الفنان كميل حوا للواء: "حركة اليد هي أهم شيء في تكوين الخط، هي أساس العمل البصري"

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل

يداعب الفنان "كميل حوا" الحرف العربي، فتتشكل من ليونة الفراغات المعاني الجمالية ذات القيمة الفنية المرتبطة بالإحساس المنتمي للواقع الحياتي، أو بالأحرى للمشهد اليومي. فاستثارة انفعالات المتلقي هي ناتجة عن القيمة الفنية البسيطة في الشكل، والمعقدة في الرؤية، إذ ينتج عنها اختلافات بين الحروف التي تتشكل تبعًا للمعنى الحسي والصورة، وما نراه فيها من مشاهد حياتية التقطتها ريشة ذات انطباعات واقعية تضيف من أحاسيسها الألوان المختلفة. فكميل حوا يسعى دائمًا في أعماله إلى إظهار الأفكار المعاكسة، خصوصًا في بنائية الكلمة ومعناها. كما في كلمة "بيروت" وخطوطها العمودية التصاعدية المتناسقة مع الحروف واتجاهاتها، والفكرة الأساسية التي نبتت منها بشكل عام. من هنا كان لا بد من حوار مع فنان حمل الفكرة الفنية واستطاع البحث عنها لتتواجد في شتى أعماله.

- متى تنبت الفكرة الفنية في ذهن الفنان كميل حوا؟

في غفلة من الزمن، في الحقيقة أغلب الأفكار تأتي عندما يكون العقل في حالة من الاسترخاء أو ما يسمى فن الصدفة. لأن الفن يبدأ بالإحساس، وقد وصفت في بعض كتاباتي باللغة الإنجليزية مرحلة عملية الإبداع، وهذه كلمة لا أحبها لأنني أعرف الفن كنقل طاقة من المشاعر لتحويلها إلى رسمة أو لوحة أو رقصة. لأن الفنان يجمع صورًا في ذهنه ويضعها بنظام لتصبح معزوفة أو أي شيء نسميه "فن".

- الحرف العربي وما يمثله من ليونة وجمالية في الفراغات ماذا يعني لك؟

حركة اليد هي أهم شيء في تكوين الخط، هي أساس العمل البصري. حين تنتهي رحلة اليد مع قلم الرصاص في العمل الفني، يكون العمل قد أنجز ليأتي بعد ذلك مرحلة التعبئة. فالخط الخارجي يحمل في طياته الرموز السرية في التكوين. لكن تجربتي مع الخط تنبع من اليد. أنا لست خطاطًا، ولم أدرس الخط، رغم أنني عملت مع خطاطين. لكنني أرسم الكلمات، لذلك هناك فن جديد اسمه "فن الكلمة"، مثل كلمة "بيروت". كلمات تتكون كما معناها مثل كلمة "ملح". هذا نوع من مداعبة الكلمة من خلال الرؤية العميقة لها.

- المرأة والزهور والواقع الذي تتركه ليحاكي الزمن، هل من شيء آخر تضيفه لإرثك الفني؟

عنوان معرضي الحالي "كميل حوا يرسم خطًا"، لأنني في الحقيقة رسمت عمالًا، نساء، شاحنات، قطارات. لا أحب فن الاستوديو، أحب الكتابة الطفلة أو العفوية الصافية. لهذا أرسم من الحياة اليومية. تجذبني المرأة الجالسة التي تقرأ كتابًا. أنا لا أفرق بين الفن التجريدي والفن الواقعي. أعتقد أن الفن التجريدي هرب منه الناس بدون أي سبب. فالإنسان العفوي يحب الفن التجريدي. ولكن النقاد كانوا السبب في عزوف البعض عن الفن التجريدي. الإنسان العادي يحب الشكل الجمالي، رغم أنه لا يعرف المقاييس. إلا أن الفنان العظيم عظيم بقيمته التجريدية. فالقيم التجريدية هي القوية. ولكن الفن هو شيء يجذبك ويحرك مشاعرك. الفن هو الفن، لا أفرق بين الفن التجريدي أو سواه. المهم أن تكون عميقة في اختزالاتها. فهو ينقل أحاسيسه وإذا استطاع ذلك فهو فنان.

- معتقدات فنية تصف اللوحة التي تتضمن الحرف العربي بالعربية تمامًا، لماذا تنفي هذا؟

ليست عربية أبدًا. كتبت مقالًا عن ذلك. أن إدخال الحرف العربي إلى اللوحة المعاصرة لا يعني أنها عربية. إن الخط كعمل جمالي هو غرافيكي، وهو ليس جمالًا من نوع اللوحة، هو نوع من العروبية السطحية، نوع من الوطنية السطحية. لتكون اللوحة عربية، هناك شروط. يمكن لفنان مكسيكي أن يؤلف من حرف النون الأشكال الفنية. الخط هو الكلام. إن من كتبوا الآيات القرآنية في بداية الإسلام كتبوها بخشوع وبرهبة، وبجمال، لأنهم خطوا كلام الخالق، وبالتالي كتبوا اسم الجلالة، لأنهم تعاملوا مع معناها. أنا لا أؤمن بإدخال الخط العربي في اللوحة المعاصرة. فالخط العربي الكلاسيكي نختصره بسبعة خطوط وأكثر، ونحن بحاجة لتطويره.

