فصم الرباط عن الماضي"

قراءة في كتاب "مجتمع النهر في طرابلس"

للكاتب "طلال المنجد" وإشراف الدكتور "خالد زيادة"

يتسابق "طلال المنجد" إلى توجيه السؤال بشكل عام لكل من يسأل: لماذا "مجتمع النهر"؟ فالإنسان لا يحيا في الفراغ، لأنه وليد بيئة اجتماعية، وثقافات تكوَّنت في داخله نتيجة عدة مؤثرات بدأت منذ الطفولة. حيث إن "طلال المنجد" هو ابن طرابلس القديمة العهد والفينيقية المنشأ، وابن "الجنائن" التي ألهمت كل من رآها: شعرًا ونثرًا ورسماً... التي نشأ وترعرع فيها. فـ"توليد الأثر" في كتاب "مجتمع النهر في طرابلس" هو صياغة حفظت المعالم النواة لمدينة تناولت أبرز معالمها الأثرية والجمالية، ووجودها الديموغرافي الذي يعتبر المدخل لتاريخ لا يفسر لنا كيف انفصلت هذه النواة، إلا أن تفسير الكثير من الظواهر التي تؤثر على التغيرات المكانية التي يضفيها الزمن على مدن تبقى، كفيحاء عطرها هو الميزة التي تفوح منها عطور زهر الليمون. أما التفاعل الإيكولوجي المتبادل في "مجتمع النهر" ومحاولة رصد النبض الذي كان يعيشه النهر فيما حوله.

أعطى "طلال المنجد" أهمية للصورة الفوتوغرافية من خلال قدراتها على حفظ المعالم في ذاكرتها، فهي "شكلت مصدراً أنتروبولوجياً مهماً، إذ قمت بتجميع ودراسة عدد من الصور التي التقطت منذ مطلع القرن، معالم "مجتمع النهر" وحفظتها من التلاشي النهائي كـ"الطواحين"، "الجسور"، "البوابات"، "المساجد"، "المقاهي"، "البيوت السكنية"، "مجرى مياه النهر"، وبعض أنماط الحياة والعادات". أما عن تقسيم المدينة إلى نواتين، فهو ما يزال إلى الآن يحافظ على هذه الصفة ذات الأسس لنمو وبناء المدينة وحياة السكان ومعيشتهم. أما بالنسبة لتسمية النهر القاديشي بداية، والذي أشار إليه العهد القديم، فهو يقول: "إن بيمارستان كان عند جسر السويقة في سفح القبة وكان فيه خادم قاس شرس الأخلاق شديد الحول والقوة اسمه "أبو علي". فهو اقترب بكتابه من الحكاية الواقعية التي تحمل في طياتها صفة تاريخية ذات معالم تنسجم مع لذة القراءة في كتاب هادئ ذي نفحة جمالية لم ينس فيها "جريان هذا النهر في وادٍ عميق يعتبر من أشد أودية لبنان عمقًا ووعورة، ولكنه في نفس الوقت الوادي الغامض المسكون بالنساك، والمثير للدهشة والحس الجمالي وهو وادي قنوبين."

لم يقفز "طلال المنجد" عن المفردات التاريخية التي كانت معروفة في زمن غمر طرابلس بالسقائين والمكاريين، والشاوي المشتق من "سوباشي" ومعناه "رئيس الماء والقنواتية". فالأسلوب المسبوك بتخطيط تسلسلي أسهب في منح القارئ لذة القراءة لمذكرة بحثية هي بمثابة صورة اجتماعية لمدينة عجز الانتداب الفرنسي "عن اختراق بنية النواة التقليدية الطرابلسية أو خائفًا من ولوجها فبنى لنفسه خارج السور التقليدي، حاملاً إصلاحات وحلولاً لمشكلات عجزت القوى المحلية عن حلها وأحيانًا وقفت في مواجهتها خشية مس مصالحها الذاتية ونتيجة انغماسها في المحافظة الشديدة." عبارات تدوينية شديدة التأثير نفسيًا وحسيًا لأنه حافظ على مستويات الرؤية الكاملة المحفوفة بالسمع والصورة الذهنية الجمالية التي تدفع بحواس القارئ نحو وثائقي يحمل في طياته كل الأركان الفنية الناجحة. فلحجر الرحى في طرابلس نغمة "ناعمة موسيقية يغفو على وقعها الأطفال في البيوت المجاورة للمطاحن."

ما بين البساتين والمقاهي تفاعلات ربطها "طلال المنجد" بيد الإنسان التي زرعت وروت، والتي بنت دور التسلية واللهو، ومنها المقاهي وأبرزها مقهى البحصة الذي حافظ على دوره السياسي أيضًا، وقد أعلن منه الرئيس الراحل رشيد كرامي ترشيحه للانتخابات النيابية لأول مرة عام 1951. "إن الشفافية الممزوجة بحرص دقيق على إظهار أدق التفاصيل التي كانت آنذاك في طرابلس، والتي ما يزال بعضها حتى الآن، ضبطها إيقاعيًا. كما النهر الضابط الإيقاع في الفصل الثالث حيث "يدخل النهر في أساس تشكيل الحياة على ضفافه وفي محيطه. ولما كانت دورة النهر السنوية تحدث كقاعدة في حدود متجانسة وأحيانًا متنافرة، فإنها كانت تؤثر على أبعاد الحياة نفسها إلى الحد الذي يمكن القول فيه إن النهر كان يلعب دور الضابط لإيقاع الحياة بالنسبة لمحيطه." وفي هذا عزف على الحس الجمالي لاجتماعيات هي مقدمة للدخول إلى تلميحات عن نتائج مشروع النهر وسلسلة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية "التي نتجت عن مشروع النهر وتوابعه، لكن من المهم الإشارة إلى انهيار وحدة المدينة العمرانية ومعها علاقات التماسك الاجتماعي ووحدة السكان العميقة." وهنا شارك القارئ في السؤال: هل هذا كل شيء؟

إن السؤال "هل هذا كل شيء؟" يدفع القارئ إلى البحث أكثر: لماذا تم تحويل "أبو علي" إلى أوتستراد باطوني؟ إن المعنى في الفصول الأولى حمل روحية تنبض بجمالية لها حنينها الخاص، وكان باطون "أبو علي" هو فصل زمني عن ستينات وصمها بـ"فصم الرباط عن الماضي". فهل جيل "تريبول" هو رمز الجمال الإلهي لمدينة فيحاء ظلت تحتفظ بعظمتها القديمة رغم كل من حاول الاستيلاء عليها؟ فتريبوليس لفظة يونانية تعني "ثلاثة بلاد"، وهي اليوم "عاصمة لبنان الشمالي وثاني بلدة في الجمهورية اللبنانية تقع على الشاطئ اللبناني ويخترقها "نهر أبو علي" فيشطرها إلى شطرين."

بحث اخترق بفصوله وملاحقه مدينة طرابلس الفينيقية المنشأ وأول من بناها حتى كارثة نهر أبو علي في الساعة السابعة عشرة من يوم السبت الواقع في 17 كانون الأول من عام 1955، حيث هبت على طرابلس رياح شديدة لم تلبث أن صحبتها غيوم سوداء. "فالملحق رقم 12 في الكتاب هو الرباط الفاصل بين زمنين: زمن في الكتاب لا يفارقه، وزمن يشعر به القارئ الآن حيث يلمس كل المعالم التي تغيرت وتشكلت نواة جديدة هي الباعث الأساسي لمجتمع النهر في طرابلس حتى الآن لأنه الشريان الحيوي للمدينة."

بقلم: ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com

تم نشره عام 2014