غجريات ذات معطيات فنية وحسية نتفاعل معهن ديناميا

ضحى عبدالرؤوف المل

يندمج البصر مع غجريات الفنان "علي غسان" المتمردات على اللون والرؤى الفنية التي يطبعها في كل مرة بخاصية الألوان الجريئة والقوية مع الأبيض في أماكن غير متوقعة، ليجعل من التضاد فكرة يبني عليها لوحاته التي تتجه نحو محاكاة المرأة من خلال غجريات ذات معطيات فنية وحسية، نتفاعل معهن ديناميكيًا من خلال اللون وسماكته القوية، المتماسكة مع الشفافية في ألوان تميل إلى الضوء، وكأنه يرمز إلى التحرر المضاد في العادات الاجتماعية، وحتى في الملبس. لهذا، اختار الغجرية كرمز يشير من خلاله إلى اللون الثابت، رغم تحولاته الحارة والباردة وتموجاته العالية بوتيرة تتضاد مع انخفاضه النسبي وغير المتوازن، خصوصًا في اللونين الأخضر والأصفر. وكأنه يرفع من حدة اللون لتصل تأثيراته إلى أعلى مستوى حسي، فيؤثر على الوجدان بضوئياته القوية وتأثيراته البصرية الحادة، وما ينتج عنها من حركة تميل إلى الإيقاع الأوبرالي المتوسع في صداه، وهذا يوحي بقوة اللون واتساع مداه المفتوح تخيليًا نحو العتمة أو الضوء.

يستنطق "علي غسان" جزئيات اللون ليتفاعل مع الضوء بجمالية قادرة على بث سرد حسي نلمسه في حركة اللون المتوحد مع ذاته، وضمن درجاته المختلفة، ثم التدرجات المتنوعة بين الألوان الأخرى. ليخلق ذبذبات خاصة تثير البصر، وتترك المتأمل في أعماله يخوض في لجة أمواجه اللونية، وكأنه يرخي الزبد الأبيض في لوحات باغتها بلونه الضوئي، مما يزيد من جمالية المشهد البانورامي الذي يمنحه إيحاءات قوية. ليجعل من المرأة شخصية فنية توحي بقوة قدراتها في كل الحالات الحياتية، وكأنها هي اللون الحيوي والإيقاعي في كل لوحة تحررت فيها المرأة من قيودها الاجتماعية التي ينتقدها "علي غسان" بأسلوب فني تشكيلي ذي معاني مختلفة من حيث المضمون التشكيلي من لون، وعمق، وأبعاد، وسيميائيات، ودلالات بصرية توحدت مع الفواصل الفنية ذات الجمال السردي، والبعد التقني في مزج لوني ذي تعبير إنساني اجتماعي، متعاطف مع المرأة وجمالها الخاص.

إن الأجزاء المستترة من التخيلات التي يضعها "علي غسان" ضمن تجريد يحاكي به المساحة المفتوحة الزوايا، لتتضح الرؤية من خلال المعنى والأسلوب، والسينوغرافيا المبنية على المشهد التجريدي المتلاحم مع تعبيرات واقعية محسوسة ذهنيًا ومنفتحة الأبعاد حيث التجلي في شكل المرأة الغجرية ونسقها التشكيلي المتجانس مع الخطوط بكل أشكالها من عمودي، وأفقي، ومنحني، ومائل، وما إلى ذلك من خربشات أخرى يضعها ضمن عشوائياته وفوضوياته الغجرية التي تزيد من التدفق العاطفي عند المتلقي، فيشعر بالتآلف مع اللوحة بالإضافة إلى الإحساس بمصداقيتها، وبحيوية الألوان الراقصة على إيقاعات بصرية ذات مرئيات تتماثل فيها الألوان المنسجمة والمتنافرة مع بعضها تبعًا للمعنى الإنساني، وقدرته في توظيف المعنى لخدمة الأسلوب البسيط الممتنع، والمتلاحم مع بعضه البعض من فراغ وضوء ولون، ومحاكاة محملة بشحنات لونية وجدانية أبرزها الأبيض والأخضر والأصفر. وكأنه يحاول إظهار مكنون المرأة، والمخبأ النفسي والحسي من كينونتها المتميزة، بل وخصوصيتها في إبراز الجمال بشكل إنساني يجعلها تلتحم مع عناصر لوحاته، وخاصة اللون الذي يتجسد من خلال المرأة في أعمال الفنان "علي غسان" وغجرياته الجميلات.

يوظف "علي غسان" عنصر الإدهاش البصري متلاعبًا بالألوان الأساسية، وقوتها مع الأبيض والأسود في إتمام الأطر التي يريد للمرأة التحرر منها، فالتجريد في الألوان هو طمس الظاهر لنتعمق في الداخل، ونخرج من قوقعة المفاهيم الاجتماعية المعتمة إلى الألوان الأكثر إشراقًا، وكأنه يقول للمرأة العراقية: هذه هي المرآة الحقيقية. لأن المرأة تمتلك من المقومات الحياتية ما يجعلها تحيا كالفصول، وتتزيا بالألوان الربيعية والخريفية، والشتائية، والصيفية، لنتفاعل مع سردياته اللونية وفراغاته التي تتشكل تبعًا للفضاءات التخيلية ذات التكوين الجدلي، لكيونة المرأة وتوحدها مع ذاتها، وموضوعية المكان الذي وضعها فيه بغموض زمكاني لف به لوحاته تاركًا للغجرية تحديد هوية كل لوحة ارتكزت على تحولات في الشكل واللون، والفراغ، والمساحة المفتوحة على تأويلات ودلالات غارقة في الاجتماعيات، والانتقادات للمرأة نفسها. ليمنحها الثقة بنفسها حيث تتعاطف ريشته مع شكلها ولباسها وألوانها وحتى كينونتها الذاتية.

معايير ومعطيات فنية وتشكيلية تماهى معها "علي غسان" ومنحها غنى في المشاهد المختلفة التي ترك فيها المرأة وسط الألوان الحارة والباردة، ليترك لها وللمتلقي حرية الاختيار في فهم الجمالية الخاصة بها، والتي منحتها الحياة للمرأة كطبيعة تلونت بالألوان التي أشرقت معها بمفاهيم التزم بها "علي غسان" بل وتعاطف مع المرأة كوجود لوني يبث الحيوية والجمال في تواجده ذي الأبعاد المرئية الواحدة المصبوغة بسوسيولوجيات تتعلق بمدينة بابل خاصة، وبالعراق عامة. ولكن بشمولية أكبر اتجه بها نحو المرأة وقدرتها على تخطي أزماتها النفسية قبل الاجتماعية، وكأنه يريد لها التحرر من الداخل قبل الخارج، بل وحتى من ذاتها، ولكن بموضوعية شبيهة بلوحاته وتضادها الأسلوبي والمضموني، وجمالياتها المتعلقة بالغجريات ورمزية المرأة العربية.

معرض الفنان العراقي علي غسان (Ali Ghassan) في غاليري زمان (Galerie Zamaan) 12 نيسان 2014.

تم نشره في جريدة اللواء لبنان