- فلسطين والهجرة والثبات في العمل الإبداعي، هل من فوارق بينهم؟

دون شك، هجرة فلسطين تؤثر بنفس الإنسان. أنا لا أعرف الربط بين كل هذه الفوارق. بالنهاية أنا ابن المشرق وعشت في بيروت، فالثقافة عامة.

- معرضك اليوم، كيف نشأ وبماذا تصفه؟

خلال العقود الثلاثة الماضية، انخرطت في فن الغرافيك، كنت الجزء الأساسي من العمل الغرافيكي في هذه الفترة. لكن في هذا المعرض، كل شيء جديد تقريبًا فيه. خلق جسر من العمل الغرافيكي والعمل الفني مع تأكيد على شيء رئيسي، هو الخط أو مداعبة الخط. أجلس صباحًا على نافذتي، أرى شريط الكهرباء امتلأ بالعصافير، وقد استعملت هذه الصورة في المعرض. وفيه ما هو قديم، وحاولت إعادة إحيائه له من جديد. هو ليس معرض لوحة، لوحة، لوحة، فيه رسم، طباعة على الحرير، فيه الصور الفوتوغرافية، فيه تنويع من خط الكلمة.

- أي الحروف العربية التي اشتغلت عليها ووجدت فيها بناء أو فراغ يسمح لك بتكوينات مختلفة؟

الحروف التي تلائم الهوى في نفسي. أنا مزاجي في فن الخط، أحب الراء، والحاء، والضاد، الكاف، الميم، والياء. لكن في تكوين الكلمة الأساس، وليست الحروف المفردة. إلا أن فكرة البناء موجودة.

- ماذا تقصد بفكرة البناء موجودة؟

الحقيقة البناء تشكيل يحتاج لإحساس، هو مزيج من الحماس والخوف، والخوف مهم في العمل الفني. الانفعال والخوف، لحظة تؤدي إلى تكوين الشكل.

- هل من اختلاف بين الهوية عند الولادة والهوية الفنية التي تحمل تراثنا العربي نحو العالمية؟

ما من شك، كل ما يخرج من نفس الإنسان بذوره موجودة في تكوين ولادته. ما من شيء يخرج من الإنسان إلا وله صلة تربطه بكتلة تكوينه الأولى.

هل الزهور في لوحاتك ستبقى ضمن مزهريات بدون أرض تنتمي إليها؟ أم أنك في اللاوعي تركتها محصورة في حدود معينة؟

الزهور في المزهرية كما الناس على المسرح. لكن كي أرسم الزهرة يجب أن تكون المزهرية ذات قيمة جمالية، فهي تضيف على الزهرة أناقة ما. هي حضارية، وهي متزينة، أي منخرطة في الحياة أكثر.

- تلتقط انطباعات واقعية لامرأة تستريح، إلى أي مدى تبحث عن الاستقرار عند المرأة؟ ومتى تظهر ذلك فنيًا؟

لا أبحث عن الاستقرار في المرأة، لأنها مستقرة. تلفتني شخصيتها، احتجاجها. أنا من الفنانين الانطباعيين. البعض يشبه أعمالي للفنان ماتيس، لكن أحب البحث عن ما يجعل اللوحة عربية أو شرقية؟ كيف يمكن أن نستجلي السمات العربية في اللوحة المعاصرة؟ لأننا ببساطة إذا رسمنا بصدق، سينعكس شيء من قوميتنا على اللوحة.

- ماذا تعني لك هذه الكلمات؟

الأرض؟

أحب التراب.

التراب؟

هو الزرع، هو المجلس، هو السند.

الدماء؟

الحزن.

اللون الأسود؟

هو لون استعمله بحرية، البعض اعتبره سمات شرقية.

حرف الألف؟

بداية.

فلسطين؟

هي كأس مرّة لكل عصر.

في رؤية تحليلية للحوار معه نكتشف

في هذا الحوار مع الفنان كميل حوا، نلاحظ أنه لا يقتصر على كونه لقاءً تقنيًا عن فنون الخط والرؤية الجمالية، بل هو رحلة إلى أعماق الفنان، ورؤية تتداخل فيها المفاهيم الجمالية النفسية والوجدانية. نحن أمام فنان يبحر في عالم مرهف الحس، حيث لا تقتصر رؤيته على الأشكال الملموسة، بل يتخطى هذا إلى الفكرة الجوهرية التي تسكن العمل الفني، كما تسكنه فكرة "التحويل" أو "الانتقال" من الإحساس إلى الشكل.

