طمأنينة مزيفة
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية "نصف حياة" للروائي ف. س. نايبول، ترجمة عابد إسماعيل.
تطغى اللغة الحوارية على رواية نصف حياة للروائي ف. س. نايبول التي ترجمها إلى العربية الدكتور عابد إسماعيل، إذ يناقش نايبول تفاصيل الحياة العارمة بفوضى يعيش فيها الإنسان المتوارث عادات وتفكير المجتمعات المحيطة به، لكن القدر يسكب علينا ما لا نتوقعه، برغم أن القرار مسبب تلك التحولات الحياتية نحن اتخذناه، فهل يستطيع الإنسان تغيير الأقدار أو التلاعب بها؟ أم أننا نحيا نصف حياة؟ نصف توارثناه من الأسلاف، والنصف الآخر تم تكوينه تبعا لسلوكياتنا التي إما أن تكون إيجابية أو سلبية، وفي كلتا الحالتين قد نشعر بالعجز من تحقيق الذات" بسبب فراغ عالمنا وخنوع حياتنا" فالبؤس الاجتماعي والحاضر الضبابي الذي يمنع عنا رؤية المستقبل يجعلنا نتخبط لندرك أنه ما من نهاية أو بداية لحياة عشناها" ألسنا جميعا ندفع كل يوم ضريبة عن ذنوب الماضي، وفي الوقت نفسه نخزن عقابا للمستقبل؟ أليس هذا فخ كل إنسان؟ فالابتكار الروائي في سرد حواري ممتع يضعنا أمام قصة طويلة ذات مواصفات روائية ابتكر فيها "باقة من زهور اجتماعية" خاصة بالبيئة التي عاش فيها نايبول، ولكنها تحاكي بمعناها القصص الأخرى التي رواها على لسان أبطاله مثل" الملك كوفيتا والخادمة المتسولة" و" حياة من التضحية" وكأنه يترجم كل فكرة استيقظت في داخله بقصة راحت تعيد كتابة نفسها.
يتجسد أسلوب الحوار في رواية " نصف حياة" بتطور فكرة التوارث من الأب إلى الابن إلى الجيل الذي يتكون ضمن شيفرات روائية تضمنت العرب والغرب، وكأنه بين الحين والآخر يبث الأفكار السياسية بحنكة روائية ذات إبداع خاص رغم الارتباك أحيانا، أو طروحات اجتماعية عابقة بسياسة العرب ولا سيما المسلمين" ولاحقا اكتشف أن الصمت منحه القوة كسياسة، لكن عندما فتح المسلمون البلاد أصبحنا جميعنا فقراء" فالجمع بين الفوضى العارمة وفتح المسلمين البلاد، والكولونيل جمال عبدالناصر، وأهمية خطابه الشبيه بخطاب المنبوذ الخطابي عم أمه، وحينا آخر يشبه القائد جمال عبدالناصر بكريشنا مينون فقد" كان يعرف اسم الكولونيل ناصر، القائد المصري ، ولكن بذات المعايير الذي يعرفه عن كريشنا منون" فهل ما نعرفه اللحظة المذهلة التي تلاشت في الرواية هي بمثابة اللعب بالكلمات حيث الزمن في كل مكان يعيد نفسه؟ أم أن التاريخ نجهله، ونحن نكتبه بأفعالنا وأيدينا؟.
أمكنة وأزمنة حملت لويلي ثقافات متعددة، لكن البؤس في بعض الأماكن تركه يسترجع بؤس وطنه الأصلي، وحاضره الضبابي الغائم، فالتخبط بين الحيوات المختلفة عند الأب والابن ما هو إلا رسومات مستقبلية تنشأ حتى في السياسات والاجتماعيات وما إلى ذلك، فالقصة يجب أن تحتوي على بداية ووسط ونهاية، ولكن في الواقع، إذا فكرت بالأمر ليست الحياة هكذا، ليس للحياة بداية صرف ونهاية دقيقة. الحياة دائما في طور الحدوث، عليك أن تبدأ من الوسط وتنتهي في الوسط" لكن الوسط هو الذروة، لهذا ترك ذروة الحدث في نهاية الرواية، حيث بداية غامضة بانتظار آنا وويلي، ولكن الإحساس بالانتماء أيضا كان له ذروته حين بدا التفكير بأخته ساروجيني، ليحاكي به الدوافع عند النساء اللواتي عرفهن حيث قال لأخته:" فكرت فيك، أنت أيضا ساروجيني. تخيلت أن الفتيات يمكن أن يكن أنت وتصدع قلبي.
لم يستطع نايبول التحرر من سلطته الروائية، إذ تخلل الرواية شتى التعابير التي تبدو بدلالاتها خاصة بالبيئة المحيطة بنايبول ، وبمفاهيمه الحياتية الخاصة، وكأنه فعلا كما قال في روايته " كل أنواع المواقف القديمة استيقظت في داخله. "كما إن ف. س. نايبول اعتمد على السرد المكثف الملغوم بأفكار سياسية ونقدية لمجتمعات تصل "على طول الساحل، عرب مسقط وعمان، وهم المستوطنون السابقون، أصبحوا تماما أفارقة، لم يعودوا عرباً، ويعرفون محليا فقط بالمحمدين" فهل يحاول لفت انتباه القارئ نحو العرب ؟ فالتوظيف الحواري في الأسلوب الكلاسيكي تنشط مع ما حاول القاء الضوء عليه سواء من ناحية المواقف العاصفة بذهنية القارئ المسترسل بقصة ويلي المتمرد على الأب، أو من ناحية الأم التي تنتمي إلى فئة المنبوذين، والعم القادر على توجيه الخطاب الثوري المؤثر على فئة العامة ، فهل حاول نايبول منح أهمية للقائد جمال عبدالناصر، أو أن التاريخ والجغرافيا في روايته حملت صفة رحالة يدرس المناطق التي يرحل إليها، ويقارنها بمسقط رأسه كأفريقيا؟ وهذا ما أشار إليه في أكثر من فصل في الرواية " لديه الآن فكرة أفضل عن التاريخ والجغرافيا، ويملك فكرة ما عن عراقة مصر".
