الفنان التشكيلي محمود زيباوي لجريدة اللواء :" العلاقات الداخلية هي جوهر العمل"
حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل
تنغمس الألوان مع التراب أو الفخار أو الصلصال، فتتشكل الألحان تبعاً للشكل والمضمون، ولروحانية كل لون يبثه "محمود زيباوي"، الذي يحمل فلسفته الخاصة في الفن. يكتم أسراره الذاتية، ويبتعد عن الانفعالات اللونية العشوائية، ليتمكن من توزيع الألحان ضمن كل تناسب وتباين يجبره على الانضباط من خلال تدرجات ضوئية لها قياساتها المدروسة، البعيدة عن العشوائية والملتزمة. فاللوحة في أعمال "الفنان محمود زيباوي" هي كتلة فراغها إيحائية، وأبعادها مشحونة بمسطحات لونية تمتزج فيها الألوان الصفراء والخضراء والمركبة من الألوان الترابية، وكأنه يمزج فرشاته الداكنة بمركبات صلصالية المنشأ. لكنه يترك في الوجه أسراره من حيث القياسات النسبية بين تحت وفوق، ومن حيث المعنى الداخلي في الملامح العميقة. وانطلاقاً من هنا كان حوارنا مع الفنان التشكيلي "محمود زيباوي".
- تلتقط انطباعياً لحظة حسية تجسدها تجريدياً على الملامح، لماذا هذا الأسلوب؟
كلمة "انطباعية" تعتمد على الطبيعة الضوئية. يقول بول فاليري: "حين نتحدث عن الرسم نصبح خارج الرسم." الرسم لغة قائمة بذاتها، فالموضوع يشكل حافزاً لهذا الوجه، وبالنسبة لي هو الحافز. لأن أسلوبي مبني على اللون والضوء، ولأني في الظاهر موضوعي بشكل نسبي. إنما ما يتغير هو المعالجة الفنية مثل نوع ورق معين، سماكة معينة، شغل على التدرجات، فالأعمال على الخشب تحتاج معالجة كاملة، ثم بعدها عملية التوسيع في جملة لحنية، وتوزيعها يختلف. وعملي الذي أحبّه هو هذا التنويع، وأيضاً في الطبيعة الصامتة، ويتصل بشكل لا واعي بما أفعله بالوجه من لون ترابي، وأصفر غامق، وعسلي. لأن الموضوع لا يوجد فيه إنشائية. كلما خرجت من الوجه يصبح الوجه هو الموضوع والفضاء الحر.
- هل تنتظر الإلهام الفني لتتجلى الريشة مع ألوانها أم أن القلم يستمد كلماته أسرع؟
يقول بول بودلير: "الإبداع هو العمل اليومي." أنا ألتزم بالعمل الفني. في الماضي كنت متفرغاً تماماً للرسم، بعدها أصبحت باحثاً فنياً. فحين أعمل بالرسم أغرق في الرسم تماماً، وحين أغرق في الكتابة أيضاً أغرق فيها تماماً. في معرضي سنة 2012 كنت كل يوم أعمل في بداية النهار الأولى، فساعات الخصوبة عندي هي في الصباح. مؤكد هناك شيء اسمه إلهام، إذ أول بيت في القصيدة هو من الله، والباقي من الشاعر، وإذا لم يأتي باقي القصيدة يصاب شاعرها بالجفاف، والفنان كذلك.
- ترسم والألوان التجريدية تميل إلى الصفرة والحمرة، لماذا هذا المزج الخريفي؟
أرسم باللون وحتى باللون الواحد مع التوشيح والتظليل والتفتيح والسطوع، فالرسم باللون هو الصفة الصحيحة.
- هل تخضع للمعايير الأكاديمية في بناء اللوحة الفنية؟
أنا الآن عكس بداياتي، كنت أؤمن بالحدث والعفوية. أما الآن، حتى ذائقتي اختلفت، لكن لست كلاسيكياً أبداً، فكل مدرسة لها تقليد، وأنا أميل إلى فن موزون ومدروس لتأليف مسبق. كنت أعرض أكثر فيما مضى. الآن أشعر فنياً أنني غريب، فأنا لا أميل إلى المدارس التي تسمى ما بعد الحداثة، وهذا أنا غريب عنها. التجريبية للتجريبية لا أميل لها أبداً، أو التجهيز الفني يكتمل مع المشاهد والعمل يجب أن لا ينتهي. أنا شخصياً لا ألتزم بهذا وتذوق الفن يتطلب جهداً مشابهاً لخلق لوحة.
