اتجاهات اللون الأسود والقدرة على الإمساك بتوازناته الضوئية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتعدد الأشكال والأحجام في أعمال الفنان "صادق الفراجي" واللون واحد: هو الأسود الواعي، الزاخر بصريًا بانعكاسات الظل والخيال والحركة والانعكاس، والتفكر الكلي بالإنسان والوجود. وفيه صعوبة الخروج من الظلمة إلى الضوء أو الانبعاث الجديد الذي يبحث عنه "صادق الفراجي" داخل العقل اللاواعي في وعي فني إبداعي يتميز بالحركة واتساع الظل الإيحائي المداعب لإيحاءات الذهن. ليعصف بالحواس برمتها ويترك المتلقي في حالة من الاستبصار التمثيلي المنضبط تشكيليًا. فالقدرات الحركية الانعكاسية بين الفراغ واللون الأسود هي الأبيض الممتد كلغة هادئة، يظهر من خلالها الفراجي الحس اللوني داخل فكرة التضاد الرياضي بين كبير وصغير، طويل وقصير، ساكن ومتحرك، فارغ ومملوء، دون أن ينسى الشفافية بين اللونين، وما تحتاجه اللوحة من حيادية يبرزها بأسلوب تكنيكي مرن. لا يخلو من تعقيدات بصرية. يحاول المتأمل في أعماله فك شيفرتها بتفكر وتأنٍ وجمال.
تؤدي التغيرات الضوئية دورها في أعمال الفنان "صادق الفراجي" من خلال التميز الفكري في بناء درامي تمثيلي، يحاكي تشكيليًا رسومات الأبيض والأسود، والحركة المرئية الناتجة عن تعاقب اللونين بين الغياب والحضور، ولذة التفاوت بينهما بحيث تتوزع الشحنات الانفعالية في اللون الأبيض، والشحنات العقلانية في الأسود. لتتوازن حركة الأسود وتنضبط حركة الأبيض ضمن معايير جمالية يحددها الفراجي حسًا بقوة على عمله الفني الملتزم بسيكو دراما معينة يريد لها الوصول للعالم، ليروي قصته الذاتية العراقية تحديدًا، وتراثيات طفولته التي ما يزال يحاكيها بنضوج واعٍ محبوك من حيث الأسس الهندسية والمرئية القادرة على تشكيل هوية خاصة به، تعيد له البيئة العراقية التي تحتضنها ذاكرته الطفولية ومشاعره الفنية وعقله الواعي المؤثر في اتجاهات اللون الأسود، والقدرة على الإمساك بتوازناته الضوئية.
تطغى الإيقاعات المتفاوتة بصريًا على إيقاعات اللون الشديد السواد أو المنخفض بنسبية ترتفع وتنخفض تبعًا للحجم والشكل، والطول والعرض، والخط الرفيع والعريض، والأضداد البصرية التي يتم التركيز عليها سلوكيًا من حيث المضمون والأسلوب، وشدة التأثر والتأثير الانفعالي المؤثر على الحواس وقدراتها الفنية. مما يحقق الإشباع الذاتي عند المتلقي، فيفهم الحكاية التي يرويها الفراجي بواسطة الحركة والسكون، واللون الأبيض والأسود في أعمال تحمل من سيرته الذاتية ما يكفي. لنحاكي مجريات كل لوحة وموضوعيتها من خلال أسطورة تاريخية، أو حقيقة واعية، أو صورة متخيلة نابعة من حي عراقي، منقوشة في أعمال تناقش مجريات الماضي بلغة الحاضر، وتمتد بصريًا إلى مستقبل فني مرئي آمن وخالٍ من تعقيدات اجتماعية يتمنى "صادق الفراجي" نفيها من الوعي إلى اللاوعي الأبدي، والثابت في لونين اختزل بهما ألوان الحياة بشكل عام، هما الأبيض والأسود في انعكاس مفاهيمي للضوء والظل، وتعاقب الليل والنهار، أو بالأحرى تعاقب الماضي والمستقبل الذي يرمز إليه الفراجي بالتداخلات والتقاطعات، والإيماء السيكودرامي المبني على التقمص لشخصية واحدة تجمع أعماله تحت مفهوم واحد هو الفن اللاواعي المنبعث من الوعي الإنساني.
