النظم الفنية الإيقاعية المؤثرة نفسيًا على الحواس والوجدان

ضحى عبدالرؤوف المل

تنتقد "زينة عاصي معالم" المجتمع الأنثروبولوجي بأسلوبها الفني البنائي الذي يعكس تجمعات تنوعت مضامينها. إلا أنها تحمل الإنسان على الظهور تبعًا لمفاهيمها المدركة، وتبرز التغيرات الجوهرية المتأثرة بالجماليات المحيطة بنا دون الاهتمام بالداخل المعافى، الخالي من التأثيرات السلبية الملموسة في شكل الأصابع، وفي اللغة الجسدية، والحركة العمرانية في المدن الكبرى، وحتى في الطبيعة. إلا أن التغيرات الإنسانية تبدأ من الداخل قبل الخارج. لهذا نكتشف في داخل اللوحة كل ما هو باطن وظاهر بصريًا رغم الكثافة في العناصر الفنية والموتيفات. فالسيمترية في الخطوط والأشكال والزخرفة التشكيلية، والانتقاد المبني على المبالغة الفنية في الشكل والحجم، والفراغ، والضوء، والظل، والتشابه، والتكرار، وكل ما هو مختلف لونيًا ومتنافر عن التشكيلات الروتينية.

تعتمد "زينة عاصي" على النظم الفنية الإيقاعية المؤثرة نفسيًا على الحواس والوجدان، والتي تتيح اكتشاف الذات من خلال موضوعية الفكرة التي تطرحها في لوحات تحمل نفحة من الفن المعاصر، وتقنية معاصرة ذات معطيات جمالية ترافقها فلسفة ذات حضارات سطحية. تهتم بالأشكال الخارجية، والصياغات المتشابهة المشبعة بالتقليد، والمصاغة بأسلوب بيئي تكراري. ولكن منحَتها "زينة عاصي" جمالية خاصة وزعتها على المواضيع المتنوعة بين الإنسان والمدنية، والمجتمعات الافتراضية التي امتصت الحواس ووحدت اللغة الإعلامية التخاطبية وحصرتها بأصابع شبه عظمية. لتحقق توازنات فكرية تتواكب مع الجمالية التشكيلية المبنية على سيمترية الخطوط العمودية في معظمها، والتي تحمل صفة العولمة التي تتماشى مع الأماكن والأزمنة، والأبعاد المحفوفة برؤية تساهم في تأصيل الفكرة التي تقدمها "زينة عاصي" بصريًا.

تبرق المعاني الإنسانية المستوحاة من الضعف البنيوي للإنسان المعاصر الذي بات اهتمامه ينحصر في الكماليات، وفي الخارج مصاب بموجة البوب آرت والإيقاع السريع. لهذا نلمس في ألوانها تنقلات بصرية سريعة تعتمد على العدد، وفي هذا الأسلوب عفوية تخرج من المكنون النفسي البارز في تكويناتها العاصفة بهندسة تمتلك في العمق رؤية حضارية معولمة. تستفز الحواس وتثير البصر من خلال الخطوط التي تفوح منها واقعية تتنامى بتعبيرات جسدتها على الملامح العامة بتكامل جزئي، وبشفافية رؤية معاصرة متمسكة بالانتقاد الاجتماعي الجذاب الذي وظفته في خدمة الفكرة، كمغامرة مسكونة بالانعتاق من القياسات المحدودة. وكان في كل لوحة مدينة تكرر نفسها في عالم إنساني مختلف من الداخل، برغم العولمة التي تجمعه في صفات تتشابه بمؤثراتها النفسية، وبموروثاتها الفنية، وهذا ما نشهده في فن المعمار، وفي الفنون الإنسانية حيث المدى البصري يضيق ويتسع تبعًا للضوء، والظل، والمساحة، واللون، والفراغ المتسامي بفضاءاته التخيلية المبنية على رؤية واقعية تراها "زينة عاصي" بمقاييس حسية، وبدلالات اجتماعية تسعى إلى التحرر منها، والانفلات من العادات والتقاليد حتى بالبناء واللباس، وبطبيعة داخلية باتت تتأثر بالأفكار والرؤى.

سمات خاصة لأعمال تتيح استخلاص تحليلات من شأنها إلقاء الضوء على مفاهيم جديدة، ولكن في أسلوبها الفني المعاصر الذي يحمل في طياته سياسة خطوط تنفصل وتتصل، وتؤلف عامودية تقسو أحيانًا من خلالها "زينة عاصي" على اللوحة، محاولة كسر رتابة من نوع نفسي. لكنها قدمت رؤية فنية ذات موضوع جمالي بطابع تشكيلي يعتمد على الوحدات التكرارية، والتعتيق اللوني أحيانًا، لتغطي الألوان الفاتحة بداكنة أخرى، حيث تجمع بين العتمة والضوء ليتأرجح الظل ويتوافق مع التذبذبات اللونية الفاتحة والداكنة التي تنطوي على خصائص تكوينية ذات مسطحات تتناسب مع الأحجام وتوليفاتها الحسية التي تتسم بجمالية تنبض بالحياة وبمواضيع لها أهميتها البصرية، ومحاوراتها الكامنة بديناميكية التقارب والتباعد، والضوء، والظل، والتعتيم، والتفتيح، حيث تنعكس أغوار النفس على الأشكال المثيرة للاستكشاف، وللخطوط وموسيقاها التراتيبية المنغمسة بألوان حارة وباردة.

ما بين العشوائية والتنظيم، لا يتيه البصر بل تحافظ "زينة عاصي" من خلال ذلك على تنوعاتها من الأكريليك وحتى الكولاج، من التجريد والتعبير حتى الواقع بكل حيثياته ومعانيه. لتضعنا مباشرة أمام كل مشهد تحرر من الصياغات الأكاديمية المتحررة من المقاييس الخاصة. إلا أنها تعبيرية الأسلوب الاجتماعي المؤدي إلى إحياء الحيوية في لوحاتها التي تخاطب بها الإنسان والمجتمع والعالم بشكل عام، لأنها تحافظ على القيم النفسية في لوحاتها. فالألوان هي لغة انسلخت عن الأشكال، لتحاكي البصر بسرد درامي محبوك، بخيوط واقعية تؤدي الشخصيات فيها أدوارها. إلا أن لكل خلفية تجريد خشن الملامس وكثيف الحركة مع التجانس الذي يتضمن جمالية تزيد من عناصر التأثر والتأثير في كل لوحة مبنية على مشهد مضموني خاص.

إن الأسلوب يتنوع في خاماته وخطوطه، وألوانه، والتحرر من النموذج الخاص. لشخصيات شحنتها بمعاني اجتماعية خاصة، فمنها تتضح المواضيع الساخرة من الإنسانية التي تعاني الضعف النفسي المؤدي إلى شكل يقترب من هيكل عظمي يكتسي من الألوان الباردة والحارة ما يجعله كاريكاتوريًا نوعًا ما وجذابًا للبصر. ومن هزال بنيوي حتى لتوحي بذلك من خلال الألوان الحيادية في أكثر اللوحات حركة حيث جمال الأشكال وغرابتها تتخذ طابعًا محوريًا مختلفًا في الخامات والأسلوب والمضمون.

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء