الفن التجريدي في المدرسة الأمريكية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتنوع الفنون في عصرنا هذا، بل وتتوسع لتشمل الفنون الرقمية، وما زالت المسميات تتخذ معالمها في الأعمال الفنية من واقعي، وانطباعي، وكلاسيكي، وتجريدي، وما إلى ذلك. ويبدو أن الرؤية الفنية حين تتشكل وتبدأ بمسارات جديدة، تحمل في طياتها فكرة وُلدت بعد ثورة أو نضال، لإثبات ذاتها من خلال النوع دون الفصل الفني بين الأنواع. لأنها في النهاية تصب في الفنون التشكيلية، مهما اختلفت وتنوعت أساليبها أو مفاهيمها، لأنها تمتلك المادة واللغة اللونية، وتكنيك الضوء وما إلى ذلك. مما يجعلها متصلة بسمات مشتركة دائمًا، وهذا ما لمسناه في الفن التجريدي الأمريكي منذ الشرارة الأولى لبدايته التي تأثرت بالتجريد الفرنسي. لينطلق من خلال ذلك نحو لغة تجريدية جديدة لها خصائصها التي تميزها عن سواها. كما تجلى هذا من خلال أعمال الكثير من الفنانين، ومن أبرزهم الفنان "جاكسون بولوك". فالرؤى العميقة لهذا الفن تكونت على أسس تعبيرية تتحرر من خلالها الأحاسيس لتتشكل وفق تعبيرات مجردة من الخطوط الواقعية أو من كلاسيكية الفن ومقاييسه المحددة.
ما من حضارة نشأت إلا وحملت إرثًا فنيًا انتشر عبر الثقافات المختلفة، عربية كانت أم غربية. ولكن يبقى السؤال: كيف تحيا الأعمال الفنية التشكيلية؟ ومن يرعاها لنقرأ من تراثها ومن أساليبها مفاهيم أزمنة مضت؟ إن تحديد هوية اللوحة والانتماء الفني لها يحتاج إلى قراءات بصرية تعتمد على فهم العمق المضموني للون، وتقنيته، وأسلوب المزج، بحيث تحتفظ اللوحة بجمالية خاصة تجذب البصر إليها لتثير الذهن وتتولد شحنة من الانفعالات، إما سلبية أو إيجابية. وهذا ما يفعله الفن التجريدي غالبًا، لأن غموض اللوحة يولد الإدهش البصري غالبًا. مما يعطي الفن التجريدي تأثيراته التي تترسخ في الذهن من خلال ألوانه والفلسفة التي تحملها ريشة جمالية تبحث عن جمالية اللون وسحره وتأثيره على النفس. كما في أعمال الفنانة الأمريكية "جوان ثورن" (Joan Thorne) التي لم تخل من هندسة، ولكنها تحرر مع اللون، وانطلقت مع إشراقته نحو فضاءات عشوائية انسجمت مع الانضباط في عمق اللوحة، إلا أنها لم تستطع التخلي عن الخطوط الهندسية في العديد من أعمالها، بحيث مزجت الخط اللوني مع المزج التقني بين الألوان المتناقضة، والمشرقة ضوئيًا في الغالب تاركة التعبير التجريدي يترجم انفعالاتها بحرية تفاعلت معها الريشة التجريدية المنسابة مع الخطوط العريضة والرفيعة، معتمدة بذلك على أساليب فنية معاصرة ذات تأصيل تشكيلي يمتلك فلسفة روحية مفتوحة الفضاءات، باعتبارها مساحة لا محدودة وتمتد مضامينها مع لا نهائية اللوحة الجمالية المتماشية مع الأسلوب والخصائص المتميزة فيه.
إن مسألة الفن التجريدي الأمريكي لا يمكن حصرها بمقال، فهي تحتاج إلى أبحاث جادة من خلال حصر الأعمال ودراستها. بل ومنح القراءة الجادة لكل لوحة، بحيث نحاول تفكيك اللون لفهم البيئة المحيطة بالفنان، لنتوحد مع المفهوم المؤثر في ولادة اللوحة، وتحديد خصائصها. ولكن أحاول في هذه المقالة إلقاء الضوء على بعض الأعمال الفنية التي من شأنها توضيح النظرة العامة بشكل خاص. ربما أنطلق بعدها نحو البحث الجاد في هذا الفن الذي يحمل من الغموض ما يكفي. لنشعر أن جماليته نفسية بامتياز، ولكنه يحتاج إلى مخزون ثقافي وهندسي وفيزيائي وبيولوجي... فهو برغم بساطته في الظاهر، إلا أنه يحمل في طياته لغة خاصة به، هي لغة تجريدية ذات تعبير داخلي يظهر من خلال اللون وفلسفته العميقة التي تختلف من فنان لآخر، ومن مفهوم لمفهوم من حيث المصطلحات والقدرات والتأثيرات البيئية المحيطة.
حين تمتزج الهندسة بالتجريد، تبرز جمالية هذا الفن وتتضح معالمه التحررية أكثر، لتصبح الخطوط الهندسية مبنية على الغموض المرافق للون. كما في لوحات الفنان الأمريكي "ويد هوف" (Wade Hoefe) الإبداعية ذات المنظور اللوني المرتبط بالخط اللوني، وبالرؤية الفضائية التي تعتمد على نظرة عشوائية منظمة بخطوط لون ينكشف من خلالها الظل والفراغ في المفهوم التجريدي الملفوف بالإيحاء والخيال، والحركة الضوئية المتأصلة بالضوء وتحولاته المبنية على درجات كل لون وفروقاته من تعتيم وتفتيح، واقترانه بالألوان الأخرى الباردة والحارة. لتتمثل تأثيرات التجريد من خلال التفاصيل التعبيرية التي توحي بلغة هوف الفنية. لغة أنيقة تجريديًا تميل إلى سرية البوح العفوي باعتباره المحور الأساسي في كل لوحة تجريدية تعبيرية كانت أم هندسية أم ذات النظم الإيقاعية المتناغمة مع الجزء والكل، ومع التباينات المسطحة والمتميزة بسطوعها وجماليتها المتمثلة باللا نهائية المفتوحة الفضاءات.
إن الدلالة الفكرية والثقافية في العديد من الأعمال الفنية هي جزء من تاريخ التشكيل الذي يؤرخ لمراحل تمتد عبر الأمكنة والأزمنة، ليصبح فيما بعد من تراثيات البلدان والمدن أو بيئات تختلف من حيث الائتلاف والاختلاف، وتذويب الحدود والأطر لتنفتح على كل المفاهيم الفنية نوعًا ما، ومدلولاتها الهندسية والتجريدية والتعبيرية التي تجتمع في لوحة تضم في ألوانها الخيال والحقيقة الجوهرية المختبئة في الضوء الذي يجمع كل الفنون على السواء. فالفنان الأمريكي "ميشيل ستيوارت" (Michelle Stuart) يعتمد على الضوء في لوحاته التجريدية ذات الآفاق الفراغية المرتبطة بالضوء مباشرة، وعلى هندسة تجريدية تتأرجح بين الوضوح والغموض، فالتكوين اللوني في لوحاته إيقاعي النغمة، وينسجم مع الأحاسيس والعاطفة المتدفقة من الألوان المتحاورة والمتجاورة، والمندفعة في نزوعها نحو التحرر، فتبدو المعاني الجمالية كمفردات ضوئية انعكاسية تعتمد على البارد والحار، كما تحمل في طياتها ذاتية وجود تتميز بالانطلاقة الضوئية اللانهائية.
الأعمال الفنية من مجموعة متحف فرحات
بقلم ضحى عبد الرؤوف المل
dohamol@hotmail.com
تم نشره في جريدة المدى عام 2014