يحاول "صادق الفراجي" التنفيس نفسيًا عما يخالجه من مشاعر طفولية ما زالت تحيا في الأنا، من خلال رسومات إبداعية تحمل ميزات متعددة من حيث القياس الهندسي واتزانه في لوحة كبيرة، أو لحركة فيزيائية ضوئية أو لظل ممتد أو لجمال حكاية توحي بشخصيات أسطورية، كجلجامش أو سيزيف أو سواهما، مما توحيه لوحاته على ذهن المتلقي من حكايات إنسانية ملتزمة بقضايا الحياة بكل تنوعاتها. فهو يضعنا أمام مسرحه التشكيلي كمتفرجين، نشاركه أحاسيسه الفنية بتقنية إدراكية يتسرب إلى العقل بقوة المحاكاة الداخلية والخارجية، لتبادل الأدوار معه، ومع شخصيته الفنية الممزوجة بحس عراقي متمسك بكل تفاصيل ماضيه. ليطوعها في خدمة أسلوبه الإبداعي المتوافق مع المضمون الذي يبثه للوجدان وللفكر لدى كل متلقٍ.
من وجهة نظر الفنان آلان ريدون، "الأسود هو أكثر الألوان تمثيلًا للوعي"، وهذا ما يزيد من قيمة المعنى المرئي لحركة اللون الأسود، ومفهومه غير المألوف في عالم الألوان الأخرى، والمصبوغة بقدرات حذفها من ذاكرة لوحاته. ليترك القوة في لون مشبع بالوعي والحزن، والإيحاءات التي يمسك بها من خلال حجاب المرأة العراقية القديم الأسود. فتارة نراها تتجلى بصورة أمه، وتارة أخرى كحمامة سوداء، وتارة ثالثة سيزيف والانحناء الإنساني المثقل بالمتاعب، وبتاريخ طويل من محاولات تعيد له قيمته الإنسانية. تاركًا لشخصية اللوحة صياغة حسية إدراكية ذات صفة فنية معاصرة باعتبارها مساحة من تراث حضاري تميز به كفرد عراقي عاش في جماعة وحي شعبي أحبه.
يتعامل "صادق الفراجي" مع عمله الفني بفكر فني مستحدث ابتكره، ليحقق به رؤية مختلفة تثير خيال الرائي. ويجدد التصورات الزمنية الإنشائية مكانيًا، والتغيرات السريعة في العالم رابطًا الماضي مع الحاضر، بقدرات مستقبلية جاذبة لتساؤلات تمتزج بالذاكرة والخيال الحسي لتصورات تتعلق بعالم الأساطير والحكايات، والتراثيات الإنسانية الحضارية الوثيقة الصلة بالماضي والحاضر، والعلاقة المتكاملة مع الكل. لهذا يجمع في وثائقي كل هذا في مفهوم مرئي لا يغفل العناصر، والموتيفات الأخرى التي لا تمر مرور الكرام في لوحاته دون أن تحمل معنى ما. لأن "صادق الفراجي" أضاف لتصاميمه هويته العراقية الخاصة.
تأثيرات بصرية تمنح الأسلوب منظورًا فيزيائيًا، يختلف في السيمات التشكيلية الثانوية، وينسجم معها في الأساسيات المدروسة بدقة ورصانة تشكيلية، وفكرة انتظمت فيها المواضيع والأساليب، والقياسات الحيوية المرتبطة بنظم إيمائية تتداخل ضوئيًا مع بعضها البعض. مما يؤثر على انطباعات الخطوط الوهمية التي يشكلها تبعًا للخطوط البارزة بسيمترية يواجه بها الحجم الكبير والصغير، وحركة العناصر المتنافرة والمتناغمة داخل المساحات والفراغات الزاخرة بالقيم الإبداعية والجمالية.
أعمال الفنان العراقي صادق الفراجي (Sadik Alfraji)
تم نشره عام 2014