بورتريه أو أوتوبورتريه مرتبط فنياً وجمالياً بالإيحاء الحركي.
ضحى عبدالرؤوف المل
يحبك "أسامة بعلبكي" رؤيته الواقعية، ويمنحها حقيقة ذات ملامح تصويرية لها طقوسها التعبيرية التي توحي بمعنى المشهد الذي يتخذ من المخيلة البصرية الحقائق الحسية. فالفلسفة الذهنية هي لون موحد أو تفاصيل فنية تتخذ من انعكاساتها الضوئية دلالات ذات تحليلات سيميائية لها تحولاتها وتغيراتها التي تتمرد على البورتريه التقليدي أو حتى على الأوتوبورتريه، وحتى الطبيعة الصامتة، وكأنه يخلق إيقاعات ذهنية تتغلغل في حواس الرائي، فتحاوره ليبني منطلقات فنية تتنوع فيها الأشكال والألوان والكتل، لتختلط المفاهيم التصويرية مع الضوء وقوة الانطباعات التي تتخذ من مفهوم التضاد لغة فنية لها، وبعفوية تتشكل تباعًا وفق تدرجات الخط واللون أو حتى التوحد مع اللوحة.
يتنقل "أسامة بعلبكي" بين الماضي والحاضر بقوة ملاحظة تقنية وهمية تترك المتلقي يتأرجح بين زمنين، وفي الحقيقة الزمن واحد. لكن لعبة الألوان والضوء والتعتيم والتفتيح والتدرجات التي تتخذ من معنى الصورة أسسًا لها، هي بمثابة نغمات ذات أبعاد خاصة. لأن الطقوس الفنية في أعماله تتراوح بين الذاتية والموضوعية، وبين التصوير والإيحاء الواقعي المتخيل كمضمون يعالج من خلاله بصريات يتركها وفق مفارقات يستكشف منها الرائي في كل مشهد موضوعًا ما. من خلال الرمز، كالذي يضع يده على عينه ليرى بعين واحدة، وفي هذا حركة تمثيلية داخل لوحة فنية تتخذ من الموضوع الاجتماعي أو السياسي أو الفطري منحًى لها. لتتشكل العناصر الفنية بوضوح لا يخلو من إيحاء حسي يترجمه وجدان الفنان "أسامة بعلبكي" بالحركة التفاعلية بين التناقض الحيادي، وبين الألوان المشتركة بين اللوحات في معرض ذي تضاد حيوي يترك المتلقي في حيرة مشهدية غارقة بالمعاني والتناقضات الحسية المبنية على التضاد الفني.
يتفنن "أسامة بعلبكي" في صياغة المفارقات اللونية والكتل، حيث تتمازج الخطوط المتماثلة، وتتميز الأبعاد المؤثرة بالطول والعرض والحجم والمساحات والظل والفراغات المغطاة بضوء يوحي بالتعتيق أو بإعادة بناء آثار تتناسق عناصرها الفنية وتتوحد مع اللون وفق تكرار موسيقي منظم ومتزن بصريًا، حيث تكتسب الجوانب الجمالية ديناميكية تكمن في المعادلات اللونية ونسبة اختلافاتها الضوئية، حيث يلعب اللون الداكن جمالية لها زمنيتها التي توحي بأمكنة تعشش في الذاكرة، وهي حاضرة الآن. لتصبح مع الماضي قطعة فنية معلقة على جدار الزمن، ليخلق حركة مرئية تتناغم مع الأعلى والأسفل، والرؤية الفيزيائية الارتدادية والمعاكسة للسكون الذي يوحيه اللون الأسود والأبيض، وحتى اللون الحيادي. كما يمسك أحيانًا بالحركة، ليتركنا في ماضيه عبر صورة يسطر عليها ويبثها من معالمه الملامح الضرورية، لتبدو كصورة ذاتية التقطت بوسائل قديمة تحتفظ بخصوصية الإيقاع الزمني الذي يترجمه اللون والخط والفراغ.
إن لب الحركة الزمنية هو ما يميز أعمال الفنان "أسامة بعلبكي"، حيث تنسجم مع فضاءات الموتيفات التي يوزعها بنسبية مؤطرة بفكر فلسفي فني، وبالعمق الجوهري للفكرة التي تكمن في لوحاته. فالابعاد تتنافر وتتضافر بحيث تتشكل العناصر البصرية بموازاة الألوان وبتقنية مزجها وتعتيقها، لتبدو معتمة طبيعيًا أو هي صورة من ذاكرة عتيقة تتنافس مع ذاكرة الحاضر الفنية التي يرسم من خلالها المشاهد الدرامية ذات الرموز الإنسانية، والطبيعة الجمالية التي ينتقدها بيئيًا، حين امتدت إليها يد الإنسان، وبأسلوب غير مباشر في الرسم والتصوير الواقعي التعبيري الرمزي تختلط فيه المفاهيم الفنية. ليجمعها في بورتريه أو أوتوبورتريه مرتبط فنياً وجمالياً بالإيحاء الحركي.
افتراضات فنية يقدمها الفنان "أسامة بعلبكي" مع الموضوع الإنساني والبيئي حيث الإنسان والطبيعة، وعناصر الجمال والتكوينات الفنية المتناغمة مع الجزء الحركي الذي تتولد عنه حركات محسوسة بصريًا، وكأن العين واليد هي عدسة ضوئية قادرة على تسليط الضوء على موضوع حياتي ما. فالتداخل بين الفضاءات التخيلية والواقعية هو بمثابة مكونات تتفاوت وتتنوع فيها الخطوط حيث تبرز الأشكال دقيقة في مساراتها الفنية.
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء