"لا مصير" حتى في ظل العبودية.

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "لا مصير" للروائي إمرة كيرتيس، ترجمة ثائر صالح.

تتواجد في المعسكرات أو حتى السجون أنظمة تخلو من الإنسانية في أثناء الحروب التي تشن على الإنسان بشكل عام، حيث نعتاد على الحياة اليومية تبعا لأنماط العيش التي تكرر نفسها ضمن نظام صارم هو بمثابة الركن الأساسي الذي تقوم عليها أسس المعسكرات التي تنتهك حقوق الإنسان، وهو نوع من برمجة تكنيكية عصبية تنتظم معها الحواس التي تفقد قيمة الإدراك أو الاستمتاع بالوجود كإنسان يحيا ضمن بيئة تحفظ تواجده، وكأنها حياة ترويضية تهيمن على قيمة الإنسان وجوهره، كما لا يستحقها أي كائن آخر في الحياة، فحقوق الإنسان هي في امتلاك حريته واحترامه دون النظر لجنسه أو ديانته أو مذهبه أوعمره، لأننا في الخلق سواسية، وإنما سيطرة الإنسان على أخيه الإنسان تنبع من الخوف أولا، ففي رواية "لا مصير" للروائي المجري إمرة كيرتيس ترجمها إلى العربية ثائر صالح نلمس أن" الإنسان لا يبدأ حياة جديدة بل يواصل حياته القديمة رغم المنعطفات، إذا لا يمكن محو الذاكرة" ولكن الهولوكاوست بالنسبة لكرتيس أكثر من تجربة مريرة عاشها، إنها دوامة جهنمية، تكرر نفسها أحيانا، إنها صفة انحطاط المجتمع البشري المعاصر، وتغلب الوحشية البدائية الفجة على العقل" فهل كررت نفسها الهولوكاوست في مجزرة الأرمن، أو المجازر التي حدثت تباعا في العالم ؟ أم أن المجازر التي بقيت طي الكتمان التاريخي ما زالت تنتظر الزمن؟ ليكشف عنها برواية هي بمثابة وثيقة تاريخية أو شاهد أدبي على مجزرة اليهود أو كما وصفها " إمرة كيرتيس مدخنة كريماتوريوم" .

سرد ذاتي يمتاز بالموضوعية وبمنطق روائي لا إسفاف فيه، فقد سلط الضوء على المراهق الذي يحاول ترجمة ما يحدث من حوله، وهو ما زال في مرحلة الوداع لأبيه الذي سيأخذ إلى المعسكر، والكل متهيب من هذه اللحظة ، ليعيش هو فجأة حياة المعسكر، وكأنه ترك مرحلة الأب، ليحكي عن الابن لفارق في العمر، فما سيعيشه الأب في معسكر سيموت فيه، سيكمله الابن بتؤدة وشعلة روح تريد الحياة، فهو يمتلك الإرادة للعيش برغم كل المحن التي تمر عليه، لأنه أوحى منذ البداية بالمصير اليهودي المشترك " لأن ما سلطهم عليهم الرب عقاب لهم على ذنوبهم السالفة" لكنه منح التكرار الزمني صفة لا مصير حيث الحياة التي تعيد نفسها في كل مرحلة مكانية وزمانية، وربما مع فصائل أخرى غير اليهود، وهذا ما شهدناه مع الأرمن، ومع الفلسطينيين، وهذا يؤدي إلى " نفى المعنى السامي للحياة" أو كما يقول:" نفي النفي"

" يهود قذرون ، تتاجرون حتى بأقدس الأمور" مفردات توحي بقساوة الفعل المعنوي والملموس استعملها لتصوير الوحشية في الإنسان مثل الهولوكاوست ، ومدخنة الكريماتوريوم ، معسكر الإبادة ، صوت الصفعة ، مع الإشارة إلى يهود بودابشت والنجمة الصفراء، العبودية وما إلى ذلك من تصويرات تضع المتلقي أمام عاطفة إنسانية من شأنها إشعال الذاكرة في الأحداث التي نلمس منها انتهاكات لحقوق الأرض والإنسان الموضوع تحت عبودية تتسبب بالويلات، فهل نستطيع تنظيف التاريخ من كل ما من شأنه سلب الإنسان كرامته؟ لأنه وكما قال حرفيا:" ستأتي لحظة انتصاره، وسيتمرغ البعض بالندم، ويستنجدون به وهم بالتراب، أولئك الذين تناسوا عظمته." فالطبيعة البشرية تلجأ إلى الما ورائيات في أزماتها أو التعلق بالأمل وبالقدرة على سبغ الوجود نوعا من إكمال المسيرة للوصول إلى نقطة يفقد فيها الإحساس بالأشياء من حوله، وهذا يجعل فكرة المستقبل كبقعة الضوء التي ينتظرها" اجتهدت في النظر إلى المستقبل، فلم يقع بصري سوى على الغد، والغد هو مماثل لليوم"

