المصوّر الفوتوغرافي صالح الرفاعي للواء:" المشهدية الفوتوغرافية مليئة بالإشارات المنتشرة في زوايا الرؤية وروحية المكان."
حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل
تعكس العدسة الضوئية إحساس العين الفوتوغرافية المتأثر بانعكاسات الضوء التي تثير الحواس البصرية، وفيزيائية الحركة الزمنية التي تتمسك بها الصورة الفوتوغرافية المدروسة بمقاييسها وتشكيلها الضوئي المؤثر بصريًا على المصور والمتلقي، حيث نتأثر بتفاعلات الرؤية التي تؤلف المشهد بالعناصر الفنية والمكنون الموضوعي أو الذاتي، وكأن العدسة هي ريشة تشكيلية ترسم الواقع بعين الخيال الجمالية. فالفنان الفوتوغرافي "صالح الرفاعي" يستخدم تقنية التصوير بجمالية متخيلة بحيث يتوائم بين الواقع والخيال من خلال صورة فوتوغرافية تحمل جمالية تصويرية ذات مضمون هادف وأسلوب شفاف. وحقيقة الحوار مع الفنان "صالح الرفاعي" بدأ بحديث عابر عن فن التصوير بعد أن تأملت لوحته الضوئية في "بيت الفن طرابلس"، التي تحمل في معناها الرحيل والعودة والبقاء في أرض لبنان، ومن ثم أجريت معه هذا الحوار الخاص.
- كيف تحدد نقطة النظر الأولى التي تنطلق منها في التقاط الصورة؟
المشهدية الفوتوغرافية مليئة بالإشارات المنتشرة في زوايا الرؤية وروحية المكان، وعلينا كفوتوغرافيين التجول بصريًا فيما بينهما في عملية بحث دائم عن مقومات الالتقاط. إن فكرة التقاط صورة ما تبقى بعيدة عن أية منهجية مسبقة. فالنظرة الأولى هي علاقة متلازمة ما بين الرؤية ومشاعرها مقابل تقنيات تسجيلها.
وإن كنت أدرك مغزى الصورة الفوتوغرافية والتي تمثل إلى حد بعيد تفسيرًا شخصيًا، إلا أنها تبقى في النهاية رسالة وعليها أن تخبرنا أو تعبر عن شيئ ما. وتتجلى مقدرة المصور على تطويع الضوء للتعبير عن هذه الرؤية وتسجيلها. من هنا، أنا أقرأ الضوء محاولًا باستمرار فكفكة تفاصيله المتشردة ما بين الظل والنور...
- متى تكشف العدسة عن انفعالات الفوتوغرافي وسرعة بديهيته؟
إذا كنا نتكلم عن الحواس والإدراك، فليس للعدسة أي دور هنا. العين تسجل وتخزن أولًا، ثم يأتي دور العدسة في نقل المخزونات بأمانة مفرطة ووفق معايير تقنية.
أما الانفعالات التي يتأثر بها الفوتوغرافي فهي وليدة معايشات يومية ومتابعات دائمة قد تؤثر أو تؤدي إلى إنتاج عمل يسكب فيه رؤيته.
- هل يتلاءم الضوء والحركة في صورة ما عند زمن محدد من النهار أو الليل؟
في عصر التطور الفوتوغرافي، لم تعد هناك من تحديات تقنية تذكر في هذا المجال. حتى في مجال الضوء، أصبحت الكاميرا مهيأة للتصوير تحت أي مكون ضوئي خافت. ولم تعد الصورة مقيدة بحجم وكمية الضوء لتسجيل واقع متحرك.
- هل تحاول ابتكار صورة بوضع العدسة أمام مرآة فنية؟
الابتكار حالة دائمة ومستمرة، وهذا هو مفهوم الفوتوغرافيا. أنا أعمل باستمرار وأحث طلابي على التقيد بهذه الرؤية:
"علينا دائمًا أن نقدم الصورة التي لم تُشاهد من قبل."
هذا هو برأيي مغزى التصوير الفوتوغرافي.
منذ القرن الماضي ونحن نعيش عصر الصورة، إلا أن بداية هذا القرن شهدت الفوتوغرافيا في عصرها الذهبي، وقد فرضت وجودها في كافة المجالات.
- هل تبحث عن مواضيع خاصة لتؤلف منها الصور الفوتوغرافية التي تتميز بفن خاص؟
عملت في الصحافة لمدة طويلة وغطيت الكثير من الأحداث والحروب في لبنان والمنطقة. وقد حظيت الكثير من أعمالي باهتمام الصحافة العالمية. وهذا منهج فوتوغرافي تسجيلي ليس فيه الكثير من الرؤية الفنية بقدر ما هو أسلوب يعتمد على قدرة الالتقاط. أهتم حاليًا بالفن الفوتوغرافي بكامل جوانبه وأحاول تلمس القضايا الاجتماعية التي تمس الإنسانية بشكل مباشر، كمواضيع المياه، البيئة بشكل خاص.
وفي وقت الفراغ، أهرب إلى الطبيعة... ففيها الكثير مما قد فاتني وأمارس هواية تصوير المشاهد الطبيعية بما فيها من تفاصيل لونية وظلالية. وهنا أفضل استعمال الضوء بنسبة أقل مما هو مفترض (بمعنى التعريض الضوئي الناقص) للوصول إلى درجة من التباين القوي ما بين الضوء والظل وللحصول على نفحة دراماتيكية للمشهد.
- متى تعكس الصورة ديناميكية العدسة وخفة اليد؟
تعتبر الكاميرا، بغض النظر عن ميزاتها وسهولة استخدامها، آلة ميتة إلى أن تمتد إليها يد الإنسان. عندها يصبح أداؤها أكثر استجابة، وبالتالي فهي امتداد لعين وذهن المصور وتعكس مكنونات أفكاره. إذن الصورة هي نتاج فكري أولًا، وما الآلة سوى الشاهد على واقعية الرؤية.
- هل شكل أي موضوع يثير العدسة تراه العين بمعادلات نسبية تقريبية؟ متى تلجأ لهذا؟
يمكن للمصور تمديد أو تسطيح المشهد أو حتى تغيير بنيته بالكامل باستخدام نوع من العدسات وفقًا لأهدافه.
أنا أميل إلى الواقعية في معظم الأحيان، لذلك أعتمد العدسة المعيارية أو "النورمال" التي تقارب العين في مشهديتها.
فطالما أن التصوير يعبر عن المصداقية كما العين، فعلى العدسة أيضًا أن تكون صادقة.
- أن تظهر جوامد الأشياء على سطوح الصور مع الحركة، ماذا تحتاج؟
إن تعامل المصور مع الوقت أمر حاسم طالما أن تسجيل أي عمل يتطلب التعامل مع جزء من الثانية. وهذا عامل يقلق المصور الذي يحاول مزج مسطحات المشهد الجامدة مع حركة الموضوع وتوزيع العناصر المؤثرة ومن ثم قياس الضوء الساقط على العناصر المتداخلة في كلية المشهد. فهو يحتاج إلى الصبر وبنفس الوقت للكثير من الخفة. أما الإدراك الفعال فيلزمه أقل من كل شيء، وهذا سر المصور الناجح.
- هل تعتمد على مسافات معينة تفصل بين العدسة والشكل؟
الشكل بالنسبة لي أساسي مهما كان نوع أو حجم الموضوع، وأعمل جاهدًا كي لا تفصلني عنه أية عوائق بصرية.
ومن المهم أن يستحوذ العنصر الأساسي في الموضوع النسبة الغالبة من مساحة تكوين الصورة. وأشدد دائمًا على:
"على العنصر الأساسي في الصورة أن يحوز تقريبًا على نسبة 60 إلى 70 بالمئة من مساحة إطار الصورة."
- ما الفرق بين الصور العملية والصور التأملية؟
الصورة العملية بكافة جوانبها هي واقع تسجيلي ذو مصداقية، وقد صنفها المؤرخون بالأيقونة لحفاظها على ديمومة تاريخية. أما الصور التأملية فهي ما نسكب عليها مشاعرنا ونحملها الكثير من التفاصيل المعبرة.
- هل تتأثر بالمنظور وانعكاسه على الرؤية الفوتوغرافية بشكل عام؟
لا يمكن للصورة أن تكون مستقلة عن محيطها. وكما قال أرسطو: "إن التفكير مستحيل من دون صور". قد تكون افتراضية أو واقعية، في كلتا الحالتين نحن نتلقى كما أشرت سابقًا إشارات يعكسها المنظور ويسقطها على رؤيتنا الإبداعية ومنهجية تفكيرنا. فأنا لا أحمل أفكارًا مسبقة، إلا أنني جاهز لتلقي جماليات المنظور.
- ما المشترك بين العين والعدسة؟
تتشارك العين والعدسة بمنهجية التشغيل، من المشاهدة المعكوسة إلى ضبط الحدقة، وأعني التحكم بحجم وكمية الضوء.
أما من الناحية البصرية، لا شك بمقدرة وتفوق العين في تحسسها وشاعريتها.
أليس القول أن العين أحيانًا تبوح بما يعجز اللسان عن قوله صحيحًا؟ من هنا، ستبقى العين قادرة على بث مشاعرها لتسجلها العدسة، وبالتالي ستبقى العدسة الجزء المكمل للعين، إلى حين يأتي الزمن الذي ستصنع فيه الآلة التي تقارب دقة العين وتلامس شفافيتها... وأنا لا أحبذ ذلك، إلا أن سرعة تطور صناعة الآلات تخيفني.
- - ماذا تعني لك هذه الكلمات؟
البعد: مساحات ضوئية يضبطها العمق.
الإضاءة: رؤية يظللها اللون...
نقطة النظر: اللا حدود... لا حدود لمقدرة النظر.
المصور الفوتوغرافي صالح الرفاعي:
عمل في الصحافة العالمية لمدة 30 سنة.
أستاذ التصوير في معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية.
أستاذ التصوير في كلية العمارة بجامعة بيروت العربية.
في رؤية تحليلية للحوار معه
يُعتبر الحوار مع الفنان الفوتوغرافي صالح الرفاعي فرصةً للتعرف عن كثب على فلسفته الفنية ورؤيته الخاصة لعالم التصوير الفوتوغرافي. من خلال إجاباته، يتضح أنه يحمل رؤى عميقة تتراوح بين الجانب التقني والجانب الإبداعي، ويمتزج فيها الحس الجمالي بالتأمل الفلسفي في كيفية تأثير الضوء والزمن على الصورة الفوتوغرافية. إليك تحليل نقدي لمحتوى الحوار مع هذا الفنان المبدع.
من خلال إجابته على السؤال الأول، يظهر صالح الرفاعي تأكيدًا على أن عملية التقاط الصورة لا تقتصر على مجرد تقنية، بل هي مزيج من الرؤية البصرية والمشاعر الإنسانية. يتعامل مع الضوء كمكون أساسي في الصورة، ويعتبره جزءًا من الأسلوب الشخصي للمصور. هذه النظرة الفنية تتماشى مع مفهوم التصوير الفوتوغرافي بوصفه تعبيرًا عن الذات، حيث يرى الرفاعي أن الصورة الفوتوغرافية لا تقتصر على توثيق الواقع فحسب، بل هي بمثابة رسالة تحمل رؤى فنية وفلسفية عميقة.
في جوابه عن سؤال الانفعالات والسرعة البديهية، يُظهر الرفاعي أنه يرى العدسة كأداة محايدة، لا تُظهر الانفعالات، بل تنقل ما تراه العين. لذلك، فإن الانفعال الحقيقي للمصور لا يُترجم إلى الصورة مباشرة عبر العدسة، بل يتشكل أولًا في ذهن المصور ثم يُترجم باستخدام التقنيات الفوتوغرافية. هذه الرؤية تعكس نزعة فكرية تنبذ التبسيط وتعطي الأولوية للتفاعل الذهني والعاطفي الذي يسبق لحظة الضغط على زر الكاميرا.
