لوحة تستمد البقاء من تفاصيل نفس امتزجت مع الطبيعة

إلى الفنان الغائب الحاضر على مسرح الحياة "فؤاد جوهر"

ضحى عبدالرؤوف المل

وتستمر الحياة في شرايين لوحة تستمد البقاء من تفاصيل الطبيعة التي انبجست من بين الألوان الانطباعية، فالقوة الحياتية تختبئ بسرية في أفعالنا التي نركنها في زوايا يومياتنا، قبل أن نترك مساحاتنا مفتوحة للغياب والحضور. وقبل أن نعجز عن الوعي الغامض الذي يجتاحنا في الحياة التي لا نغادرها إلا كجسد امتنع عن الظهور على مسرح الحياة. ما بين الحياة والموت ولادات نحياها في كثير من المجالات التي نمارسها بمحبة تطغى على أساليب البقاء، ولكن نترك بعض الجينات المحفوفة بخلايا لا تموت بدون سبق إصرار وترصد. لأننا نرتكب فعل الإبداع الجمالي والأثر المقرون بالفكر التواق إلى روحانية التكامل بين الطبيعة والإنسان، وهذا هو البقاء المعطاء أو الصدقة التي تحمل صفة بصرية تدركها الروح من خلال العين التي تتعمق بصريًا بكل جزئيات الجمال الخلاق.

ربما ما جعلني أخرج عن صمتي الإيجابي هو الصمت الفعال، الذي شعرت به بعد سكون أصابني من رقم خليوي ما زلت أحتفظ به. لأني كلما نظرت إلى الطبيعة في لوحات مدها بريشة الحياة، تصيبني الدهشة من قدرات الإنسان على ترجمة تفاصيله الجمالية وسط الملوثات التي نتعرض لها بشتى الوسائل، وقوة الحضور الحسي داخل أنقاص لوحة تفوح منها عطور الطبيعة الغناء التي فتنت روحه، وطبعت قلبه على حب الجمال لنتوحد معه في كل رؤية منحها وجوده المستمر فيها، مع السمو في قيمة الانطباعات المتأثرة بالبصر والحواس.

يا سيدي..

كلما نظرت بعمق إلى لوحة تعزف لحن الحياة، أسمع الصوت الذي تناهى إلى سمعي، كحفيف ريشة تلامس الأقمشة برطوبة ماء تتلون فيه الحياة، وكلما أمسكت بالخليوي لأهاتفك، أشعر بغصة تلفحها دمعة اختنقت بحرارة الغياب. لأن النفس التي مزجتها مع الماء، والألوان ما زالت كعبير جمال يمنح الأرواح إشراقة جمال نبحث عنه في كل صباح، وما زالت شقائق النعمان تتورد وتزداد حمرة، ومن حولها تفرش الطبيعة سجاجيدها الخضراء المزدانة بالأبيض، وبفراغات نسمع من خلالها نغمات ناي نفتقده. كلما حن الغصن لزهرة تركتها على الأغصان، أو لشجرة زيتون وارفة أظهرت جمالها بتفاصيل نراها بالحس والوجدان، فالجمال في ريشة حملت بصماتك التواقة للحركة، وللانغماس في الألوان ما زالت تطفو على كل لوحة ترجمتها أحاسيسك بمختلف المشاهد، والتفاصيل الجمالية لطبيعة ساحرة غمرتها بالحب والجمال.

يا سيدي...

لم نلتقِ والتقينا، لأن الجمال يبث الروح نعمة الوجود الخلاق، ولأن الفن الانطباعي يترك إرثه في عروق قماش حن لمن خط عليه معالم الحياة، فكيف سأقاوم الصمت الذي أصابني في غيابك بصمت آخر فعال؟ وكيف أرى الطبيعة بعيون مجردة من فلسفة أغرقتني بالتساؤلات؟ إن كل لون من الألوان في لوحاتك سيدي هو وجود لا ينفيه الموت، وكل حركة ضوئية تركتها بين الظلال هي عتمة ساحرة تنبثق منها تفاصيل الفن المتقن لمائيات لن يجف بريقها، ولن تصاب بتعاقب فصول تجعلها تتأثر بدورة الحياة. ربما يا سيدي، المرئيات تتحرك بعبق تواجده الحسي، كما تتواجد النفس المطمئنة العابقة بالجمال بين ثنايا اللوحات، إذاً ليس بالروح وحدها تحيا الأجساد، فالنفس الممتلئة بالجمال تترك آثارها على الجوهر الضوئي في طبيعة لوحات تزدان بالعنفوان.

إن كل لوحة فنية تركتها، ككائنات رسمتها تفيض بالحيوية والجمال، هي بمثابة إرث تنعم به الأجيال، فالدقة والإتقان في أسلوب تميز بالانطباعية التي تؤثر روح الأشياء، وكنهها العميق في التطابق مع الواقع والحقيقة هي إقرار بروعة الخالق، وحسن عبادة المخلوق الذي يتأمل كل حركة كونية، وكل جزء في الطبيعة التي تحكي حكاية الإنسان. لأن الجمال آية تنبعث من فطرة الكون، فنشعر بمناداة داخلية تدعونا إلى تجسيد كل ما نتأمله، كما تترجمه الحواس، وهذا ما نلمسه في لوحات حملت نبض الألوان بروحانية فنان مزج الطبيعة بالطبيعة، فتولدت مناظر ومشاهد من كل حدب وصوب من لبنان. بل وُلدت لوحة تستمد البقاء من تفاصيل نفس امتزجت مع الطبيعة في لبنان.

ما زلت أشعر بفرحة في صوتك، وهو يحثني على التعبير والكتابة عن كل ما أراه. فرأيت لوحاتك وسمعت صوتك، وأدركت عمق الإنسان الحاضر بين لون ولون، وعند كل زيتونة وزهرة وغيمة وسماء، وعند كل طبيعة محفوفة بالخضرة والجمال، فأين الغياب سيدي وأنت ضمن الفواصل، وفي الفراغات غير المرئية تحكي للأجيال عن الطبيعة التي تكونت. لتمنح الإنسان آيات الشكر والإحسان. أين الغياب وسيرة الحياة التي أبدعت في نسجها هي جزء من كل ما هو آت؟ أين الريشة والألوان والماء؟ سنقتفي الآثار، ونتأمل الأعمال، ونجمع الأفكار في سلة مملوءة بالجمال. لنخضّب بها أطر اللوحات الحزينة لتفرح بحضورك فيها، كفراشات تحيا على الضوء وتغفو عند غصن شجرة من سنديان. أليس هذا ما رسمته يا سيدي بأنامل ترتجف عند كل صباح تنفس، وعند كل مغيب صمتت النفوس فيه وسكنت إليه الكائنات؟

بقلم ضحى عبدالرؤوف المل

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء