الانسجام مع المعنى الإنساني الغارق بالرسومات الموحية
ضحى عبدالرؤوف المل
تشتعل الألوان في لوحات الفنان الآسيوي "لونغ نيوغن" (Long Nguyen) لتنبض المعاني الإنسانية وتتوهج بسطوع مع كل لون على سطوح لوحات تحمل مضمونًا إنسانيًا يعالج من خلاله مفاهيم الحرب والسلام. مما يدفع الألوان إلى الانسجام مع المعنى الإنساني الغارق بالرسومات الموحية بالفكر القادر على بلوغ الذهن، كالأيادي المجتمعة فوق بعضها البعض، وكأنها صورة للدماغ البشري المتفاعل مع القضايا الإنسانية التي تدفع بالبشرية لخلق صراعات تدميرية من شأنها نزع الجمال والأمن والسلام. وهذا ما يجسده "لونغ نيوغن" في لوحاته الزاخرة بالألوان الضوئية التي من خلالها تتضح التعبيرات القوية المعنى، والواعية أسلوبيا لمفاهيم الفن الإنساني الهادف، لخلق جماليات تنطوي على إيحاءات فنية ذات تصويرات انفعالية متزنة من حيث الفراغات، والكتلة، والتوازن اللوني الموشح بأشكال نستطيع من خلالها إدراك الرسالة التي يهدف "لونغ نيوغن" إيصالها بشكل بصري إلى العالم.
يقول هربرت ريد: "إن الفن طريقة للتعبير لتبليغ معنى". إن التوزيع الضوئي ضمن الألوان الممزوجة بتقنية مكثفة يجعلنا نشعر بقوة طبقات اللون المتماسك، مما يوحي بالزمن المتمثل في الأبعاد الهادفة إلى منح اللوحة قوة محاكاة الماضي والحاضر والمستقبل. إذ تكمن أهمية المضمون في الأشكال المتراصة التي تتخذ من الإنسان العمق الوجودي أو مفهوم الحياة والموت منحى فنيًا تشكيليًا من شأنه استخراج كل ما هو باطن. مما يحرك الأحاسيس الإنسانية، لتعي لذاتها وتؤثر في الوجدان متجاوزة الرؤية المادية للوحة من قياسات هندسية، وتقنية لونية وبراعة في توزيعات الضوء نحو الرؤية المعنوية أو الروحية للوحة، ومعناها الإنساني المستند إلى قيمة الإنسان واحترام حقوقه، وإظهار جمالية الفن التشكيلي والخصائص الفنية الشديدة التباين.
خطوط منحنية توحي بالتأثر العاطفي مع اللون الدافئ، والفراغ الفاصل بين المعنى والمعنى، وكأنها تعتمد على التكرار الإيقاعي ذات الخاصية السيمترية التي تقتصر على التناظر، والتماثل، والإضاءة، وجمالية التكوين، والتجريد التعبيري المنسجم مع واقعية الرؤية التي يهبها تدرجات لونية ذات مستويات متعادلة، تتأرجح بين المنخفض والعالي، ولكنها تحافظ غالبًا على توازنات بصرية، وسينوغرافيا جمالية تحاكي الحواس بواسطة التكوينات المحاكية للإنسان. إذ يعتمد "لونغ نيوغن" على قدرة الأشكال والألوان، وتأثيراتها الغنية بموضوعية تشكيلية ترتبط بفكرة الصراع الإنساني، والحرب التي تؤدي إلى عتمة فكرية تجعل الإنسان يصبح كتلة من لحوم بشرية تؤدي إلى الفناء والدمار، وتمنع البشرية من بناء الحضارات التي تتمتع بالجمال والسلام.
