التصوير الفوتوغرافي ما بين الخيال ومهارة التقاط اللحظة

ضحى عبد الرؤوف المل

تتطلب اللقطة الفوتوغرافية مهارة حركية حاسمة، وخفة يد تتطابق مع قوة ملاحظة سريعة بديهية. إذ تحتفظ الصورة بمكنونات الزمن، فتحيا من خلال لحظة حدثت في الماضي ضمن لحظات أخرى من الحاضر والمستقبل. فاستمرارها عبر أجيال متعددة يجعلها ذات أهمية أثرية لا تقل عن الأثر التراثي أو العمراني أو الجمالي. لأنها قادرة على الاحتفاظ بكل هذا من خلال المعالم التي تبقى ظاهرة فيها بتباينات تتفاوت بين الماضي والحاضر، واللحظة الآنية التي تم التقاطها بها. يقول "ليوناردو دافنشي": "ينبغي أن يكون ذهن المصور كالمرآة، يمتلئ بعدد من الصور يوازي قدر ما يوضع أمامه من أشياء."

إن نقطة النظر الأولى تبدأ من الأشياء التي تظهر ذهنيًا قبل أن تتبلور في عدسة تتضمن انعكاسات ضوئية مهيأة لبث الصورة بكل التفاصيل الفنية المتناسقة مع بعضها من حيث التوازنات، والتباينات، والمنظور الفوتوغرافي المتزن نسبيًا. إذ يعتبر الضوء موسيقى وإيقاعًا جماليًا للصورة المتزنة، وللتذوق الجمالي بمختلف زواياه واتجاهاته الفنية. يقول أستاذ فن التصوير "بسام لحود": "الصورة الفوتوغرافية لحظة تحدث، وإذا أردنا خلق هذه اللحظة نحتاج إلى تقنيات من ضمنها الفوتوشوب وبرامج الكمبيوتر في الكاميرا والهواتف الخلوية." أما في التقنيات القديمة، كنا نخلق هذا الخيال من خلال عدة تقنيات في الغرفة السوداء.

يتفنن المصورون اليوم بالأساليب الرقمية لتحديث المفاهيم الفوتوغرافية، وتقديمها وفق اختيارات تختلط فيها المفاهيم الثانوية. إلا أن الصورة وجمالياتها ما زالت تعتمد على الأسس الأولية التي تحتفظ من خلالها بالتكوينات والظلال، وزوايا مساقط الضوء العميقة الدلالة والبسيطة تعبيرًا. فهذا الفن الواقعي والمتخيل والقابع داخل عدسة تتأثر بحجم فتحة الضوء من حيث الضيق والاتساع هو جزء من عين على الحياة ترى كل ما من شأنه أن يدفعها إلى الالتقاط الفوتوغرافي. وحين سألنا المصور الفوتوغرافي "نينو مليوري" خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان لماذا تثير الخطوط العمودية والأفقية عدستك أكثر من غيرها؟ قال: "لعبة الخطوط نابعة من الزوايا التي يختارها المصور لالتقاط صورته، وتبعا لهذه الزاوية يبرز هذا النوع من الخطوط أو ذاك." أما عن الجمال الفوتوغرافي وخفة الالتقاط فقال: "الصورة تشبه الكلمة. الكلمة في حد ذاتها ليس فيها شيء من الجمال، ولكن إذا جمعنا معًا صورتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو عشرًا، يمكن أن نؤلف نصًا أدبيًا أو شعريًا. الأمر نفسه ينطبق على الصورة. إذا عالجنا موضوعًا معينًا بالكاميرا، وبالصور الفوتوغرافية، يمكن أن نحوّل هذه المعالجة إلى ما يشبه الأدب أو الشعر. الصورة بهذا المعنى يمكن أن تكون قصيدة."

إن اختلافات الضوء تثير العدسة، كما تثير البصر من حيث التشوق والاستبصار، ومنح اللحظة الزمنية خفة التقاط متأثرة بالحدث مع الالتزام بقوانين التصوير من حيث الخطوط، والأشكال، والمساحات. برغم مؤثرات الحدث الحسية، والمؤدية في بعض الأحيان إلى تصوير المآسي، كما في صور المصور الفوتوغرافي "محمود الزيات"، الذي منح العدسة قوة إظهار الوجع الإنساني في انتهاكات حقوقه الحياتية التي مارستها إسرائيل على الشعب والأرض، محاكيا العالم فوتوغرافيًا. لتتكون طبيعة ترابطية بينه وبين العدسة والمتلقي. لتبقى صور الاعتداء الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006 كجزء مؤرشف يحتفظ باللحظة التي فجرت الصورة من خلال خفة الالتقاط الحاسمة، والعين الحادة المدركة لقيمة الحدث الذي ترك أثره في النفوس. كما في التصوير الضوئي الإبداعي الذي ارتكز على الأطُر الصامتة للدمار، وعلى سكون الحياة بعد الفاجعة المريرة التي ارتكبتها إسرائيل بحق الإنسان. فهي لم ترحم الأطفال والعجائز، وكل ما أظهرته عدسة "محمود الزيات" التي تابعت الحدث فوتوغرافيًا. لتختزل الحركة كل كلمة بصورة تحاكي قوانين الفوتوغرافيا من قيمة ضوئية، ومن قيمة إنسانية تمنح الصورة أهدافها التحقيقية التي تسعى إلى تسجيل صورة لتؤرشف في تاريخ الأمم الانتهاكات، ولتراها كل عين في العالم.