- لا تفصح عن مكنون ذاتك في أعمالك الفنية، فهل تبحث عن الموضوعية في الفنون التشكيلية؟
نعم صحيح. سنة 87 كان إمضائي مختلفاً. يبدو كأنه غير ظاهر حتى في اللوحة. لأنني لا أحب إظهار مكنون ذاتي. اليوم الإعلام يتحدث عن كاتب الرواية أكثر من الرواية، وعن الفنان أكثر من اللوحة. أنا شخصية قلقة، وهذه الإشكالية هي فحوى عملي. أنا أشبه الأيقونة وأنا نقيضها. دائماً هناك سجال في هذا. معرضي في البلمند يوجد فيه أربع لوحات من سنة 2003 بدأت بهم ولم أضع الصيغة النهائية إلا بعد سنوات. وأحياناً تكتمل اللوحة بعد التأليف حيث يكتمل الإنجاز الفني.
- تحاول تغطية كل فراغات اللوحة، ولكن لفراغات اللون فواصلها البارزة بصرياً. ماذا تقول عن ذلك؟
حتى في هذا المعرض نوعان على خشب وعلى ورق. ولكن أستعمل الألوان المختلطة من زيت وماء وشمع. هناك بياض، لكن بعض اللوحات مؤلفة من صيغتين مثل اللحن على آلتين. أحب عكس المزاج اليوم، نلمس التقشف بالمادة، وهذا ما أسميه "الفن الفقير". أنا مع اللوحة التي تشبه نافذة ولا تشبه باباً، إذ أشعر بالألفة في الأحجام الصغيرة والمتوسطة.
- تعتمد على الشكل البسيط واللون المسطح، هل تحاكي الفن التشكيلي أكاديمياً؟
الفن الحديث حاول توحيد الأبعاد والفنون القديمة، وكذلك المنمنمات، ليس لجهل قواعد المنظور. هناك مدرسة تنقل المنظور كما هو، ومدرسة تعيد خلق المنظور، وأنا أميل إلى ذلك في فنون أرسطوطالية وفنون أفلاطونية. أنا أنتمي إلى الأفلاطونية المحدثة التي تقول "منزلة بين منزلتين".
- ألا تعتقد أن الأداء المنضبط في الفن يؤثر على جمالية اللوحة؟
لا، أبداً بالعكس. أحب الأداء المنضبط. هذا أسلوبي. ممكن أن أحب القصائد الموزونة كما أحب قصائد النثر، لا أقلل من قيمة هذا أو ذاك، المهم تواجد الروح. وإلا فلا توجد مدرسة تلغي أخرى، فكل شيء له جماله. أنا أميل إلى الانضباط، وأنا الآن مع الانضباطية الجديدة.
- تبدو اللوحة أكثر صرامة من فن أيقوني يحمل رسالة ما. لماذا كل هذه القيود في لوحاتك؟
ليست قيوداً أيقونية، ودائماً أفصل بين عملي كباحث وعملي كفنان. لأن القلم لا يسمح لي أن أكون كذلك. فمن يعمل في هذا الفن الأيقوني هو في خدمة النقطة. هذه النقطة هي الله وهم حولها. أما بالفن المدني، القصة معقدة. لأن الفن الديني في خدمة الفنان الأكبر، هو الله. أنا أتمنى أن أكون ذلك، لكن لا أمتلك القدرات من صفاء روحي وما إلى ذلك.
- هل تخاف العشوائية والعفوية في الفن؟
نعم، أخاف العشوائية ولا أحبها، هذا أكيد.
- ماذا تعني لك هذه الكلمات؟
الشكل: هو الأساس، لأن الشكل قائم بذاته في الفن أو نقطة الانطلاق والأرضية التي يؤسس عليها.
المضمون: مهم جداً، والأهم أن يكون الخطاب غير تبشيري. "ماتيس" كان يحب أن تكون اللوحة كمقعد مريح، أما أنا فأميل إلى اللوحة المثيرة للأسئلة (فنون الروح).
- عفواً، ما هي فنون الروح؟
فنون الروح هي اللحظة العابرة، هي التي تجعل من العابر أبدياً. وهذا ينطبق على أبسط الأشياء مثل وردة عادية، ووردة في تجلي. هرقليط يقول: "لا يمكن الاستحمام في نفس النهر مرتين." هناك وجوه عابرة ووجوه في حالة تجلي.
العلاقة الداخلية: أهم شيء في الفن. هي جوهر العمل. فأنا أرسم وجهاً داخلياً وليس بورتريه.
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء لبنان
من خلال تحليل الحوار مع الفنان التشكيلي محمود زيباوي نلاحظ انه يقدم نافذة غنية لفهم فلسفته الفنية ورؤيته للعلاقة بين اللون، الضوء، والشكل في أعماله الفنية. زيباوي لا ينظر إلى الفن باعتباره مجرد أداة للتعبير عن الذات، بل هو عملية تفاعل مع المادة، الضوء، والأبعاد التي تخلق توازنًا دقيقًا بين العناصر المختلفة. هذه الرؤية تتعدى الحدود التقليدية للفن، حيث يتعامل مع اللوحة ككتلة من الفراغ المليء بالمعاني، ليس فقط كمكان للتمثيل البصري.
