ترجمة الحدث بلغة فوتوغرافية

ضحى عبدالرؤوف المل

تتماشى أعمال الفنان “محمود الزيات” الفوتوغرافية مع الأبعاد الجمالية للمعنى القادر على إظهار الفروقات التوافقية بين صورة وأخرى، لتتبلور اللقطات المؤثرة التي تحدد خصائص فنية، وفق تناسب وهمي يغلب عليه المضمون المتصل بخيوط إنسانية تتمثل في إظهار المأساة اللبنانية لحرب تموز، وما جرى فيها من ويلات، محاولًا قدر الإمكان التقاط التفاصيل الموجعة التي تختفي أحيانًا إعلاميًا، وتظهر عبر الصورة الصادقة والعين التي تسلط الضوء على المضمون. بغض النظر عن الأسلوب ومنظوره الهندسي، فإن العين التصويرية “لمحمود الزيات” متعلقة وطنيا بروح العاطفة والعين الإبداعية، واتجاهاتها المتفاوتة بين المعاناة وقوة المشاعر، والانفعالات وسلبياتها وإيجابياتها. فالصورة في أعمال "محمود الزيات" تتكلم بلسان الضوء المتباين والواقع الحقيقي دون اللجوء لتفاصيل أخرى مبطنة، وهذه عين الكاميرا القادرة على الاستطلاع، وإظهار الواقع كما هو دون اللجوء إلى تكنيكات هندسية أو مرئية. إنما ترجمة الحدث بلغة فوتوغرافية تلغي الأبعاد اللونية، وتجرد الصورة من الفواصل لتمنحها عينًا جديدة هي عين المتلقي.

إبداع تقني وفني في توسيع البؤرة الضوئية، لتلتقط العين بعدستها ما هو قريب وبعيد في آن دون اللجوء إلى التأليف الفني. إنما هي صورة صحفية بحتة تلتزم فنيًا بالأبعاد، والمساحات الواسعة وقوانين الضوء النهاري والليلي، والألوان التكوينية للصورة القريبة والبعيدة والسريعة أو بالأحرى المترجمة للغة الحدث، والتي تحتوي أكبر قدر ممكن من المفردات الفنية الإيحائية، كتلك التي نرى فيها أسرة مهجرة في مدرسة، وأطفالها ينامون داخل المقاعد، بينما الرضيع في حضن أمه ووطنه الأول الأم، ليتشرد داخل وطنه ومع عائلته، وما زال في طور النمو. فالصورة تعبيرية عن واقع يبرز فيه التشرد داخل الوطن نفسه، والعلم المركون كالمقاعد الموضوعة فوق بعضها البعض، ليستطيع المكان احتواء الأزمة كما احتوت العدسة مجموعة العناصر الفنية في صورة استوقفتني فعلاً. لأن اتساع العدسة الضوئية اقترن مع التعتيم المتوازن لتظهر الصورة على طبيعتها دون مراعاة للتجميل الرقمي أو الحذف والزيادة.

أبعاد داخلية وخارجية تظهر الترابط الإبداعي في صورة عجوز تتأمل الحجر أمامها، وكأن الركن الأساسي لبيتها قد وقع. لنتساءل في أنفسنا، أليس الإنسان هو الأغلى من حجارة داره؟ أم أن حجار الوطن تعاني كما الإنسان من التساقط والانهيار؟ فهل المعاناة الإنسانية هي وليدة تاريخ يتجدد ويترك من البقايا ذكرى نضعها في ألبوم تاريخ الحروب الإسرائيلية التي تشن ضد الإنسانية، لتشهد الأعين كما العدسات على القهر والقوة التي تهدم الأوطان، وتشرد الإنسان داخل وطنه؟ ولتبقى الصورة عينًا على الحقيقة التي لا تضيف أي محسنات فوتوغرافية لها، ولكن بجمالية واقعية تجعلنا نشعر أن للحروب سريالية تظهر جشع وبشاعة العدو، وقوى الشر التي تباغت العجائز والأطفال والرضع. فهل ننسى "لا تقطعوا شجرة"؟ أم نمسك بالعدسة ونلتقط كل الأوجاع الإنسانية؟

