المخرجة اللبنانية "ليدا كيارة" في حوار خاص لجريدة عمان: "أتمنى أن يتم النظر في صناعة السينما اللبنانية"

ضحى عبدالرؤوف المل

لم تلتزم "ليدا كيارة" بالعناصر الحكائية المحبوكة لغويًا، لتقدم فيلمها التشويقي ببساطة سينمائية. لمست من خلالها اللغة المحكية في طرابلس، تاركة للهجة الممثلين حرّيتهم دون قيود أو شروط، وكأنها أرادت إظهار بيئة معينة في مجتمعات تتميز بتناقض مفاهيمي في الحياة. إلا أن الحركة تميزت برشاقة إخراجية بين التفاصيل والأجزاء، والمدة المحصورة بعشرين دقيقة كانت مجرد الزمن الذي لم يشعر به المتلقي. فالدهشة كانت العنصر الفعال في فيلمها القصير، صاحب الضحكة الصامتة فيه "غسان رفراف" و"ليدا كيارة"، وهذا لا يقلل من شأن الآخرين. لأن التكامل في هذا العمل بدا مشبعًا بالتآلف بين جميع أفراد الفيلم دون استثناء، رغم كثرة العناصر في كل مشهد، وهذا ما أرهق البصر نوعًا ما. لأن المتعة فيه تخفف من سرعة المشاهد البصرية، أو ربما هذا ما جعل المتلقي يشعر بحاجة إلى إعادة حضوره أكثر من مرة. فهو يحاكي البيئة الطرابلسية بكل معالمها. كما تبث الفكرة (مفارقات اختيار الزوج) حضورها في الوطن العربي، وربما في بعض البلدان الغربية أيضًا.

اتخذت "ليدا كيارة" من السلوك الاجتماعي المواقف الساخرة المضحكة في الظاهر والمبطنة بحسرة موجعة في آن لتطرح موضوعاتها المتشعبة في فكرة واحدة ذات تصوير متتابع سريع وفوضوي نوعًا ما. لكنه محبب للنفس من حيث عفوية الأداء، ومنح ديناميكية ضاحكة أو حتى تعبيرية في الملامح والمؤثرات التصويرية أو بالأحرى الضوئية والفسيولوجية المرسومة على وجوه الممثلين. فأجواء الفيلم بشكل عام تمثيل مسرحي إيحائي تتدرج فيه سينمائيًا، ليصعب الإمساك بالرؤية الإخراجية بالكامل من قبل المتلقي.

تتواصل "ليدا كيارة" مع المشاهد من خلال التركيز على الإيحاء البصري الصامت المرتكز على الملامح والحركة، ليترجم المتلقي الأفعال بحواسه الذهنية، ويستكشف ما بداخل المشهد من المعاني بدون أي سرد مبالغ فيه. لتبدو مجموعة الأفكار فكرة واحدة، لكنها تعالج من خلالها القرار الخاطئ الذي ينتج عن الظروف الاجتماعية الضاغطة نفسيًا والمفاجئة والمثيرة للدهشة، بحيث تأتي النهاية غير متوقعة وينتهي الفيلم عند بداية أخرى تتسلسل ذهنيًا عند المتلقي. فلا يشعر بالإشباع الفني من فيلم يتمنى رؤية تفاصيله أكثر من مرة، رغم بساطة الفكرة أو عفوية القصة وبساطتها، وجمالها المتوازن مع الإخراج أو القلب الأساسي للتواصل مع الكل، وبشمولية لا تنفصل عنها الأركان الجزئية المتممة لفيلم لا يمكن إلغاء أي مشهد من مشاهد فيه. فلكل مشهد معناه الخاص.

آسيا، التي تعيش مع أهلها في ظروف اجتماعية وتقليدية، و"تحت تأثير الظروف الضاغطة في البيت"، حيث أن أمها تتذمر دائمًا لأنها لم تتزوج بعد، قررت آسيا أن تحث صديقها جلال لمقابلة أهلها. العائلة كلها مستعدة وآسيا قلقة من لقاء أهلها بالرجل الذي تحبه. ولكن، وبعد طول انتظار، وبكل بساطة، يختفي جلال. تكتئب آسيا، وتقبل عرض أمها بالزواج. لكن الشخص الذي يطرق الباب ذلك اليوم لم يكن الزوج الذي يتوقعه الجميع. فالمفارقات الفكاهية لا تنتهي من البداية إلى النهاية، حيث باقة الورود تغطي وجه الزوج المقبل.

يحدث الفيلم تأثيرًا اجتماعيًا وجماليًا في نفس المتفرج الذي يسعى إلى التطابق بين ما يسمعه من موسيقى تصويرية منسجمة مع ما يراه، وما هو متطابق من حركة مع مشهد متوحد معه، ومن خلال ما تطرحه الحركات في المشاهد الحيوية لواقع يخرج من لاوعي آسيا. لتبدو تصرفاتها غرائبية ومضحكة، ولكنها استطاعت إبراز المفارقات بمبالغات تقترب من الأسلوب المسرحي، وهذا ملموس في أكثر من مشهد وضعتنا فيه أمام مسرحها السينمائي بخفة فكاهية اخترقت القلب. ومن هنا كان لا بد من حوار مع الكاتبة والممثلة والمخرجة لهذا الفيلم.

