فضاءات لوحة ثنائية البعد تتخذ من التشكيل والنحت منحى لها.

ضحى عبدالرؤوف المل

تتضمن لوحات الفنان "جورج داوود القرم" مزجًا واقعيًا في نواحٍ تأسر البصر، وتثير جمالية نسبية نابعة من فن إنساني مبني على الشكل البنائي للإنسان. فالوجوه في أعمال القرم تعتمد على وضعية الوجه، وكيفية التقاط التفاصيل بأسلوب يتضمن سمات نحتية ذات مضمون تمسك به الريشة المعبرة عن أدق التفاصيل من خلال إبراز الخطوط المشتركة بين النحت والتشكيل، والتي تظهر في أكثر من بورتريه. فحين تتأمل لوحات "جورج داوود القرم" تشعر وكأن الكتلة سابحة في فضاءات لوحة ثنائية البعد، تتخذ من التشكيل والنحت منحى لها. لتضم بين تفاصيلها صلابة أجسام وليونة تعابير تضعك أمام تناقضات تثير الذهن، وتجعله يحاول استكشاف المزيد من أسرار أسلوب يستند على محورية الكتلة بصريًا، وعلى منظور كلاسيكي يفرض نفسه داخل اللوحة.

يضفي "جورج داوود القرم" من الخصائص التصويرية على فن لم يقتصر على الملامح الخارجية فقط، بل تعمق في الشخصيات لتظهر ضمن خصائصها النفسية أو بالأحرى العضلية المنبسطة أو المشدودة، ملتقطًا بذلك الارتداد النفسي لشخوصه من خلال ريشته الحساسة في رسم الوجه أو الأجزاء العميقة في التشكيلات الأخرى. فالخاصية الواقعية في رسومه المتماثلة والمتنافرة تظهر بتدرجات وبانطباعات دلالية، وذلك لخلق فضاءات تأملية حتى من خلال نظرة العين واتجاهاتها المفتوحة نحو الأفق، أو نحو كل ما هو متخيل في لحظة تجلي ريشة تبحث عن الجوهر الحقيقي في الشكل الإنساني. وهذا ما يجعل من التطابق الفني بين النحت والرسم يخلق عقلانية جمالية توحي بهندسة ذات مقاسات ومعادلات لها تميزها النسبي، وخصوصًا ضمن مثلثات وهمية ذات مقاييس دقيقة لها حيثياتها في كل لوحة تركت أثرها في مفهوم الخط، والظل، والشكل، والضوء، والفراغ، والانطباع المزدوج بين الكتلة والفراغ، وبين الداخل والخارج. مما يجعل اللوحة تغرق بتأثيرات نستوحى منها عمق الجمال الإنساني والعين الحسية التي منها تتجلى قيمة الروح. وهذا هو الفهم الحقيقي لفن البورتريه أو لالتقاط تصويري تعبيري تمنحه الريشة روحانية فنية تنبض بالتموج، والرقة والتأثيرات التظليلية ضمن مساحات ذات مشهد تتداخل فيها الثيمات المسكونة بقسمات تتبع نفسيًا حالة شخوصه النفسية، والحركة الضوئية التي تنوء بتحولات درامية انفعالية، ابتهالية عاطفية مرهفة بالمحاكاة العميقة، والسطحية التي تحيط الوجه خاصة، ومن ثم الجسد وقياساته باعتباره وحدة إنسانية مستقلة ذات جمالية خاصة.

تتلاءم النقاط الفنية التي يوزعها "جورج داوود القرم" لينطلق منها نحو مسارات فنية يتوجها الشكل المتميز برصانة موسيقية لها إيقاعها البصري المريح للحواس، ولعين تحاول اكتشاف المزيد من جماليات غنية بالتضادات التشكيلية ذات النغمات المتقطعة، وإن تماسكت داخليًا. إلا أنها تحتفظ باستقلال كل شخصية عن الأخرى، حتى ليشعر المتلقي بالاختلافات الإنسانية العميقة في معناها، فالكتل يضعها ضمن قوانينه المنظورية المتداخلة مع الأشكال الأخرى التي تخضع لإضاءة ناعمة رومانسية يضع شخوصه الفنية. لتنعكس التصويرات مع الأبعاد، فيتولد عن ذلك الإحساس بالبعد الثالث الوهمي، وذلك ما يمنح الأشكال حيوية واقعية تستمد من المكان وتأثيراته الضوئية قوة فنية ذات جمالية مؤثرة وجدانيًا على نفس تتأمل كل التفصيلات الدقيقة في مساراتها واتجاهاتها، وحتى منظورها الهندسي الانعكاسي.

براعة تتصف بخصائص بورتريه بسيطة بكلاسيكيتها. لكنها ذات تفصيلات هندسية برع "جورج داوود القرم" في وضعها ضمن قياسات محسوسة ومتناغمة فيما بينها، فتناسق الأجزاء مع الكل يرتكز على التوافق النغمي بين الخطوط المتماثلة في اتجاهاتها من الداخل إلى الخارج وبالعكس. لذلك تكتسب لوحاته أهمية فنية ذات ركيزة أكاديمية، وروحانية تبعث على التفكر في بناء الإنسان الذي خلق في أحسن تقويم، باعتباره نموذجًا إنسانيًا سابحًا في كونيات تمتلئ بالأشياء الحسية التي تضعه أمام تناقضات يبرز من خلالها كفرد ذي تفاصيل فنية خاصة، يتفرد بها كإنسان ممتلئ بالحيوات، وتصويراتها الزمانية الممتدة عبر الأجيال، وهذا ما نلمسه في الفن التشكيلي بشكل عام، وفي أعمال الفنان "جورج القرم" بشكل خاص.

يتخذ "جورج القرم" من الزاوية نقطة انطلاق بصري يتجه من خلالها نحو بناء الشكل الذي يوحي بالعمق المتخيل في الفضاء الصوري، المنكفئ على ذاتية المشهد المتألف من ثيمات فنية يتم تشكيلها، كأشكال تؤسس لأطر محدودة تثير وجدان المتلقي، حيث تتلاشى الأبعاد وتنصهر مع الصورة أو معالم البورتريه الحية، والنابضة بواقعية خاصة ذات زاوية تضفي تأثيرًا جماليًا منسجمًا مع الألوان وتدرجاتها وسطوعها. مما يعكس قيمة التباين والإضاءة المتوازنة، المؤثرة بصريًا عبر منح الأجزاء انسيابًا تفصيليًا دقيقًا، واضح الصفات التشكيلية. بل وحتى إشراقة كل لوحة وقدرتها على الاحتفاظ بكينونة إنسانية ذات صبغة خاصة.

إن التأملات التي يفرضها "جورج القرم" على المتلقي هي بمثابة محاكاة غامضة جعلها بينه وبين اللوحة. ليحتفظ بذهنية داخلية تتجدد في النفس لأن التوزيعات المنطقية هي هندسة ذات نسبية تواءمت مع الضوء والظل. لتبرز التفاصيل من خلال عدسة ريشة ضوئية متصلة بكل ما هو مألوف فنيًا. لتمنح البورتريه رؤية خاصة تنطق بتظليلات تبعث الحيوية في اللوحة، والأبعاد، والكتل المتزوية وفق درجات قياسية حافظ "جورج القرم" على نسبيتها. لإثراء التنوع الحركي الداخلي، والتوزيعات التي انطلق منها في بناء اللوحة وتماسكها الفني.

أعمال الفنان جورج داوود القرم (Georges D. Corm).

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء لبنان