في سؤال يتعلق بالابتكار، يظهر الرفاعي ميلاً واضحًا إلى التجديد والتجربة المستمرة. من خلال قوله: "علينا دائمًا أن نقدم الصورة التي لم تُشاهد من قبل"، يعبر عن فهمه العميق للطبيعة الثابتة والمتغيرة للفن الفوتوغرافي. واعتباره أن الابتكار حالة مستمرة يعكس إيمانه بأهمية تقديم فن يتجاوز التوثيق التقليدي، ويبحث في آفاق جديدة للتمثيل البصري.
إجاباته المتعلقة بالضوء والحركة تكشف عن فهم تقني عميق لعلاقة الصورة بالزمان والمكان. في عصر التطور الفوتوغرافي، لم يعد الضوء عقبة أمام المصور، حيث أصبح بإمكان الكاميرا التقاط الصور تحت أي ظروف ضوئية. ومع ذلك، يبقى الضوء بالنسبة له أكثر من مجرد عنصر تقني؛ هو أداة تعبيرية قادرة على تشكيل الواقع بطرق غير مرئية. هذه النظرة تعكس تزاوجًا بين الفن والتقنية في عمله، حيث يعكف على استخدام أدواته لخدمة رؤيته الفنية المتجددة.
لا يقتصر اهتمام الرفاعي على الجوانب التقنية والفنية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى توظيف التصوير الفوتوغرافي في معالجة القضايا الاجتماعية والإنسانية. في إجابته عن تأثير التصوير على القضايا الاجتماعية، يؤكد أنه يعنى بالتقاط صور تحاكي قضايا المجتمع مثل المياه والبيئة. هذه اللمسة الإنسانية في عمله تعكس التزامه باستخدام الفن كأداة للتوعية والاحتجاج على القضايا التي تمس الإنسان في أعماق وجوده.
تستمر إجاباته في استكشاف العلاقة بين العين البشرية والعدسة الفوتوغرافية. عبر قوله: "العدسة هي الجزء المكمل للعين"، يطرح الرفاعي فكرة أن العدسة ليست مجرد أداة ميكانيكية، بل هي بمثابة امتداد للحواس البشرية. بينما تبقى العين هي الأكثر قدرة على تحسس الجمال والواقعية في العالم من حولنا، إلا أن العدسة تمتلك القدرة على ترجمة هذه التحسسات إلى صور ثابتة قابلة للتأمل. هذه العلاقة بين العين والعدسة هي تجسيد لفكرة الاندماج بين الطبيعة البشرية والتكنولوجيا في عمل الفوتوغرافي.
من خلال حديثه عن الفرق بين الصور العملية والصور التأملية، يظهر أن الرفاعي ينظر إلى الفوتوغرافيا كأداة للتوثيق، ولكنه أيضًا يقدر الجوانب الفنية التي تتجاوز الواقع المادي. الصورة العملية بالنسبة له هي سجل للواقع، أما الصورة التأملية فهي تلك التي تحمل أكثر من مجرد واقع مادي، بل تذهب إلى أبعد من ذلك لتمثل فكرة أو إحساسًا معينًا. هذه النظرة تفتح المجال لتفكير أعمق في كيفية أن الصور الفوتوغرافية قد تكون، في كثير من الأحيان، أكثر من مجرد توثيق للمشهد، بل هي محاكاة لمشاعر وأفكار.
الحوار مع الفنان صالح الرفاعي يعكس روحًا فنية متجددة، تتنقل بين التأصيل الفلسفي والتقني، وبين الرؤية الشخصية للعالم والتفاعل مع قضايا المجتمع. يعد الرفاعي مثالًا على الفنان الذي يتجاوز حدود التقنية ليغمس في عمق الفكر والروح الإنسانية، مما يعكس أهمية الفوتوغرافيا ليس فقط كأداة لتوثيق الواقع، بل كوسيلة للتعبير الفني العميق الذي يمس جوانب عديدة من الحياة والمجتمع.
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء