الخوف الاجتماعي أو الفسيولوجي المتعلق بالليل

ضحى عبدالرؤوف المل

شجعت المخرجة "بشرى أزاهير أيوب" النساء لحكاية قصصهن عن الخوف الاجتماعي أو الفسيولوجي المتعلق بالليل، وذلك بتقديمها لمهرجان طرابلس للأفلام، الفيلم القصير الذي يحاكي المجتمعات الكبرى من خلال مجتمع تصغيري في طرابلس. لأن الخوف عند المرأة من الليل أو البقاء ليلاً خارج المنزل هو بمثابة موضوع عام وشامل في العالم. لأن المفهوم الاجتماعي للخوف الليلي هو خاص بالمرأة، كعنصر ضعيف لا يمكنه الدفاع عن نفسه، فقدراتها تختلف عن الرجل. لهذا كانت عين "بشرى أزاهير أيوب" ترصد المعنى مع المعاني من خلال تصوير الأحياء في مدينة طرابلس نهاراً وليلاً. لنستكشف تواجد المرأة في شوارع المدينة في النهار، وعدم تواجدها في الليل، وبين هذا وذاك استمتع المتلقي بالمشاهد التصويرية التي توسعت في التقاط تفاصيلها. لأن بعض اللقطات حملت لوحة كاملة العناصر، وهذا منح المشاهد حساً تصويرياً إبداعياً متعدد الإيحاءات.

النساء في فيلم "About Their Night" لم تكسر التابو، ولم تحاول الإفلات من عنجهية الخوف الليلي. بل اعترفت كل امرأة بعنصر الخوف، إلا البعض منهن، ولكن برغم الجرأة كمن خوفهن بباطن الحديث الذي غمرته بموسيقى تصويرية ومؤثرات ضوئية وخيال تلاعبت به. لتضفي على المشهد نوعاً من الحيوية. إلا أن رتابة التكرار في بعض المشاهد محتها جمالية اللقطات التصويرية المفتوحة على حركة بصرية هادئة تتشبع حواس المتلقي. كما أنها اعتمدت في مادتها البحثية على المتواجدات في طرابلس كمدينة هي جزء منها برغم تعدد ثقافات "بشرى أزاهير أيوب" فهي أظهرت معالم الأحياء الطرابلسية الشعبية منها والأخرى.

إن الصورة النهارية تكلمت بكل تفاصيلها الإيضاحية الممتلئة بالمحاكاة الإيحائية المنسجمة مع الموضوع بشكل عام، وكأنها أرادت منح فكرة الخوف لمجتمع نعايشه في كل المدن المشابهة لمدينة طرابلس، فاللغة التصويرية هي بمثابة الأساس في بحث قدمته عن "توقيت حظر التجول الليلي في اللاوعي لكل امرأة. في منتصف الليل لم تعد الطرقات آمنة في طرابلس، كما في بقية مدن الشرق الأوسط حظر تجول النساء يبدأ مع سقوط الليل." إن المؤثرات الثابتة في الوجدان هي تلك التي نشاهد فيها النوافذ مفتوحة في الليل، وفي كل نافذة حركة تختلف عن الأخرى مع الضوء الشبيه بإيقاعات الموسيقى المرافقة للمشهد بشكل عام.

يقول طلال سيف: "الصورة عنصر انطباعي، معلوماتي في المقام الأول، أي أنها تمنح المتلقي معلومة أو توقعات ما لحدث سيأتي في مشهد لاحق أو تأثيراً نفسياً معيناً." يثير فينا الفيلم نوعاً من الهواجس التي نلمس حقائقها من خلال ما نسمعه لا ما نراه، فالرؤية اقتصرت على إحساس النساء ومشاعرهن العاطفية منها والعقلانية، فخارطة السيناريو التصويري متلائمة مع خارطة الموسيقى السمعية والصورة الحركية الموحية لرقة المرأة، وجمالها أيضاً داخل معالم المدينة الجميلة، فالرؤية العامة لفكرة الخوف الليلي وظفتها لتخدم عناصر فيلمها بحيث وضعت في الخلفية التابو بقوة تاركة الكلام يستريح في محطات مختلفة انتقلت بها من امرأة إلى أخرى بسلاسة، فالفواصل الكلامية بين المشاهد والاستراحات الموسيقية تكاملت مع بعضها، مما ساهم في توظيف الصورة الغامضة ليحرر الكلام بقوة، ويخرج من أفواه النساء دون الخوف من الظهور بوضوح أمام الكاميرا. وفي هذا خوف أكبر من الليل وهو الجرأة أمام الكاميرا التصويرية.

تقول المخرجة "بشرى أزاهير أيوب": "الفكرة شاملة وهي بمثابة خارطة بصرية وسمعية وحركية، كما أن إظهار معالم طرابلس بالنهار كان من الأمور المهمة لأن المرأة تظهر فيه في المقهى وفي الشارع والأسواق، فأنا حاولت إظهار هذا التضاد ليظهر كل ذلك في الليل حيث الشوارع شبه فارغة من النساء أو بالأحرى فارغة تماماً."

أماكن تعددت، وكاميرا تنقلت، ونساء تحدثت، والفيلم يتحدث عن الخوف الليلي عند النساء في نفوسهن، فالتقديم إخباري اجتماعي والشاهد بصري ممهور بتتابع درامي منظم، والمادة الحكائية الحرة المنسوجة من كلام عدة نساء عن إحساسهن بالخوف، وهذا أبعد الفيلم عن الجمود والرتابة برغم تكرار بعض اللقطات التصويرية التي يمكن اختزالها أو استبدالها بأخرى. لتتنوع اللقطات الجمالية أكثر كتلك التي يبدو فيها منظور الخطوط في الشوارع ليلاً يضيق ويتسع بحيث تبدو اللمعات الضوئية كوميض نفسي خائف من العتمة، فهل استطاعت "بشرى أزاهير أيوب" جمع خيوط هذا الفيلم؟

اتخذت المخرجة "بشرى أزاهير أيوب" من السلوك البشري المحدد بالخوف الليلي موضوعاً لفيلمها الذي يحاكي بشكل عام فئة النساء اللواتي لم تظهر ملامح وجوههن. لتبدو كل واحدة منهن كظل لأخرى أو لتبدو بوضوح من بعيد، وهي تمشي في الضوء النهاري بثقة كاملة، وهذا التضاد الحركي بين الليل والنهار، وربما هذا ساعد المتلقي ليستكشف المضمون الصادق والمكتوب بشكل سمعي من خلال ألسنة النساء المتحررة من الضوء والقابعة تحت جنح الليل. فهل يستحق فيلم "بشرى أزاهير أيوب" الفوز في هذا المهرجان الذي انطلق مع انطلاقة طرابلس نحو ضوء الثقافة السينمائية؟

الفيلم "About Their Night" مشارك في مهرجان الأفلام في طرابلس.