الغموض في لاوعي اللوحة الفنية
ضحى عبدالرؤوف المل
يمزق "أنس حمصي" الألوان، فتتقاطع الأشكال وتتناقض حركتها الانفعالية تبعًا للعلاقة الداخلية المنبعثة من كتلة العناصر المترابطة بين الفنان واللوحة والألوان والخطوط. إلا أن السماكة اللونية تؤلف عناوينها من خلال اختلاط الوجوه مع بعضها، وهذا يوحي بإصرار الريشة على خلق أشكالها المتنوعة، المندفعة من اللاوعي الفني الذي يترجم قوة التفاعلات مع اللون، ومستوياته الموجية والتدرجات بين الفاتح والغامق، وما يثيره التضاد الفني في الأشكال المختلفة أحجامها، من عصف ذهني يؤدي دوره الفعال في جذب الأحاسيس إلى الأنماط الموضوعية وذاتية الفكرة التي انطلقت بلاوعي نحو فضاءات لوحة رسمها وفق تصورات إنسانية تتنازع فيها مفاهيم الغضب والشفافية، والتسامح، والحب والكره، وحيوية أضاف لها قوة اللون النابض بتعابير مزجها بأحاسيسه المتناقضة الباحثة عن الغموض داخل لاوعي اللوحة الفنية.
يخفي "أنس حمصي" استفزازات حسية في نتف اللون ومزاجية الخط، والشكل المتلاشي وسط متاهة الملامح المتداخلة مع بعضها البعض. إلا أن التعبيرات البصرية انحصرت في تقنية اللون وحركته الوجدانية، المؤثرة في النفس. إن تهذيب التقاطعات التي نشأت من التمزقات اللونية أو فيما يشبه (déchiquetage de petits papiers)، ولكن بلغة اللون الواعي والمستفز للبصر، مما يخفف من نسبة احتقانه، ويمنحه بهجة مريحة في أبعاده الإيحائية التي ينبغي للخط أن يترجم كل حركة فيها، بمرونة تشكيلية تاهت في لوحات أخرى، تتذبذب فيها المواضيع الاجتماعية التي تكشف عنها كل لوحة يحاكي فيها الذات بوجودية الوجه الغامض، البارز كمستطيل مغلق يعج بكثافة يظللها انعكاسيًا. لتتراءى من الملامح أحاسيس مختلفة سواء الغضب أو التسلط.
ساس "أنس حمصي" الخط، وجرده من ذاتيته التكنيكية، وقسا عليه بسماكة لون، أو أخفاه بطبقات متتالية، أو تركه ضمن لونيات ينقاد إليها بخريشات غامضة تجذب إليها البصر تلقائيًا، وتستحث الوعي الناضج في بلورة المعاني النفسية التي نتجت عن اختلاط المفاهيم الفنية مع النفسية، فنتج عنها لوحات تحاكي اجتماعيًا العائلة، وتكويناتها الإنسانية، والألفة، والمحبة، والطفولة الباحثة عن الحنان، والحب، والدفء العائلي ضمن سوسيولوجيات قدمها "أنس حمصي" بصدق فني جعلكه لونيًا. ليمارس رفضه لكل قسوة عاطفية، تتسبب بخيال يجنح نحو فضاءات تخيلية، مثقلة بتقنية لونية ذات طبقات متتالية تتكرر إيقاعيًا حركتها الضوئية، المتفاوتة نسبيًا تبعًا لتدرجات كل لون أغرقه بظل لون آخر.
تبرز نتؤات اللون من خلال الفواصل المتراكمة بين طبقة وطبقة لونية استطاع تركها تتجمع، وتنكمش تبعًا لعناصر المادة التشكيلية التي يصر على إيضاحها مرئيًا. بل وترويضها، لتظهر كما يريد لها أن تبدو متماسكة متآلفة، ومحبوكة بقساوة ريشة تبحث عن الليونة في ضوء ترك ثغراته بين الظل والعتمة، والغوامق من الألوان الحارة والباردة، لتبدو ثنايا الخطوط تتعرج مع الألوان رغم استقامتها عموديًا أو أفقيًا أو حتى دائريًا، وفي المنحنيات الأكثر ليونة من الخطوط الأخرى.
تناسقات انسيابية تتشكل متحاورة ومتجاورة وفق اتجاهات الخط واللون، والمعنى التجريدي المتضمن إيحاءات تعبيرية تندرج مع الحس السيميائي، وبروز الألوان بخشونة على سطوح اللوحة المنضبطة إيقاعيًا والعشوائية لونيًا مع المربعات والمستطيلات، وتعرجات الألوان البنائية في أغلب أشكالها المتنافرة والمنسجمة مرئيًا، مع الحركة الداخلية والخارجية للضوء وانعكاساته. كما تكشف الانفعالات اللونية عن حركة أشكال تبدو ملامحها الإنسانية الباكية، والضاحكة، والعابسة، والمبتسمة مع الاهتمام بإظهار تفاصيل الجرأة المستوحاة من الحقيقة الواقعية، لمفهوم العائلة في المجتمع العربي بشكل خاص.
يحدد "أنس حمصي" حجم كل شكل تبعًا للكتل اللونية المشبعة بدرجات معينة من كل لون أساسي أو مركب، فتتميز الكتل بزواياها المتفردة حسيًا من حيث الاتساع والإضاءة، والتعتيم، ومن حيث جمالية التعبيرات والاتجاهات، والصياغات الفنية المحبوكة بأسلوب يرتكز على كثافة الطبقات اللونية المتوائمة مع الموضوع والأسلوب، والتصغير والتكبير في أحجام النتؤات اللونية، وتنوعها في مختلف التشكيلات البارزة حسيًا وبصريًا متخذًا من الوجه مساحة تعبيرية خاصة منفصلة عن مساحة اللوحة.
إن التشابه بين لوحات "أنس حمصي" هو إصرار على تشكيل نفسي يندمج نوعًا ما مع مفهوم (art brut) الذي ينتج عنه مفاهيم جمالية تنبع من عمق الفرد النفسي غير آبه للقياسات، ولقانون الأكاديميات الفنية، إنما تتشكل تبعًا للحس والذوق الفني التشكيلي، وعن قدرة الفنان في بث اللوحة نفحة من فطرية تلقائية مقترنة بالإبداع الذي يعالج به النزاعات النفسية التي تتحاور مع الفنان واللوحة والرائي، وذلك برشاقة وقساوة بين الألوان نفسها أيضًا. إذ أن التوحد في الشكل مع المستطيل هو حالة من الذوبان والتلاشي مع المربع اللوني، والأبعاد المجردة من الزمان والمكان، والمحدودة ضمن ثنائية معنوية تتراوح بين "أنا" و"نحن"، وتلك الشخصية الجريئة التي تروم أعماله أكثر مما ينبغي، وفي هذا إصرار فني على تواجده، وكأن الريشة تحاول إظهاره برغم تغطيته بأكثر من طبقة لونية.
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء.