النفحة التشكيلية الإشعاعية أو الفسفورية المتميزة بصريًا

ضحى عبدالرؤوف المل

تشتعل ألوان الفنان "تحسين الزيدي"، فتؤلف إيقاعات تتناقض فيما بينها، وتتشكل تبعًا لأحاسيسه وفق لمحة تجريدية تمسك بالواقع التصويري من نواحي متعددة. إلا أنه ينصهر مع الألوان حسيًا، ليضيء المضمون الإنساني النابع من الذات، ومن جمالية ريشة لونية تنساب بحيوية مع الألوان القوية الضوئية حيث ترتبط أهميتها بمحور الشكل الذي يتبلور مع الفراغات المتوازنة مع المساحة والشكل الخارجي والداخلي، وضمن التكوينات اللونية الجزئية المكثفة. فالنوعيات الفنية الراسخة ضمن طبقات لونية متراكمة بأسلوب فني مبني على التضاد، والانعكاس الضوئي، ليدمج بين العتمة والضوء بأسلوب تشويقي يجمع فيه عنصري الإدهاش والإبصار، معتمدًا على التناسق والتضاد في تأليف لوحاته التي تشع بالمعاناة الإنسانية.

يترك الفنان "تحسين الزيدي" للكتلة تواجدها اللزج ضمن الألوان وطبقاته، مما يؤثر على الحركة التي تبدو بطيئة، لتتناقض حركة الخطوط مع حركة اللون، كما تتناقض حركة الضوء مع التعتيم، وكأنه يرسم لوحات في لوحة تتماسك كل عناصرها. لتبدو كمنحوتة زنجارية تلونت عناصرها الفنية تبعًا للضوء، وللمبالغات اللونية بين الأصفر الضوئي، والأزرق السميك مع الأحمر المشتعل، وباقي الألوان القوية انفعاليًا من حيث الكثافة وطقوسه الفنية التشكيلية المطرزة بدلالات عميقة إنسانيًا، تتزن فيها الأشكال والفراغات والكتل التي تبدو متثاقلة بحركاتها الغامضة حيث يبرز التجريد ضمن تعبيرات اللون القوية والجريئة، والتي تنطبع بصريًا في عمق الوجدان. لما تثيره من عصف ذهني مشحون بتموجات لونية سلبية وإيجابية تتجلى في الألوان وقوة انفعالاتها التعبيرية القادرة على خلق إيحاءات رمزية تشير للإنسان، وقوة معاناته في مختلف ألوان البيئة الحياتية التي يعيش فيها. فالأطر اللونية تضيق حول الكتلة وتتسع بصريًا من خلال التموجات والذبذبات، وكأنه يترك الكتلة كعين إعصار تتجه نحوها الألوان، أو كمحور منظور يتجه نحوه البصر، فتتولد التفاصيل الجمالية بديناميكية تتمتع بالبعد الواحد، وبزمكانية ترافق السطوح وسطوعها البانورامي الذي يبدو تعبيريًا كتكوينات زخرفية ذات أسس منظورية تضفي جمالية خاصة.

تتعدد المواضيع في اللوحة الواحدة من خلال اللون وتركيباته وتقنية مزجه والنسبة الضوئية فيها. إلا أنه يتوحد مع الكتلة والشكل، ويتحرر مع اللون ليجمع بين الحركة البطيئة والحركة الخفيفة من خلال ازدواجية ريشة تبحث عن مفهوم القديم الجديد، أو الفن العراقي الموحي بالنقوش والألوان المشرقة المرتبطة بالتكوين، والقوة الجمالية المتفاوتة في نسبيتها التكوينية، ومستوياتها الإيقاعية المنسجمة مع التقاطعات المختلفة دراميًا من خلال العناصر اللونية المتناقضة بين الحار والحار، والبارد والبارد، والدرجات المنخفضة والعالية مع بعضها، وكأنها ثورة ألوان تكونت بكل خصائصها المتآلفة والمتنافرة، بل والمتدفقة مرئيًا، فاللمسات اللونية ذات النفحة التشكيلية الإشعاعية أو الفسفورية المتميزة بصريًا.

تتماسك البنى اللونية في أعمال الفنان "تحسين الزيدي" الزاخرة بالتباين والتماثل والتكامل الصياغي المعادل لتوزيع الفراغات، وتأثيراتها المماثلة حسيًا للمحسوسات البصرية، وتوازناتها الإيقاعية المترابطة وجدانيًا مع المضمون، والدلالات التجريدية ذات التعبيرات النفسية المملوءة بأشورية دراماتيكية ساطعة بتشكيلاتها التخيلية، البسيطة بنظمها الهندسية والمعقدة بمزج ألوانها الرافيدينية، وتكرارها الإيقاعي اللاواعي تخيليًا، بخاصة التجريد اللوني ومنظوماته الحارة، كالاحمر والأصفر والضوئيات في معظم اشتعالاتها وتوهجاتها، وما يرتسم منها كفنتازيات ذات كوادر تتماهى فيها الخطوط الوهمية المتلاشية مع الألوان الباردة، مثل البنفسجي والأزرق والأخضر، كمشهد متناقض موحي بتصويرات إنسانية واقعية تتداخل فيما بينها بتباطؤ حركي يزدان بالتجريد الرومانسي، والتعبير الحسي والواقع المرتبط بالبيئة المحيطة بالإنسان ووجوده الموضوعي في الحياة.

إسقاطات رؤيوية ذات تجريد يحمل من الصفات الإنسانية فسيولوجيات تكونت داخليًا وخارجيًا بتلاحم مضموني وأسلوبي، أظهر من خلالهما الفنان "تحسين الزيدي" انفعالاته الذاتية المقترنة بالضوء والظل، والفراغ وكثافة اللون المنظمة وفق نبرات عالية ومنخفضة. فالمسارات العبثية تتمثل في مفاهيم العدم والوجود والذات، والموضوعية مستخدمًا التحولات والتغيرات اللونية، ليترجم بذلك أحاسيسه الفنية العابقة بجمالية تكنيكية حارة وباردة سابحة بالمعاني، والفضاءات بأبعادها المغايرة والمتجانسة مع أبعاد اللون والتسطيحات المتوالفة مع تنافر الضوء البصري.

إن أعمال الفنان "تحسين الزيدي" ممتلئة بالحركة البصرية المضادة التي تعتمد على الشكل والبعد الواحد في توزيع الكتلة مع الأبعاد المتعددة في تكنيك اللون الموحي بالغموض والوضوح في آن، وكأنه يروي من خلال ضجيج الألوان وإشراقاتها، وسطوعها حكاية ذاتية شعبية ينبثق منها تراث الوطن المتجلي في لوحاته الإنسانية الباحثة عن الجمال والسلام، وعن الهدوء والسكينة. فالبناءات العامودية والأفقية اختفت أسسها بين عبثية كل لون يحاول السيطرة على الآخر بتدرجاته الموجية، وانسياباته الباردة خصوصًا بين الأزرق والبنفسجي، والشرارات الحمراء والصفراء في بعضها، ليعكس في معرضه ازدواجية حارة وباردة تلاعب بها.

إسقاطات ضوئية تستقطب البصر، وتضع المتلقي أمام تشكيلات نافرة خشنة الملمس، كأنها جداريات زمنية معتقة تبث من خلال اللون الأصفر روحانية خاصة نتعاطف معها حسيًا. لنكتشف ديناميكية ريشة تؤلف من الألوان ملحمة إنسانية تجريدية لا تتعارض مع المستويات الفنية الملموسة في أعمال الفنان "تحسين الزيدي" التشكيلية.

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء