تلقائية عشوائية نابعة من اللاوعي الفني

ضحى عبدالرؤوف المل

تعبث “فانيسا ستافورد” بالأشكال، لتلامس بها سيريالية تصويرية ذات خصائص لونية شفافة. تتوازي فيها الخطوط والأشكال والفراغات المتراكمة بين الألوان الفاتحة ذات الصفات الجمالية، المتأثرة فنياً بالأساطير والفنتازيات التخيلية التي تحتل معظم مساحات لوحاتها، الممتلئة بالأشكال والألوان. مما يجعلها تتسم برمزية سيريالية تختلط فيها الرؤى الواقعية، والألوان التعبيرية التي توحي بفطرية المزج التقني، والرومانسية التي تحرر انفعالاتها على الأقمشة، وضمن لوحات ترسم خطوطها ببساطة وتلقائية عشوائية نابعة من اللاوعي الفني، ومن المخزون القصصي المشبع بالأحلام والسريالية المفرطة بعاطفة مشبوبة بفواتح الألوان التي تبث الهدوء النفسي للمتلقي.

تتشح عوالم "فانيسا ستافورد" بالمشاهد الغنية بالحركة البصرية ذات الخطوط الانعكاسية، المتلاحمة مع الألوان القادرة على بث تغييرات داكنة وفاتحة في اللون الواحد. إذ تكثف من تدرجات الألوان الإيجابية والسلبية، ومن خلال أسلوب تقني سينوغرافي، وكأنها تقدم عروضها المسرحية من خلال الريشة، والخط، واللون، والأبعاد المعرفية في مفاهيم الواقع، والأسطورة، والخيال. لتستفيض المشاعر الدرامية المخزونة في اللاوعي المتماثل من خلال الفروقات التعبيرية بين الإنسان والكائنات الأخرى، وكأنها تسعى إلى تصوير التعبيرات الانفعالية التي تبرز على الوجوه من خلال اللون، والحركة، والضوء، والظل المثير وجدانياً، والذي يمنح الحواس تأملات ذات طبيعة فنتازية.

إن حكايات الفنانة "فانيسا ستافورد" تداعب الخيال والإحساس بطفولتها الفنية، والفطرة الإنسانية الواعية القادرة على إبراز الواقع من خلال لغة تشكيلية متنوعة في معطياتها الإيحائية والرمزية، فهي تخوض مع الألوان انفعالاتها الخاصة من حيث تشكيل شخوصها، وتكوين الكائنات الغريبة التي تختلط بمرونة مع انفعالاتنا الحسية التي تغني من قيمة المحاكاة، والحوارات الداخلية بين المتلقي واللوحة. فهي بمثابة تنشيط ذهني إذ تعصف رسوماتها بالذهن، وتفتح أبواب عوالمها على مصاريعها. ليستكشف الكائنات كلها مع الخطوط والألوان، والتصويرات من خلال تشابكها وتلاحمها، وانسجامها المتأثر بالضوء والظل، والتفتيح، والتعتيم، فالمشاهد الواقعية أو الأسطورية من إيحاءات تخيلية تحاكي بها "فانيسا ستافورد" الإنسان، والمعاني الحياتية الأخرى. من طبيعة خلاقة عميقة الرؤية، وطفولية في معناها الفني، المندرج مع فطرية التشكيلات المستوحاة من سريالية وواقعية توحي بذهن فني منفتح نفسياً على عالم الألوان.

حوارات لونية، وجدليات خطوط عمودية، وأفقية، ومائلة، ومنحنية، وحتى خطوط أخرى وهمية مبنية على أسس ومفاهيم جمالية عفوية، ولكنها ذات انطباعات غامضة ومعقدة. تكمن في التصويرات والأشكال السيمترية ذات الجماليات التشكيلية، والإيقاعية التي تكشف عن ارتدادات بصرية ذات معاني أسلوبية. تنحصر في الصياغة الإخراجية التي تكشف عن تداخل بين اللون واللون، وأسلوب المزج المرن مع القدرة على استنساخ الأشكال من مخيلة غنية بشخوص حركية تلامس الكرتونيات الثلاثية الأبعاد، وتتناقض مع البعد الواحد، فزمكانية لوحاتها وسيميائيتها تجعل من كل لوحة حكاية نقرأ من خلالها الواقع بلغة الأحلام السريالية المحببة للنفس، والتي تترجم انفعالاتنا ومخاوفنا من الواقع الحياتي.

تتراكم الأشكال الفوضوية أحياناً في أعمالها، وأحياناً تلتزم بالمنظور وبمسارات الخط المشدودة مع بعضها التي تتجلى في مساحات مفتوحة فضائياً نحو أزمنة تتشكل ضمن بصريات الألوان المتوهجة، والمستويات المرئية الغامضة مع التشكيل الجمالي الملموس في كل لوحة رسمتها الفنانة "فانيسا ستافورد" بطفولة واعية، وتعقيدات مسحت عنها النظم اللونية، وتدرجاتها. لنشعر بتفوق لون على لون آخر أو بالأحرى سيطرتها على الألوان، كالمزج بين الحار والبارد، وبالعكس. مما يمنح عشوائيتها جمالاً له خاصية نفسية نتجت عن الوعي النفسي، وعن خلق تعبيراتها الموحية بقيمة.

اللوحة من مجموعة متحف فرحات

تم نشره عام 2014 في جريدة المدى