بين البداية والنهاية رسم بوسطية الخط الفاصل بين نهايتين، نهاية الأب والابن، والقدرة على امتداد الموروثات العائلية التي نتمرد عليها، لكنها ترافقنا مدى الحياة، لأن ما ينطبع فينا منذ الصغر لا يمكن التخلي عنه، أو التحرر منه بشكل نهائي ولو" أنها طريقة في الحياة كنت أحلم بها منذ بضع سنوات الرغبة بالتحلي والتواري والفرار من الحطام الذي في حياتي" وهذه إشارة تحليلية لنظرية نفسية تكمن في عقدة الأب، أو الخوف من الطمأنينة المزيفة التي نحيا فيها، ولكن نلمس الفروقات لهذه الطمأنينة عندما نرى العالم من حولنا بنظرة مختلفة عن تلك التي قرأنا عنها في الكتب، أو حتى مما سمعنا عنه من قصص أسطورية أو حكايات كما في قصة " الملك كوفيتا والخادمة المتسولة" التي أشار فيها إلى تكرار الزمن للأحداث أو حتى للحكايا، وكأنه يتهم التاريخ بالتوقف، أو عدم الحركة أو بتكرار نفسه .
أسلوب روائي تحرري التزم به نايبول، ولكن من خلال القصة المحبوكة والمدمجة بمفاهيم تصويرية أو نقدية اجتماعية مع المحافظة على أيديولوجيات فكرية نستنتج من خلالها المفارقات التاريخية في الكثير من النواحي أو الموروثات حتى في الرداء الذي نراه في الميثولوجيات، أو النقوش الأثرية، أو تلك التي ما زالت متواجدة، ولا نعرف أسس بدايتها ونهايتها " قرأ أنه على الرغم من وجود التماثيل المتدثرة بالتوغا من العالم القديم، لم يستطع أحد حتى الآن أن يبرهن لماذا كان على الرومان القدماء ارتداء ثياب التوغا، ربما كان الرداء الأكاديمي منسوخا من الحلقات الإسلامية قبل ألف من السنوات، ولعل الزي الإسلامي نفسه منسوخ عن زي أقدم، إذ الرداء جزء من الزيف" فهل الزيف في الرداء هو نفسه الزيف في الأديان أو التاريخ؟ أم أن نصف حياة هي خط الوسط الذي توقفت عنده الرواية حيث إن اختيار الحياة التي أرادتها آنا بعد أن أيقنت بمفهوم الحياة جديد المولود على يد ويلي، أو من خلال علاقتها العاطفية بويلي جعلها تستكشف أنه ربما لم تكن حقا حياتها هي التي عاشتها في فترة ما بل فرضها عليها القدر الذي اشتمل أيضا على أحداث عائلية هي بمثابة تكوين الحياة البوهيمية التي استنكرها الابن والأب بالرغم من التماشى معها أحيانا .
صور بلاغية وشعرية مع وصف انطباعي لم يخل من جمالية تمنح القارئ استراحات ذات تعابير مدروسة روائيا، هي بمثابة عصارات تستيقظ بين تفاصيل السرد المكثف محاولا نايبول منح الأسلوب دينامية تبعده عن كلاسيكية أو رتابة تخلق بعض الارتباك الروائي المثير لجدلية التباطؤ في السرد ذي المنظور الأيديولوجي، أو تقييم البيئة المحيطة بشكل خاص حتى البيئات والمجتمعات الأخرى وصولا لمصر والعرب، وللقائد جمال عبدالناصر وخطاباته، وتأميم قناة السويس بتلميحات بسيطة استخدمها ليلعب دورا أحاديا منحه لويلي منذ البداية، وقد حاول ويلي تغيير الواقع، أو تقديم تصورات تاريخية ومستقبلية لا تقدم ولا تؤخر بموضوع البؤس في العديد من المناطق في العالم، منها أفريقيا ، والزيف في المدن الصناعية، أو بالأصح اللندنية مع الحفاظ على أنماط العيش لهندي ، أو لفرد إنساني يحاول استكشاف الذات من خلال الآخر .
إن رواية "نصف حياة" هي سرد بدأ به والد ويلي تشاندران، وأكملها ويلي المتمرد على خنوع حياة لم يرتضها، إنما غاص بها، وترجمها بأفكار استكشافية، لينقذ البشر المغمورين من براثن الظلام، ومن غياب المعرفة بالتاريخ والجغرافيا والتشابه في الأزمات السياسية أو حتى الخطابية أو وجوه القادة الذين تتساوى فيهم الصفات الممزوجة بالقدرة على مواجهة الشعب والسيطرة على قناعاته أو مؤاخاته من العامة قبل الخاصة، مثل كريشنا مينون وجمال عبدالناصر وعم والدة ويلي، فهل حاول ف س نايبول إظهار شعبية القائد جمال عبدالناصر من خلال شعبية العم ؟ أم أن الرواية هي فعلا نصف حياة، لم تكتمل بل ترك النهاية في وسط يتأجج أسلوبيا بالغموض والوضوح في آن؟.
Doha El Mol