في حديثه عن الحرف العربي، يكشف كميل حوا عن علاقته العميقة بحركة اليد كوسيلة للتعبير الفني. تأكيده على أن "حركة اليد هي أهم شيء في تكوين الخط" ليس مجرد تعبير فني، بل هو استكشاف لروح الحرف الذي يتشكل بيد الفنان كأنه كائن حي يتنفس ويعيش. هذا الرابط بين اليد والفن يعكس إحساسًا فطريًا لدى الفنان يتجاوز التقنية ليصل إلى الذهنية التي تخلق الانسجام بين الخطوط كأنها تعبير عن الحركات الجسدية الطبيعية للفنان.

الرؤية الجمالية في فهمه للخط العربي تتجاوز كونه مجرد استخدام لشكل الحرف. إنه يرى الحرف كأداة تعبيرية تحمل الرمزية العميقة، ويعتبره "كلامًا". وهذه النظرة ليست محصورة في الجمال البصري، بل تمتد إلى البُعد النفسي، حيث تبرز التأثيرات العاطفية التي تحملها الحروف عبر تفاعلها مع الألوان والمشاهد الحياتية اليومية التي يترجمها بحرفيته الفائقة.

في حديثه عن العلاقة بين الفن التجريدي والفن الواقعي، يبدو أن كميل حوا يسعى جاهدًا لتخطي الحدود التي فرضها النقاد والاتجاهات الفنية. لديه موقف نقدي تجاه الانقسام الذي حدث بين هذه الأنماط، حيث يعتبر أن "الفن هو الفن"، وأنه لا يفرق بين التجريد والواقعية، بل يراها أدوات تعبيرية تنبثق من ذات الفنان وعلاقته بالواقع. هذه الفكرة تنبع من مبدأه في أن الفن ليس مجرد "مفهوم" بل هو حالة من الاندماج الكلي بين الفنان وعالمه الداخلي والخارجي. جملته "الفن هو الفن" تمثل جوهر فلسفته في الفن؛ أي أن القيمة تكمن في "العمق" الذي تحمله اللوحة أو العمل الفني بغض النظر عن الاتجاه التقني الذي يتبعه.

يظهر في حديثه إيمان عميق بأن الهوية الفنية ليست مقتصرة على الانتماء الجغرافي أو الثقافي، بل هي حالة وجودية تتجسد في "الحالة النفسية" التي يعبر من خلالها الفنان عن ذاته، وهو ما ينعكس بشكل جلي في أعماله. فهو يرفض تصنيف العمل الفني وفقًا للتوجهات السياسية أو الجغرافية الصارمة، ويرى أن إدخال الحرف العربي في اللوحة المعاصرة لا يجعلها عربية بالضرورة، بل يقتصر على بعد سطحي لا يعكس حقيقة الفن ولا يترجم التفاعل الداخلي العميق مع الثقافة. فلسفته تتجاوز المعايير الجغرافية الضيقة، ليؤكد أن الفنان الذي يلتقط اللحظات الحية، والتجارب النفسية، والإنفعالات الدقيقة هو من يخلق هوية فنية حقيقية تتجاوز الحدود المكانية.

تعكس رؤيته للمرأة في الفن جانبًا نفسيًا عميقًا، حيث تتسم شخصيتها عنده بالاحتجاج والبحث المستمر عن الهوية والوجود. المرأة في أعمال كميل حوا ليست مجرد صورة جمالية ثابتة بل هي كائن حي ينضج ويعبر عن قلقه الداخلي من خلال تمثيله. وهذا يظهر في تركيزه على "الشخصية" و"الاحتجاج"، ما يتيح للفن أن يكون مرآة حية لمشاعر التحولات النفسية. حوا يتجاوز السطح ليعبر عن حالة غير مستقرة للمرأة، كما لو أنها تبحث عن مكانها في عالم دائم التغيير. تجسد اللوحة بالنسبة له مساحة للتأمل في هذه الشخصية الحية التي لا تقبل الجمود أو التسلط.

أما الزهور في أعماله، فهي تمثل حالة من التوتر بين الوجود والمكان. يرفض أن تظل الزهور في حدود المزهرية المغلقة، ويرى أن كل عمل فني يحمل في طياته حالة من الانفتاح والتفاعل مع العالم المحيط. الزهور في مزهرياتها تمثل معادلة الحياة والموت، النمو والذبول، وهذا التشبيه يربط عالمه الفني بعالمنا الإنساني المملوء بالمفارقات.

كميل حوا ليس مجرد فنان يعكف على تشكيل الحروف أو الأشكال؛ هو فنان يبحث في داخلنا، يستكشف الحرف والجمال والمعنى ككائنات حية تتنفس وتعيش. إن رسالته الفنية تستند إلى مبدأ بسيط ولكنه عميق، وهو أن "الفن هو تعبير عن الشعور". وفي ذلك يكمن سر جمالية أعماله، التي تتراوح بين التجريد والواقعية، والتي تحمل طابعًا نفسيًا مميزًا يعكس قلق الفنان، تأملاته، وتفاعلاته مع الحياة.