- لماذا "عنزوف"؟ وماذا يعني هذا؟

"عنزوف" هي لعب على الكلام لا أكثر ولا أقل. وفي هذا خلق متاهة ضاحكة. لأن "عنزوف" لا هو عنزة ولا خروف.

- من هي "ليدا كيارة"؟

ببساطة شديدة، "ليدا كيارة" هي شخص شغوف بالسينما.

- هناك تتابع سريع في المشاهد، لماذا؟

حقيقة، لم أشعر بهذا، فالمشهد لا زيادة ولا نقصان فيه. لأن كل العناصر داخل الكادر كانت موجودة لتخدم كل مشهد، وكل لقطة. فالهدف من ذلك هو بناء الفيلم المتماسك والمحبوك إخراجيًا بدون أي تعقيد.

- هل من صعوبة واجهتها "ليدا كيارة" أثناء التحضير لهذا الفيلم؟

دائمًا هناك مصاعب في أي عمل يتم التحضير له وحواجز نتخطاها بصعوبة، وما إلى ذلك. فكتابة النص كانت مرحلة أولية صعبة، وهي بمثابة ثلث العمل، والتصوير هو الثلث الثاني. كما الموسيقى والميديا. وبما أننا لا نمتلك الدعم الفني، هناك أيضًا مشاكل أكثر بسبب التمويل، وهذه مشكلة يواجهها الجميع. فالانتاج اللبناني شبه معدوم، لأن أكثر الأفلام يتم تمويلها من الخارج. لأننا لا نمتلك ثقافة صناعة السينما.

- هل نجحت "ليدا كيارة" في الكتابة، والتمثيل، والإخراج؟

هذه التجربة الأولى لي بعد الأدوار الصغيرة في أفلام أخرى، لكن "عنزوف" كان أكبر تحدي لقدراتي كسيناريست ومخرجة مع الدور الأساسي، وفي هذا تحدٍ كبير لي، وأعتبر نفسي نجحت في هذا الاختبار إلى حد ما.

- في القصة بساطة شديدة، كيف تعاملت ليدا مع ذلك؟

بساطة القصة مقصودة في هذا الفيلم، وهنا تكمن براعة المخرج في الإيحاء بالقصة من خلال الصور. فكلما كانت القصة بسيطة، كلما وصلت للمشاهد بشكل أفضل، وبهذا يكسر المخرج الحواجز بينه وبين المشاهد فيتم التفاعل.

- هناك ألفة واضحة بين أفراد الفيلم، هل هذا جزء من صناعة السينما؟

مؤكد، فالفيلم تم العمل فيه بخبرة فنية من كل النواحي. وأنا منحت ثقتي لجميع الممثلين دون استثناء، وهم بدورهم وثقوا بي. والسينما عمل جماعي، وكانت أجواء العمل تغمرها الفرحة المحببة إلينا رغم التعب.

- كلمة أخيرة تقولها ليدا كيارة في هذا المهرجان؟

أتمنى أن يتم النظر في صناعة السينما اللبنانية باعتبارها الجزء المهم في تكوين العناصر اللبنانية. لأنني أعتبر أن السينما هي أكثر العناصر الفنية أهمية، وهي التي تجمع أكثر المواضيع المهمة من الذين يهتمون لإنتاج عمل جماعي بمثابة الفن السابع. لنتطور أكثر ونتخطى كل الصعوبات لاحقًا.

"عنزوف" هو عنوان فيلم مشارك في مهرجان طرابلس للأفلام من إخراج "ليدا كيارة".

حاورتها من طرابلس- لبنان: ضحى عبدالرؤوف المل

dohamol@hotmail.com

تم نشره عام 2014 في جريدة عمان

في هذا الحوار، نلتقي بشخصية فنية تسعى لتقديم تجربة سينمائية تتجاوز حدود التقاليد الفنية المعروفة في عالم السينما اللبنانية. "ليدا كيارة" تُمثل نموذجًا فنيًا مميزًا، فهي ترفض الانغماس في الأساليب التقليدية للتسويق السينمائي أو الانصياع لقوالب الإبداع المألوفة. يطغى على فيلمها "عنزوف" ملمح من الاستقلالية في الرؤية والإخراج، وهو ما يظهر بوضوح في الحوار، الذي يكشف عن فلسفة إبداعية تعتمد على البساطة، العفوية، والتلقائية في تقديم الرسائل.

تتحدث "ليدا كيارة" في الحوار عن بساطة القصة باعتبارها اختيارًا مقصودًا، حيث ترى أن الإبداع الحقيقي يكمن في القدرة على إيصال المعنى من خلال الصور والإيحاءات البصرية دون الحاجة إلى السرد المباشر أو المعقد. هذه النظرة تتوافق مع فكرة فلسفية قديمة في الفكر الجمالي، وهي أن الفن ليس دائمًا بحاجة إلى تعقيد فكري أو سردي ليحقق التأثير المطلوب. هذه البساطة تُعتبر لغة في حد ذاتها، فكلما كانت القصة بسيطة، كانت أكثر قدرة على التفاعل مع المشاهد وتوجيه رسالتها بطريقة غير مباشرة، ما يُظهر تأثير الإيحاء على العقل البشري. من هذا المنظور، يمكن اعتبار "عنزوف" اختبارًا حقيقيًا لفلسفة السينما القائمة على الفن البصري العفوي، الذي يترك للمشاهد المجال لاكتشاف المعاني الخاصة به.

الدهشة، كما تذكرها "ليدا كيارة"، هي العنصر الذي يبني عليه فيلمها. فلسفيًا، الدهشة ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل هي أداة فكرية تحرك العقل لاستكشاف الواقع من خلال مفارقات غير متوقعة. تكمن الدهشة في تجاوز التوقعات واختراق الثوابت المعروفة، مما يتيح للمشاهد الدخول إلى عوالم متعددة من الأفكار، وإعادة تقييم ما يراه. في "عنزوف"، نجد أن المفارقات تكمن في التفاصيل الدقيقة التي تزدحم في المشهد، مما يخلق تجربة متغيرة ومتجددة كلما عاد إليها المشاهد.

الحوار يشير إلى مفهوم جماعية العمل الفني في صناعة السينما، وهو ما يبرز من خلال الإشارة إلى التآلف بين طاقم العمل والتمثيل. هنا نجد فلسفة سينمائية تستند إلى أن الإبداع الفني ليس فرديًا فقط، بل هو ثمرة عمل جماعي يتطلب تعاونًا بين مختلف المشاركين من مخرجين، ممثلين، وتقنيين. السينما في هذه الحالة تصبح أشبه بفن مركب يتطلب انسجامًا بين العناصر كافة لتشكيل رسالة واحدة متكاملة. ورؤية "ليدا" لهذه العملية تكشف عن فهم عميق لطبيعة الفنون الجماعية التي تتطلب تفكيرًا مشتركًا وتفاعلًا بين جميع أفراد الفريق.

من خلال تعبيرها عن الصعوبات التي تواجه صناعة السينما اللبنانية، تتطرق "ليدا كيارة" إلى جانب فلسفي آخر وهو تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية على الإبداع الفني. إن حديثها عن نقص التمويل والصعوبات التي تواجهها الصناعة يعكس الارتباط العميق بين الفن والظروف الاجتماعية المحيطة به. إذ أن الفن ليس مجرد تعبير عن الذات، بل هو انعكاس للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. هذا يعيدنا إلى الفلسفة الاجتماعية التي ترى أن السينما، باعتبارها "الفن السابع"، يمكن أن تكون أداة قوية للتغيير الاجتماعي والتفاعل مع قضايا المجتمع. فصناعة السينما في لبنان، كما تصفها "ليدا"، تحتاج إلى دعم وتقدير حقيقيين لتطويرها، الأمر الذي يتطلب تحولات اجتماعية واقتصادية أوسع نطاقًا.

في حديث "ليدا كيارة" عن تجربتها الشخصية ككاتبة، ممثلة، ومخرجة، نرى فلسفة الإبداع الفردي تتجسد في مواجهة التحديات الذاتية. فنحن أمام شخصية لا تكتفي بالأدوار التقليدية في السينما بل تسعى لتخطي حدودها. إنها تجربة غنية تنطوي على صراع داخلي، وتحقيق تطور تدريجي في مجالات متعددة من صناعة السينما. هذا التحدي هو في جوهره تجسيد لفلسفة "التجربة الذاتية" التي يرى الفلاسفة أنها ضرورة لتطوير الفرد في مختلف مجالات الحياة، ومن بينها الفن.

يمكن تلخيص الحوار مع "ليدا كيارة" في فلسفة الإبداع المستمر: إبداع يتجاوز التقنيات المعقدة ليغني القلوب والعقول ببساطة فكرية وفنية. "عنزوف" هو مثال على هذا الإبداع الذي يمزج بين الإيحاء البصري والفكر الاجتماعي ليخلق تجربة سينمائية تلامس الحياة وتعقيداتها. وفي هذه الرؤية، نجد دعوة واضحة للتطور المستمر في صناعة السينما اللبنانية التي، كما قالت "ليدا"، بحاجة إلى الاعتراف بها كعنصر حيوي في تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية.

في النهاية، يصبح "عنزوف" أكثر من مجرد فيلم سينمائي؛ هو دعوة فلسفية للعودة إلى جوهر الفن الحقيقي: تبسيط المعقد، واكتشاف المعاني في التفاصيل الصغيرة، والاستفادة من القوة الجماعية لإحداث تغييرات حقيقية في المجتمع.