يستهل زيباوي حديثه عن فلسفته في العمل الفني من خلال تسليط الضوء على مفهوم "العلاقات الداخلية"، وهي فكرة تشير إلى التفاعل المعقد بين الألوان والضوء والعناصر المكانية في اللوحة. هذه "العلاقات الداخلية" تشير إلى جوهر العمل الفني عند زيباوي، الذي يراه ليس فقط جمالية بصرية بل كعملية تفاعل فكري وروحي عميق. كل لون، كل ملمح، وكل ظل في عمله يحمل بعدًا روحانيًا، ويُظهر توازنًا دقيقًا بين العشوائية والانضباط، وهو ما يُميز أعماله عن غيرها من الفنون المعاصرة.
عندما يتحدث زيباوي عن التزامه بالعمل الفني اليومي، ويُعرّف الإبداع بأنه "العمل اليومي"، يوضح أنه يرفض الانبهار بالعفوية أو الفوضوية في الفن. فهو يقتنع أن الإبداع لا يأتي من لحظات الإلهام الفجائية، بل هو نتيجة للالتزام والانغماس التام في العمل، سواء كان الرسم أو الكتابة. بهذا المعنى، هو لا ينظر إلى الفن كما لو كان عملية عبقرية عفوية بل كعمل مُخطط ومدروس بدقة، حيث يفضل "التأليف المسبق" على التجريب لمجرد التجريب.
عندما يتحدث زيباوي عن مزجه للألوان الصفراء والخضراء والألوان الترابية، يذكر أهمية التركيز على "التدرجات الضوئية" و"التوازن" بين الألوان، وهو ما يظهر في أعماله الفنية التي تعتمد على شكل تجريدي. هذا المزج الخريفي للألوان ليس مجرد اختيار بصري، بل هو استحضار لروح الأرض والمكونات الطبيعية، ما يعكس رؤية عميقة تتجاوز الرسم التقليدي. حتى الفراغات التي يتركها في اللوحة ليست عبثية، بل هي جزء من العملية الفنية التي تبني علاقة تفاعلية بين الألوان والمساحات الخالية، والتي تعزز الإحساس بالحرية والانفتاح في العمل الفني.
تظهر في الحوار مسألة معقدة بين الشكل والمضمون في عمل زيباوي. فهو يولي أهمية كبيرة للشكل، لكن دون أن يغفل عن المضمون. يوضح أن الشكل هو "نقطة الانطلاق" في الفن، وهو الأساس الذي يبنى عليه العمل. لكن المضمون، في رأيه، لا يجب أن يكون تبشيرياً أو موجهًا، بل يجب أن يكون مثيرًا للأسئلة، محملًا بالرمزية والأبعاد الفلسفية التي تمنح العمل الفني عمقًا وثراء. يتجلى ذلك في إصراره على أن اللوحة يجب أن تكون "مقعدًا مريحًا" يشد الانتباه ويحفز التأمل، وليس مجرد تمثيل لموضوع مكرر.
الرؤية الأكثر وضوحًا في حوار زيباوي هي التأكيد على الانضباط في العمل الفني. هو يرفض العشوائية ويدعو إلى الانضباط الفني كجزء من عملية خلق الفن. هذه الرؤية تتعارض مع التجريبية التي سادت في الفنون المعاصرة، وهو بذلك يعارض المدرسة التي تنظر إلى التجربة لمجرد التجربة أو السعي وراء الجديد بلا أساس. بالنسبة له، الإبداع يحتاج إلى توازن بين الحرية والإحكام، وبين العفوية والانضباط.
عند الحديث عن فنون الروح، يقترب زيباوي من مفهوم فلسفي عميق يعكس كيف يمكن للفن أن يعبر عن اللحظة العابرة ويحيلها إلى شيء أبدي. الفنون الروحية، بالنسبة له، لا تتعلق فقط بالموضوعات الملموسة، بل هي لحظات تتجسد فيها الروح من خلال أبسط الأشياء، مثل وردة عادية، التي يمكن أن تتجلى بلغة فنية تعكس التغير المستمر والتجلي الروحي. هذه الفكرة تعكس أيضًا رؤيته الخاصة للأيقونة، حيث يرى الفن في خدمة فكرة أسمى، ربما هي الروح أو الله، ويفصل بين الفن المدني والفن الديني في السياق ذاته.
محمود زيباوي يقدم في هذا الحوار فهماً عميقًا للفن والتعبير التشكيلي لا يقتصر على البعد الجمالي فحسب، بل يعكس رؤية فلسفية وروحية تهتم بالتفاعل بين العناصر، بالضوء، باللون، وبالعلاقة الداخلية التي تحكم العمل الفني. هو ليس مجرد فنان يسعى للتعبير عن نفسه أو عن العالم الخارجي، بل هو فنان يحاول أن يخلق حالة من التجلي الداخلي الذي يدعو المشاهد للتفكير والتساؤل.