تصويرات تشكيلية تحيل عالم الجمال إلى مادة انتقادية بحتة
ضحى عبدالرؤوف المل
ترتبك الصورة المرئية في أعمال الفنان "ميشال قرصوني"، كما تلتف الخطوط بغموض مبالغ فيه في الشكل والحجم. يسخر بطريقته الفنية من مجتمع انقلبت فيه مقاييس الجمال، بل وارتبطت بالتقليد، والاعتماد على المبالغات في كل شيء، حتى في ما يخص المحيط الإنساني وتكوينه الأساسي المبني على نسبيات تتناسق مع مفهوم الإنسان والتنوع الجمالي الخاص فيه. إذ أن العناصر الفنية في لوحات القرصوني تغوص في عمق بحر الإنسانية، لتكشف عن متاهات النفوس بتراجيديات اجتماعية بالغة العمق المضموني، وغامضة من حيث علاقات الخطوط المتشابكة، والأشكال المتشابهة، والألوان المختلفة من حيث تداخلها مع بعضها البعض أحيانًا، وبخاصية الألوان السوداء الواعية رغم عشوائيتها الاعتباطية التي تبرز من خلالها التفاصيل التكوينية الداخلية، والتدرج اللوني من الأدنى إلى الأعلى وحتى حدود الكثافة القصوى.
تحتضن اللوحة صفات كل شخصية تركت الأثر النقدي اجتماعيًا فيه، أو بالأحرى الأثر الجمالي المتمثل بالشفاه والعضلات، والصدر، والتعالي الحسي عن الصفة العفوية والفطرية لتكوينات الإنسان العادية. مما يجعله يجنح بالشكل نحو ضخامة الأحجام أو تكبير الصورة بصريًا، لتوحي بالمعنى المحيط بنا اجتماعيًا من جميع الجوانب الموضوعية والذاتية، فهو يضاعف من عناصر الجذب الفني المثير ذهنيًا، ليحاول الرائي فهم سرياليته الاجتماعية وفك شيفرة الخطوط المتشابكة، وكأنه يمارس نوعًا من التاتو الغرافيكي المختلط بين التشكيل، والأساليب الفنية الأخرى أو بالأحرى مزج تصويري فني ينتقد به ما يشعر بالمبالغات فيه.
يتقن "ميشال قرصوني" منح الأشكال التشكيلية صفة السريالية الاجتماعية التي تنتقد فنيًا التلاعب بالشكل، والتكرار التقليدي في تضخيم الشفاه أو أي عضو من أعضاء الجسد. بما فيها المباهاة بالجمال المعدوم من المقاييس البصرية المثيرة للاشمئزاز، كنوع من الإحساس النفسي الذي يستفز المتلقي نحو الغوص في المعاني وفهم رسالته الفنية من حيث البحث عن المعنى داخل الشكل، وليس عن الشكل وما يحمله من تناقضات مفاهيمية تعرضت اجتماعيًا إلى انتهاكات متعددة. فالأسود في الخطوط العريضة غالبًا هو إظهار المخفي الحسي، لتراه العين ويمتصه البصر، ليصبح كمادة فنية مقروءة تشكيليًا بلغة تراجيدية مثيرة للضحك، أي مضحك مبكي. فهو يتخذ من الشؤون الحياتية تصويرات تشكيلية تحيل عالم الجمال إلى مادة انتقادية بحتة، تتسع لتناقضات عائمة في نفوسنا، وتطرح ألف سؤال: لماذا نسعى خلف عمليات التجميل؟ وهل الجمال والقبح على كفتي الميزان اليوم؟
فلسفة جمالية اجتماعية يطرحها في معرضه الفنان "ميشال قرصوني"، إذ لا يمكن أن نتصور الجمال بدون المقاييس المتناسبة والمتناسقة مع الحجم أو بمعنى العودة إلى الفطرة الإنسانية، وجمالية اللون الطبيعي الذي نبحث عنه بعد الخروج من معرضه، وكأنه جعلنا نرى المجتمع بمكبرات بصرية نكتشف من خلالها سلبيات الفرد الباحث عن الجمال الصناعي الفاقد لروحانية الخلق، ولكنه استطاع ترجمة ذلك من خلال لوحات برزت فيها العضلات ككتلة صخرية تعج بالحركة والخطوط التي يصعب فهمها. إذ يجمع الخطوط مع الألوان بغرائبية ترهق المساحة، وتجعلها توحي بثقل الأشكال والأحجام والألوان، ولكن بلغة فنية تحمل أهدافها الاجتماعية وجمالية من نوع خاص.
تبدو الرسومات ككتل متراصة تتحرك لتجتمع ضمن كتلة واحدة يصعب فك شيفرتها الغامضة. إلا أنها في العمق توحي بالإنسان الذي يسعى إلى محو الجمال بقبح فني غير مفهوم، لكنه يخاطب بكل لوحة الحس الإنساني، ويدعوه إلى رؤية الذات، والبحث عن التكامل والتناسق، وبث الاختلاف في كل شيء بات يشبه بعضه البعض، أو كخلايا حية تتحرك على الأرض. فالألوان الحارة والصارخة بتوهجاتها من الأحمر، والأسود، والأصفر المشرق، والبرتقالي الشديد الكثافة، ما هي إلا لغة لونية يتوجه بها إلى الحواس الغارقة في متاهات الشكل دون الاهتمام بالألوان وجمالياتها الطبيعية الهادئة للنفس المبتعدة عن مثيرات الألوان الصناعية القوية. وهذا ما يضع اللوحات في خانة الفن التشكيلي الاجتماعي المثير تقنيًا للجدل الفني، وقدراته من حيث لفت الذهن إلى ما يحيط بنا. يقول جورج سانتيانا: "إن التعبير عن الحقيقة قد يدخل في تفاعل القوى الجمالية ويخلع على تصوير الأشياء قيمة، لولاها لأصبحت هذه الأشياء تدعو إلى النفور والاشمئزاز."
إن قوة الدلالة في أعمال الفنان "ميشال قرصوني" تطغى على الأشكال المختلفة والمنظور البعدي، بحيث يترك كل منها الأثر في النفس عند المتلقي، فهو يجعلنا نشعر بالصخب والهدوء في آن، والإحساس بالبعد والقرب من الجمال والقبح لما يحمله المعرض من تضاد في المضمون والأسلوب، ونفحة تشكيلية ناطقة بإيحاءات واقعية، مدموجة بتعبيرات حركية تبعدنا عن المكان والزمان، وتضعنا وجهًا لوجه أمام الإنسان والأخطاء الجمالية التي يقع فيها. إذ تبدو براعة الريشة في الانتقال بالمستويات الفنية التي تضفي على الأعمال قيمة جمالية واضحة في كل لوحة تحمل مضمونًا ما، وتحوله إلى خصائص فنية ذات تشكيلات تبتعد وتقترب من السريالية بل! وتلامس لغة الانتقاد الاجتماعي من خلال إظهار الانفعالات النفسية على الخطوط واتجاهاتها، والضوء وتدرجاته، والتعتيم، والتفتيح، والتظليل، والتراكيب اللونية التي تبدو كقصص فنية اجتماعية ذات مغزى إنساني معاصر، يطرح من خلالها هموم الإنسان المتعب من التغيرات والتحولات في الأشكال النابضة بالحياة.
أعمال الفنان ميشال قرصوني (Michel Karsouny)
تم النشر عام 2014 في جريدة اللواء