تتكون في لوحات "لونغ نيوغن" لغة فنية تشكيلية ذات مفردات حياتية، تتناقض في مفاهيمها الوجدانية المتعلقة بالحياة والموت. إلا أن للبرتقالي والأصفر، ومركبات درجات اللون الباردة مع الحارة محاكاة تختلف فنيًا، وكأنه يبحث عن الجمال الإنساني الفاقد للحيوية التي يمنحها اللون. ليتوهج ويؤثر ويولّد جمالية ذات منحى تشكيلي، حيث تتحاور وتتجاور الألوان مع الأشكال الرياضية الممزوجة بواقعية تعبيرية، وانطباعات حسية تتشكل تبعًا للإيحاءات التي تنبثق من كل شكل، ولون، وفراغ، وخط، مما يمنح اللوحة تصويرات ذات مشاهد سينوغرافية تستند على دراميات الألوان وحيويتها المبنية على الأخضر المعتم، المعاكس للبرتقالي وللأصفر المشرق المنعكس على بقايا الإنسان، وأسس صراعه الذي ينتج عنه الموت بكل أشكاله. فالتفاعل الفني بين الجزء والكل يشبه تماسك الكتلة في أعمال "لونغ نيوغن" الملحمية المؤثرة في النفس الإنسانية من حيث القدرة على التعاطي مع موضوعية اللوحة، وذاتية اللون المنضبط مع الفكرة والإيحاءات الفنية المدروسة تشكيليًا بدقة ريشة ذات فضاءات خاصة.
يعتمد "لونغ نيوغن" على تنظيم العناصر الفنية تبعًا للمضمون والأسلوب المساعد في بناء اللوحة. إلا أن الإحساس بالعشوائية هو نتيجة كثافة الفكرة التي تعتمد على التكرار الإيقاعي، حيث تبدو الحالة الانفعالية للريشة من خلال العتمة، والضوء، والظل، وثلاثية الخط، والشكل، واللون المحيط بالكتل، وبتموجات حركية ذات تناقضات مرئية تزيد من الإحساس بالإضاءة، والمحاور الفاصلة بين المسافات الداخلية التي تتسع كلما تعمقنا بصريًا بتأمل لوحاته المشبوبة بمسطحات سابحة، وبتخيلات تمتص معنى انتهاكات الإنسان لأخيه الإنسان، وتخفف من حدة الموضوع أو من رؤية أشلاء الإنسان أو الأيادي الغارقة، والعيون الحائرة وما إلى ذلك.
إن طبيعة اللوحة اللونية تؤثر بالأبعاد الوهمية ذات الخطوط الضوئية المتلاشية في العمق بحيث تظهر للبصر عند الابتعاد عن اللوحة، فجغرافيتها العشوائية ذات قيمة فنية تتجلى في التضاد البصري، وتقنيات الضوء في كل لوحة، مما منحها من المواضيع الإنسانية ما يحاكي بها ريشته التي تستند على قواعد نسبية في المزج والتقنية، والإضاءة المالئة لمواطن الظلال المتوازنة مع بعضها، والمتناغمة مع الكتل والفراغات. فالمساحات الكثيفة التكوين تتعادل مع الفضاءات التخيلية المفتوحة على عدة تأويلات حيث يترك سماتها للمتلقي. ليتكون المفهوم الإنساني بموازاة مع الداخل، والخارج، وثلاثية لوحة فنان متلقٍ.
إن درجة التأثير النفسي في لوحات الفنان "لونغ نيوغن" هي بمثابة ملحمة بصرية نستمتع بالإنصات لها مرئيًا، حيث تبدو الحركة الغامضة كإيقاعات تتناغم مع الفكرة، والمضمون، والأسلوب، والمشهد الفني المساعد في تجسيد قضايا الإنسان القديم والمعاصر ضمن تحديثات رؤيوية معاصرة تحافظ عليها اللوحة ذات الجمال المعرفي، والأسلوب، واللون المخضب بالحياة والموت. إلا أن هذه المفاهيم تتلاحم بصريًا بحيث توحي بالتناسب في لقطات الريشة وانطباعاتها التعبيرية المتأثرة بتدرجات السلم اللوني، والتناسب الضوئي الذي يرفع من قيمة الشكل واللون المكمل للون الآخر.
أعمال الفنان الآسيوي لونغ نيوغن (Long Nguyen) من مجموعة متحف فرحات.
تم نشره في جريدة اللواء عام 2014