تقف متأملًا صور الفنان الفوتوغرافي "محمود الزيات" وأنت مشتت البصر، محاولًا لملمة الجزء من الكل، وكأنك لو جمعت صور حرب تموز مثلًا! لرأيت الكل يبحث عن ذاته، وعن الوطن المفقود داخل دائرة المعاناة التي تركت السيارات والبناء والتشرد المكتمل الأركان من حيث الخراب والدمار! أي الجماد كما الإنسان، وكأن العدو يتعمد تمزيق البنى التحتية وتمزيق الإنسان، فتظهر الصورة تعتيمية ضبابية مؤثرة على الوجدان الوطني، وتدفعنا نحو البحث عن بقعة لا خراب فيها أو بالأحرى فراغ بين الأجزاء المتشابكة، والمعقدة في صورة احتل الخراب فيها حتى الفراغات اللونية التي غالبًا ما تشعر أنها بألوان غبارية، وكأن الانفجارات حدثت الآن.

يمتلك "محمود الزيات" الحس الوطني المتغلغل داخل عدسة تجعلنا نقرأ أخبار الحروب المدمرة، والأوضاع الفلسطينية داخل المخيمات وما تعانيه تلك الفئة الفلسطينية الموجودة داخل لبنان، والتي تتم ملاحقة أمنها وانتهاك حتى الفقر الذي تعانيه المخيمات الفلسطينية. لتزداد المعاناة تأثيرًا معتمدًا بذلك على البصر التحليلي والتفكيري والإدراكي القادر على الاستنتاج والفهم من خلال صور الأطفال خاصة، كاحتراق وجه طفل يتماثل للشفاء، فهو النقطة الأساسية في الصورة حيث إن العدسة هنا اعتمدت على التكبير والتوسيع والمباشرة في إلقاء الضوء على انتهاكات حقوق الأطفال. فالوالد الذي يبكي كطفل في حضن ابنه تختصر الف معنى مؤلم جرى في حرب سوداء.

وضوح تصويري متفاوت الفروق يحقق للفكرة وصولها إلى حواس المتلقي، ليتفاعل معها بوجدانه ومفاهيمه الإنسانية، فنشعر بحرية الصورة ومصداقيتها. كما نشعر بالقيود الصعبة التي تخطاها "محمود الزيات" قبل أن يلتقط بعدسته المتحررة من كل شيء الإنسان أولًا، وما يعانيه من تفاصيل حياتية يتعرض لها، ومن حروب تشن على الضعفاء، وتترك أماكن الأقوياء كما هي لا تزحزحها انفجارات أو تهشم صورتها عدسة تبحث عن تحقيق المقاييس الفوتوغرافية فقط أو عن هدف إعلامي مشوه الحقائق. وهذه ميزة في عدسة "محمود الزيات" وهو نقل الواقع فوتوغرافيًا وبمساحات تتسع لعين المشاهد.

يقول بيكاسو: "إن الفنان لا يكون في الواقع الأمر في حالة من الحرية كتلك التي يجب أن يتظاهر بها.. إن الفنان يحيط به العديد من القيود، وهي ليست دائمًا من القيود التي يمكن أن يتخيلها الإنسان العادي." لأن "محمود الزيات" لا يبحث عن القيمة الجمالية للصورة الفوتوغرافية فقط. إنما يبحث عن سيكولوجيا فنية تحقق اجتماعيًا وظيفة صحفية تعرض الواقع المرئي، وتظهر أبعاد الحروب والنتائج السياسية. لكل حدث سياسي سلبي أو إيجابي، ليعكس المؤثرات الفوتوغرافية، ويضعها في عين الرائي بمصداقية، كما هي في كل جزئياتها الفوتوغرافية، وبتوقيع واقعي يظهر المعاناة الإنسانية ونتائج الحروب السيئة على الأوطان.

أعمال الفنان محمود الزيات من مجموعة متحف فرحات

بقلم ضحى عبد الرؤوف المل

Dohamol@hotmail.com