وهل بعد هذا كلام يقال؟

ضحى عبدالرؤوف المل

رسائل من قلبي إليك...

تقبلوا مني هذا الموقف السلبي بقوته والإيجابي بضعفه وتساؤلاته، فأنا اليوم أقف على حبل الحياة الماكرة التي تتأرجح مع العواطف والمشاعر الإنسانية التي نخنقها بالشك والخوف، ونقتلها باليقين المتذبذب بين الأنا واللاوعي المقتول في داخلنا، فهل نتلاعب بمشاعرنا أم بمشاعر الآخر المرمية بين زهور الأقحوان أو شقائق النعمان السريعة الزوال في حدائق ربيع يعصف بها؟

إن الحبل المشدود على رقابنا في خلوات نفس لوامة بكل تناقضاتها وانعكاساتها، والتي جعلتنا نتأفف ونتضجر ونتأرجح بين صمت ورياح ثرثرة صارمة في إعصار الحياة التي نعيشها بتذبذب بين هذا أو ذاك يجعلنا كالتائهين أو كالسكارى، فنبتعد عن الإدراك بعد أن يصبح اليقين نقطة يصعب الوصول إليها.

ليت كل الكون المأسور بخيالاته المسجونة داخل أفكارنا يجعلنا ندرك ماهية العلاقات الإنسانية، بعيدًا عن المتاجرة بالأكاذيب المرة؟ فهل نشعر بالاستقرار بعد إطلاق الأكاذيب مرة تلو الأخرى؟ أم إن الصدق يصعب بثه في زمن هو لغز نحاول فكه أو تفكيكه، وربما بناء سور حوله ليصعب اختراقه؟ ليت كل الأرض المبسوطة بألغازها تجعلك تدرك ما في باطنها، ويا ليت كلمتي تحمل في معانيها صدقًا دفنته في المعاني ولؤلؤًا خبأته بين طيات حروف تكونت منها الحياة التي فقدتها، والتي جعلتني أحيا في بيئة فريدة منحتني كل ألوان الاجتماعيات، والتي جعلتني أتذوق مسارب الضوء فيها عبر المدى المتسامي في صميم مواضيع تتلاشى، كأنها دموع تتبخر وهذيان شفاه مجنونة ترتجف لا تعرف سوى الصمت.

تأرجح قوي وأنا أقف على عتبات الخمسين التي أخاف الخوض في شهورها وأيامها وساعتها، وحتى ثوانيها وربما بيني وبين نفسي أخاف هذا الرقم الخمسيني. لأنني في الأربعين اكتشفت أن جمال المرأة يزداد مع سنين عمرها، فهي من الداخل كالحصن المنيع، والزهرة الفواحة المتدثرة بالصمت الأنيق. لكن هل سأقع على يمين أم على شمال أم سأكون وسطية في الفكر والحياة وفي الحب الذي لم أستطع فك شفراته الحزينة؟

ربما التأرجح الانفعالي الميتافيزيقي يكويني بجمر الفؤاد العاشق، وهو يشتعل بطيب رجل متناقض بكل أفعاله وأقواله، وربما الحب العميق الذي أكنه له هو جزء من حياتي وحياته معًا، فكلانا على شفا حفرة الحياة نسعى من خلالها لديمومة لا تموت فيها المشاعر ولا الأرواح، فهل في هذا نوع من الخبث الحياتي؟ أو هو الوفاء المثقل بخواطر فيروسية أمحوها بمضادات حيوية تشفي الروح العاشقة؟ هل بعد هذا كلام يقال؟

لا أريد الجواب على هذا السؤال لأن جوابي خاطئ وصحيح. أدرك هذا لأنني كنقطة في محيطه المطمئن، فالنفس منه خرجت وإليه تعود في كل مرة أهرب منه بكل الحواس التي وضعها بي الله، فهل من كائن مستقر والأفلاك في دوران أو طواف متحرك لا سكون فيه؟ هذا جواب خاطئ؟ لا مجال مفتوح في التورية أو الاستبطان، فقلمي ثرثار وروحي أدمنت بخور طيبه وجمال الوجه الآدمي المتسق خلقًا وخُلُقًا، فالصفاء في عيون الحياة التي تنبثق من نور الفجر هي كالخط المستقيم. ربما! هو خط قاسٍ بمساره، فهو خط بداية ونهاية، ولكن إن ربطناه سيكون دائريًا لينًا، فأنا سأبقى على هذا الخط الذي رسمناه معًا، وعلى يميني ياسمينة أتعطر بها وعشقت لحنها المأثور بطيب رحيقها، وعلى شمالي ورقة خريفية مؤذية لروحي بحفيفها الذي لا ينتهي، والذي يشبه لحن وتر غليط، وما بين هذا وذاك عطر زهرة ليمون أراها في كل المواسم بين يديه.

ربما الجواب تائه! أو هو معلق على حبل، فهو القوة العقلانية في التفكير والعاطفة الوجدانية في القلب الضعيف. لأنني إنسانة تمشي على خط لا مجال فيه أن أميل عليه أو معه إن كان هذا الميل يمينًا أو شمالًا وعلى قرار اتخذته هو مصير قدر محتوم مع الأسف المحبب إلى النفس التي أحببتها وأحبَّتني، وسأبقى معلقة مع أنني أتأرجح بشدة وعنف كبير. لا أعرف إن كانت قوتي الخمسينية ستعصف بكل هذا وترميني، لأنني أحببت بعد نضوج بوعي عقلاني جعلني أستخرج كل فعل مسيء قد يجعلني أصاب بندم أو بموت مشاعر استقرت في الروح قبل القلب، وفي جسد سيفنى بعد حين، ولأنني لا أدرك نوع الصبر الذي أمتلكه لاحتمل كل هذه البراكين الخامدة والتي تنفجر في كل حين.

أيُعقل أني المخلوقة الأثيرية في هذا الكون المتحرك والذي يضج بالانفعالات والأكاذيب؟ أم أن الوعود المحتالة هي جزء من تراكيب الحياة المتناقضة فينا، فالكلمة كينونة صادقة مولودة فينا فطريًا دون تشويه دنيوي أو ربما! هي رسم على المياسم لبسمة مخادعة أو هي عطر صادق يتسرب إلينا فنشعر بطيب الحياة.

هذه الكلمات التي انطوت عليها أفكاري في كلمات أرسلها إليك، كتبتها حين قذفت في وجهي بعض التعابير التي خرجت من اللاوعي إلى الوعي المباشر بي، الذي أصابني بمأساة جعلتني أدرك أننا وُلدنا من روح واحدة، ولكن في جسدين مختلفين، فنحن كالكأس المملوء بشراب ذي مذاقين أحدهما مسموم والآخر فيه شفاء للقلوب، فأيهما تختار هو نحن هو تلك الأقدار التي رفعناها من ضمير الحياة، وتركناها هناك في فراغ جعلني أقول وهل بعد هذا كلام يقال؟

تم نشره في جريدة الإنشاء في عام 2014