تناقض روائي مماثل للحياة اليومية بكل مشاكلها الحيوية التي تعصف بالمشاعر الوجدانية عند القارئ، من حيث متانة السرد الذي يجعلك لا تترك اللحظة التي تقرأ فيها، وأنت ذهنيا تتصور المشاهد المكتملة الأركان حيث القدرة على منح الحواس لذة الرؤية، والاستبصار حتى عند أشد التعابير فظاظة للإنسان الذي يتعرض لوحشية بكتيرية ، وكأن المصير لا يكتفي بأزمة واحدة تعرض لها المعتقل بل أيضا تشتد أزمته بحيث تتغذى من جسده البراغيث والديدان حتى يفقد القدرة على مقاومتها " تعرفت على الديدان بشكل حقيقي، لم أستطع مسك البرغوث أبدا، كان حذقا أكثر مني لأمر مفهوم بسهولة، فهو يتغذى أفضل مني. وفي هذا إيحاءات لحرمان الإنسان في المعسكرات أبسط حقوقه الحياتية ، وهي الأكل والعناية بصحته . لقد استطاع إمرة كرتيس السيطرة على مخيلة القارئ حتى حواسه التي تأثرت بكل تفاصيل الرواية. لنحاول رؤية غرف الغاز التي بحث عنها ، فالصور التخيلية هي جزء لا يستهان به خلال الأسلوب الحركي الذي اتبعه مع مراهق يمتلك القدرة على بناء حياة خاصة في معسكر اختزل حتى تفاصيل الحياة للجسد الذي يشيخ بشكل أسرع "والآن تهدلت وتجعدت نفس هذه البشرة، غدت صفراء وأيبست تغطيها مختلف القروح" وكأنه يبث روح الشباب في روايته التي تضع القارئ أمام تحريك الأجفان فقط تماما كالسجين في المعسكر الذي يتأوه من الوجع بصمت" أما أنا فكنت أعيش حتى لو كانت علامة ذلك تحريك أجفاني" ليمتلك بصمته الروائي ضجيج النفس التي تستنكر انتهاك حق الإنسان مهما كانت ديانته، ولكن" لا مصير" هي بناء الوطن الجديد حيث التطلع نحو مستقبل ترفرف فوق راياته السلام. فهل هذا ممكن برغم كل المنعطفات المؤلمة التي تأخذ من الزمن الأجزاء الجيدة، وتترك في الذاكرة مساوئ التاريخ الذي يحمل المجازر والمحارق وتعذيب الإنسان، بل قتله نفسيا قبل الجسد الذي يشيخ في عمر الشباب؟.

ما من فصول روائية تفصلك عن الأحداث حيث المكان الأساسي هو المعسكر، وهو المدرسة التي تعلم فيها، كيف يحافظ على نفسه قيد الحياة، ليستكمل المشوار كسجين ذي وجهين بعد المقدمة التي حملت نقطة تحولات وتغيرات تثير الدهشة في القارئ الذي استعد ليرافق الأب في رحلته إلى المعسكر، ليتفاجأ في النهاية أنه استمر مع الابن والأب في سيمترية تتوازى فيها الأحداث ضمن المخيلة، لنشعر بقيمة الحياة والموت وقدرة الشباب على تخطي الصعاب، فيموت الأب في معسكر رأيناه فيه سيميائيا من خلال الحاخام أو من خلال غيره من العجائز، أو من خلال "هذه اللحظة تحترق أمامنا هناك رفاق السفر من قطارنا، كل هؤلاء الذين صعدوا الشاحنة، الذين ثبت أنهم غير لائقين بنظر الطبيب بسبب الشيخوخة أو لأي سبب آخر." فمعسكرات الإبادة لم ترحم الشيخ ولا المرأة ولا الطفل الذي تمّت إبادته بأجمل الطرق ، كالحديقة والألعاب والأمكنة الترفيهية التي يتم فيها فتح مواسير الغاز عليهم، فيموتون وهم يلعبون. فهل الذاكرة التاريخية تمحو كل ما حدث في الماضي؟ أم أننا نحمل الضغائن في أنفسنا بحيث" يجب أن يعرف الإنسان سبب كره الآخرين له"

رمزية، وواقعية، وربما بعض السريالية في فيروس الجرب الذي يتغذى من الجرح، وتخيلات رسمها من خلال المفردات التي تقسو وتلين على القارئ، ليمتلك كل حواسه وهو يقرأ عن العبودية، ومعناها المتجدد أو الروتيني بحيث إن العبودية ليست فقط في المعسكرات بل من خلال عدم محبة اليهود في إشارات استبطنها في المقدمة " فهمت من نظرته الغاضية وحركته البارعة حقيقة تفكيره الذي لا يسمح له بمحبة اليهود" كما إنه أيضا " لم يرد تحيتي، لأن كل المحلة كانت تعلم عنه عدم محبته لليهود، ولهذا أيضا رمى علي خبزا أقل وزنا ببضعة دراهم" أليس في هذا عبودية لأفكار ناتجة عن تصورات مسبقة عن اليهود؟ فهل فعلا " مخيلتنا تبقى حرة في ظل العبودية" أم أن الاستعباد هو في كل ما يجري من حولنا، ولا نشعر به إلا بعد فوات الأوان؟ وفي هذا يقول كيرتيس على لسان البطل:" لو أخذتني مخيلتي بعيدا جدا بحيث أسني يدي، سرعان ما ستتوفر الحجج الكفيلة والملائمة للحق في التدخل من قبل الواقع القائم الموجود هنا أصلا" وهنا حقيقة أحسست كأني أقرأ عن الواقع الفلسطيني لمراهق في سجون إسرائيل ربما، وما يتكرر معه من تفاصيل نتألم لها، ومع ما تكرر في مجزرة الأرمن والمجازر الكبرى في التاريخ . فهل هذه منعطفات تمثل الانحطاط البشري المعاصر؟.

رغبة ورهبة تجتاح القارئ في رواية "لا مصير" ما بين استنكار وتعاطف ، وتضاد عاطفي ما بين فكرة الشعب اليهودي، والشعب الألماني، وما يتطابق مع الزمن الحاضر الذي ألغى تواجده في الرواية، لأنه وضع الأحداث بين الماضي والمستقبل، وترك الحاضر مبهما مع التسلسل الروائي، وكأنه يوائم القارئ مع البطل، ليرافقه بكل التفاصيل التي وضعتنا معه في معسكر واحد تعرفنا فيه حتى على قضبانه الحديدية ذات المخاريط الأزلية المتكونة من جليد تجمد " من البخار الذي نبثه مع أنفاسنا على ما يبدو، وتراكم عليها الصقيع دوما" إن العلاقات السوسيو أنطولوجية في الرواية تترابط مع بعضها بمتانة تحقق سمة " نفي النفي" التي تحدث عنها إمرة كيرتيس في روايته بشكل عابر، ولكن بعمق معنى متمثل بمجتمعات المعسكرات ذات الأرقام المبنية على التراكيب الاجتماعية في معسكر يحتوي على الأجساد المسيرة ضمن نظام تختل فيه توازنات الحياة حيث اكتشف" أن الغرور شعور يرافق الإنسان حتى آخر رمق فيما يبدو" لكن رواية " لا مصير" تبقى كعلامات تعجب يرسمها التاريخ البشري لمجتمعات تكبر فيها هوة الانحطاط بحيث" تتغلب الوحشية البدائية الفجة على العقل" دون النظر لأي انتماء ديني أو مذهبي، فالإنسان جوهر وكينونة روح، وهو مخلوق محب للسلام، فهل من سلام يمحو كل مساوئ البشرية ؟

Doha El Mol