يقول بيكاسو: "إن الفنان يحيط به العديد من القيود، وهي ليست دائمًا من القيود التي يمكن أن يتخيلها الإنسان العادي." إن هذه القيود تختلف بين الخيال ومهارة الالتقاط، إذ تعتمد على اللحظة الملتقطة وما تظهره من جمالية، أو أن تكون إعلامية صادقة تبحث عن الخبر الذي يصعب رؤيته بالكلمة لتكون كمؤثرات منحرة ومقيدة في آن. ففي الأحداث المؤلمة التي مرت على لبنان في تموز 2006، استطاع "محمود الزيات" بخفة لقطته السريعة التي أرادت تسجيل كل ما تراه العين ضمن صورة صحفية حديثة احتفظ فيها، لتكون الشاهد الزمني على الجرم الإنساني الذي ارتكبته إسرائيل بحق شعب لبنان. بينما يفتح المصور الفوتوغرافي "علي حشيشو" عين عدسته على اتساعات تأملية تخدم المعنى، أو بالأحرى المضمون المتمرد في صورة تحررت أركانها الفوتوغرافية من القيود، لتظهر مكنونها الجمالي بتوازن مع الأسلوب المتآخي مضمونًا، كتصويراته الفوتوغرافية في حق العودة يوم 15 مايو، وما تمثله الفوتوغرافيات من فضاءات مفتوحة تعبيرًا نحو تأويلات ودلالات تمنح الرائي الأمل في رؤية الغيوم الحركية ضمن السماء الزرقاء التي مدها ضوئيًا، لتظهر معانقة كل من رافقها من طبيعة تحتضن البشر والحجر. وكان المناسبة هي عرس الحياة أو عرس الطبيعة الإنسانية المتشوقة لحق العودة. وما بين الحدث المؤلم في صور الفنان الفوتوغرافي "محمود الزيات" وصور الفنان الفوتوغرافي "علي حشيشو"، خفة التقاط تتمثل بالتضاد المعنوي أو المضموني، وبالتوافق في الرؤية التي سعى من خلالها كل من "محمود الزيات" و"علي حشيشو" إلى تجسيد قيمة الحفاظ على الإنسانية أو جمالية السلام، وإن برؤية معاكسة في فوتوغرافيات "محمود الزيات"، لأنه منح الأرشيف الزمني كل ما يؤلم الإنسان ليكتشف اليد الإسرائيلية المجبولة بالدم والأسى. أما "علي حشيشو"، فاستطاع فتح عدسته الجمالية نحو حق العودة، وما تمثله الصور من قوة الإرادة لشعوب تبحث عن الحق.

ربما ما تحمله صور "محمود الزيات" من فوتوغرافيا صحفية حديثة مرنة، تهدف إلى إعلام مرئي بصري ذي خيوط بصرية تؤثر ذهنيًا على منح الحدث المحاكاة الديالكتيكية القادرة على خلق إبداعات برغم مرارة الحدث، وهي نوع من المذهب الإنساني الذي يهدف إلى احترام حقوق الإنسان، وهذا أيضًا ما حاول إظهاره بلغة جمالية "علي حشيشو" لاحترام إرادة الشعوب في حق عودتها إلى أرض مباركة محفوفة بالفضاءات الواقعية والمتخيلة. فالفوتوغرافيا هي الفن الضوئي المثير للدهشة في كل لقطة مهما كانت أنواعها أو الأحداث التي احتفظت فيها. فهي ذاكرة لا تموت.

يقول المصور الفوتوغرافي صلاح الرفاعي: "لا شك أن الفوتوغرافيا قد تحررت من أولوية التقنية والميكانيكية التي شغلت إلى وقت طويل كبار مصوري القرن الماضي، لصالح الإصرار على أن التصوير هو وسيلة تعبير وإن كانت بمضامينها تنقل رؤية وفكر المصور. أنا لا أعتقد أن هناك صورًا تأخذنا حاليًا إلى الخيال الفوتوغرافي. بأعتقادي أن الصورة ما زالت تحاكي الرؤية المباشرة وصولًا إلى الواقعية... من هنا ما زالت الصورة تحمل مصداقيتها ومن الصعب التفريط بها. أما التقاط اللحظة الحاسمة بالنسبة لي فتعني: أن يشاهد المصور كل شيء عبر عدسته، إنما بكامل حواسه وليس عينه فقط، إلى أن يشعر بدنو اللحظة... وهنا يلعب التخيل دوره بعيدًا عن الميكانيكية. أود أن أشير إلى أن نظرية التقاط اللحظة الحاسمة قد وضعها المصور الفرنسي الأول "هنري كارتييه بريسون"، وقد أسماها "التقاط اللحظة الحاسمة"."

إن التقاط اللحظة الحاسمة هو الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال، وبين كل ما من شأنه تحقيق الصدق والعفوية مع الحفاظ على جمالية الصورة ومقاييسها الضوئية، لتجذب البصر إلى بؤرة الموضوع الأساسي. كما في صور حق العودة لعلي حشيشو المفتوحة نحو لا نهائية الحدود المؤطرة بظل انسيابي اختلفت فيه النسب الضوئية، لتزداد التعابير الحسية متانة وجمالًا.

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء