا نقديًا حول الواقع العربي والعالمي في ظل التحديات الحالية.

الحوار تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء