ريشة مغموسة بألوان خريفية تحمل بهجة الربيع والحلم الذي يزهر في فصل ضائع.

ضحى عبدالرؤوف المل

يلتقط "جوني سمعان" التعبيرات الإنسانية المختزنة في عمق المشاهد المختلفة التي يرسمها بانفعالات توحي بالمخزون العاطفي المنسجم مع غموض شخصياته الإنسانية، بمختلف ألوانها التعبيرية المتناغمة إيقاعيًا مع الحركة البطيئة، المحسوسة ضوئيًا والقادرة على التقاط الأحاسيس من وإلى اللوحة، بحيث تتولد تفاعلات تؤدي إدراكيًا دورها في بث المفهوم الإنساني الذي يسعى إلى إظهاره "جوني سمعان" في لوحاته. وكأن ريشته تقول: هذه مشاهد من المجتمع الذي عشت فيه، والملفوف بالمعاناة منذ أزمنة بعيدة. إلا أنه يضيء الأقسام الجانبية من اللوحة تاركًا للتعتيم المتدرج في بعض أقسامها مساحات مفتوحة على تأويلات سيميائية متعددة، ومنها البؤس الاجتماعي للشعب المنهك في الحياة.

يتعرض الفن التشكيلي السوري في الآونة الأخيرة لتأثيرات جعلته يتكلم فنياً بلغات متعددة، ومنها ما يتكلم به الفنان "جوني سمعان" من خلال ريشة مغموسة بألوان خريفية تحمل بهجة الربيع والحلم الذي يزهر في فصل ضائع، وكأنه يكتب رواية مرئية من خلال المشاهد التعبيرية التي تصور الواقع، وضمن رؤية فصلية ذات تغيرات وتحولات في التصويرات التي تتسرب بجمالية للنفس، وكأنها بصريات ممزوجة برؤى عشناها خلال فترة الربيع العربي التي تاهت معالمه في الوجوه الغامضة، والتي تتكرر زمنيًا، وكأن الولادة والموت انحصرا في المشاهد الحزينة التي لا مناص منها، لأنها مؤطرة ضوئيًا ببعد زمني يوحي بالقديم الجديد الذي يعاني منه الشكل في لوحات "جوني سمعان".

وضع "جوني سمعان" شخوصه في أماكن ضيقة بينما يفتح فضاءات الخلفية لتتوسع ضوئيًا، عاكسًا بذلك الأمام والخلف ضمن سينوغرافيا ذات دينامية حركية تبرز التضاد الموضوعي في تأليف اللوحة التصويرية، من خلال حالات تجريدية معتمدًا على الألوان الحارة والباردة بدرجاتها المتوسطة، وخطوطها الممسكة بواقعية حياة يحاكيها "جوني سمعان" بالفراغات والضوء الخافت المنبعث من شخوصه الذابلة، والمنتظرة فك غموض الأماكن التي يضعها فيها. لينحصر البصر داخل المشهد بكل تفاصيله الفنية المنسجمة مع التضاد الداخلي والخارجي، للتعبير عن الهموم الإنسانية في المجتمعات الفقيرة التي لا تملك إلا بعض الألوان الحياتية، فتكتفي الريشة بذلك ببث الانطباعات الإنسانية الحزينة الباحثة عن انفراجات ضوئية ضيقة، ليكتمل المشهد جمالياً من حيث التوازنات البصرية الناتجة عن التعبيرات التي تظهر انعكاسيًا على الألوان المنبعثة من حالات إنسانية مؤثرة بمضمونها الإنساني.

يتسامى "جوني سمعان" فوق الحزن ليمنح الألوان البرتقالية بريقًا مختلفًا. تختلط عنده المشاعر بين الحزن، وبريق الأمل المشبع بالتوازن الحركي الموحي بحركة إنسانية تصارع بذاتية وجودها المتراخي في مجتمعات ما زالت تبحث عن هويتها الخاصة، التي تتشكل من المعاناة المنبثقة من الحدث الحاضر وهو الربيع العربي. إذ المتغيرات الضوئية في كل لوحة لا تتشابه من حيث موضوعية كل لوحة، ومشهدها التصويري المرتبط بميتافيزيقية الشكل أو الكتلة اللونية المتباينة سيمتريًا بشكل تجريدي، وكعنصر شاهد على الحدث الحاضر الموثق في لوحة فنية أراد لها "جوني سمعان" خلق محاكاة ديناميكية تتجدد زمنيًا. لتبقى كشاهد على العصر بكامله. فهو اعتمد على اللامألوف، والغرائبي في التقاط المشاعر المخبأة، ليشعر المتلقي بصدق وجداني زاخر بالألوان الدافئة، والمحسوسة إدراكيًا. مما يجعلها تسري في دواخل المتلقي، ليحاكيها ويحاورها ويتعاطف معها بجمالية فنية تدغدغ الحواس، وتحقق بمدلولاتها الرؤية الحياتية التي تؤشر إلى المعاناة الاجتماعية في الأماكن البائسة.

ترتكز الحواس اللونية في أعمال الفنان "جوني سمعان" في الكتلة أو بالأحرى في الجسد وقواه التعبيرية القادرة على تجسيد المواقف الانفعالية التي استطاع تجسيدها بجمالية ترتبط بالجسد، وتنعكس على اللون النابع من رغبة في إظهار المعاناة بدقة واقعية، وتعبيرية تمنح المشهد قوة في تحقيق الرسالة التشكيلية التي يرسلها "جوني سمعان" للزمن بكل أبعاده الحسية، وإيقاعاته التشكيلية القادرة على خلق التجدد في المضمون والأسلوب التقني المتأرجح بين الكلاسيكية والفن المعاصر، المرتبط بالحدث الحاضر، والبعد الفكري السوسيولوجي الناقد اجتماعيًا للإنسان، وتكويناته الفنية المختلفة انفعاليًا، والمتناسبة مع حالة الفرح أو الحزن أو الألم أو القدرة على خلق جماعات تتنافر وتتناغم. حيث اعتمد "جوني سمعان" بنقل المشاهد الملتقطة ببراعة انعكست على الحس اللوني المثير للبصر والجاذب للضوء، وكأنه يحاول جذب الضوء ليمنح الموضوع الإنساني قيمة فنية تتضح من خلالها عذابات شعبه. ليحقق بتأثيرية الانعكاسات اللونية تعاطفًا، يحيط بهالة كل لوحة محدودة واقعيًا ولا نهائية حسّيا، حيث يفتح المشهد ويقفله بتسلسل مع كل لوحة اختلفت بموضوعها الواقعي والتعبيري.

تشابه، توافق، تناظر سيمترية ممزوجة بغموض لون تجريدي هو أقرب للواقعية الغرائبية التي يجعل منها "جوني سمعان" موضوعات تصويرية مأخوذة من أحاسيس شخصيات لامسها، تحسسها، رسمها، دمجها مع جماعات مشبعة بوجع اجتماعي ووطني ترك الوجه بمراحل ما قد تلون بألوان الكون والضوء، وكأنه يمنح الإنسان قيمة فقدها اجتماعيًا ووطنيا، حيث تركته يبحث عن ملامحه ضمن ربيع الألوان، وتحولاتها النسبية المتوافقة فنيا وفكريًا مع جمالية الصورة وموضوعيتها التشكيلية.

أعمال الفنان جوني سمعان (Johnny Semaan)

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء لبنان