النحات "وليد محمود" في حوار خاص لجريدة اللواء: النحات ضيف شرف على هذا العالم
حاورته: ضحى عبد الرؤوف المل
تؤدي الصياغات النحتية إلى نشوء لغة من شأنها خلق تقنيات جمالية مستحدثة، لأنها تحاكي الأزمنة وتراثيات تدوم في متاحف الحياة التي تعيد لنا حكاية الإنسان في كل مرة نرى فيها ما تركه لنا الأجداد، وما يتركه كل فنان من إرث فني له خصوصيته البنائية وجماليته النحتية. إن أعمال النحات "وليد محمود" تحمل ليونة بصرية لا تخلو من شاعرية منسجمة مع الخطوط، ومتناسقة مع خامة البازلت الأسود والغرانيت. إلا أنه ما زال يحمل ازميله كحلم يرى من خلاله العوالم الإنسانية المختلفة، ليخترق المادة الصلبة بروحانية نحات يمتلك أدواته ويتقن صنع كل مفردة فلسفية يريد لها أن تحاكي الفن والجمال بفكر نحتي له ميزته الخاصة. فكان لا بد لي من محاورة النحات "وليد محمود" لاكتشاف مكنونه النفسي ومس قدراته الإبداعية أكثر.
1. خامة البازلت الأسود والغرانيت، وما الذي يميز مدى علاقتك بهما؟
أنا لا أؤمن بالعروبة، أنا أؤمن بالفنيق.
الحجر القاسي خصم شهم يمكن ترويضه وتحويله إلى صديق. إذا أصبح لدينا صديق شهم، فهذا يعني الوصول إلى أسمى علاقة إنسانية بين اثنين. الحجر ينبض بالحياة له دوره الدموي وله صولجان وتاج ومملكة. هو عالم مكتمل تمامًا، والنحات ضيف شرف على هذا العالم. المنحوتة الحجرية موجودة أصلًا ضمن الحجر، والنحات الحقيقي من وجهة نظري يأتي بأدواته ولغته ويطرق باب هذه المملكة التي هي الحجر، فتنتفتح أمامه كشرنقة، لتنفلت فراشة بألوانها وإيماءاتها وإسقاطاتها وموسيقاها، لتأخذ وضعية الرقص مع ميسم ومدقة في زهرة ملحمية بين هذا الفنان وكتلته. ليخدم فكرة أو موضوعًا أو لقطة، وقد تكون لحظة تخدم ما أمام عينيه، وما يملأ حواسه الخمس من قضايا تلامس هذه الحواس. لتخدم أبناء لدنته من الإنسانية، فالفنان في البداية والنهاية هو عبارة عن سفير لحراك روحي وجداني وعقلاني، وقد يكون لاهوتيًا في تضاد يشبه المد والجزر على شاطئ الإنسانية.
2. تنتمي منحوتاتك إلى الشكل الإنساني التجريدي والرمزي، ماذا تقول عن هذا؟
الفن مجموعة رسائل في عدة خطوط، وعدة لغات على ورقة واحدة. هذه الورقة هي المنحوتة، وعلى اللغات والثقافات والخطوط والألوان والهسيس أن يرقصوا على هذه الورقة، لتتشكل رسالة وجدانية تلامس الإنسانية بمشاكلها الراهنة، بحيث لا قيمة للفن أو أي نوع من أنواعه إذا لم يكن يلامس عصره ولحظته الراهنة. إن الفنان هو سفير للفكر، فكيف ينشئ صورة عمرها آلاف السنين، ولا يمنح الفكرة الحراك الثقافي المرن والمقبول؟ دور الفنان أن يضع البذرة الصحيحة لتصبح نبتة وثمرة معطاءة.
3. الانحناءات النحتية وعلاقتها بعامودية الشكل، فما تفسير الطول المميز في منحوتاتك بشكل عام؟
ما من استمرار للحياة إلا نحو الأعلى. لا شيء يتجه نحو الأسفل إلا إلى حيث القبور. نحو الأعلى هو في اتجاه الشمس والحرية، والفرح والحياة والانطلاق نحو الليونة والمرونة، مثلًا: هي كسائح في باص مريح، وحميم، ومرفه. فالمرونة والليونة هما جواز سفر نحو القبول، أي قبول المتلقي للرسالة التي يحملها الفنان، كالعلو والسمو في الفكر والفن نحو الجمال.
4. ما هو النمط النحتي الذي لم تقدمه بعد للعالم؟
الفراغ الحر والكتلة المعلقة بعيدًا عن المألوف في معالجة أخطاء المألوف.
أ- شائكة هذه الجملة، هل يمكن أن تشرح ذلك أكثر؟
الفراغ الحر هو اختصاصي بالحجر. الفراغ لدرجة التعامل مع الحجر يشبه التعامل مع المرأة، بحيث لا يوجد عمل نحتي غير جميل. إذاً، لا يوجد امرأة غير جميلة. التعامل مع الحجر القاسي تحديدًا يشبه التعامل مع فقاعة الصابون، أي لمسة خطأ تؤدي إلى النهاية، وأي لمسة خاطئة للمرأة تشبه ملامسة الحجر وقد تؤدي إلى النهاية.
5. لماذا المرأة حاضرة في أعمالك؟
المرأة تشبه الحجر من حيث الديمومة، الجمال، الدفء، الرقي، التاريخ. هي رمز الآلهة، بل هي كإله صغير. لأن الله سبحانه وتعالى أعطاها رمزية الخلق، وهي الولادة، المرأة المتجسدة بالأم، وهي العطاء المطلق، حتى علاقة الناسك بالله علاقة إيمائية. أما علاقة الأم مع ابنها هي العطاء لمجرد العطاء، والحجر بالنسبة لي يشبه المرأة الأم.
6. هل تسبق تصوراتك مراحل العمل الفني وتتساوى معه في النهاية؟
لا يوجد في العمل الفني تصورات مسبقة، هو وليد اللحظة. أي فنان لديه تصورات مسبقة لعمله الفني هو مهني وليس فنانًا. لأن العمل الفني الحقيقي بنظري هو سفر يحمل في جعبته القليل من الجرأة والكثير الكثير من الجنون الإبداعي، وقد يكون العكس، القليل من الجنون والكثير الكثير من الجرأة. بحيث لا يمكن أن يكون الفن بكل أشكاله وأنواعه ضمن مخطط أو بالأحرى تخطيط أو نظام داخلي. إذ لم نشهد على مر العصور أن رأينا فنًا شعريًا أو كتابيًا أو مسرحيًا أو موسيقيًا كان جنينًا في بطن لا شيء. نحن لا نستطيع معرفة ملامح المنحوتة قبل نهايتها.
7. تمنح المنحوتة إحساسًا بالحركة اللانهائية، كيف ذلك؟
الحركة في العمل النحتي هي الاستمرارية والنبض في دورة الحياة، وهي أيضًا الديمومة والأزل. إذا لم تستطع المنحوتة الرقص دائمًا على إيقاع موسيقى عين المتلقي، فإنها ليست سفيرة نحو الجمال. إن العمل النحتي الحقيقي هو عبارة عن امرأة جميلة الأطراف والخصر تتلوى مع إله البصر برقصة سرمدية إلى حيث يمتد البصر.
8. ما بين الكتلة الصلبة والفراغ، هل من ازدواجية في الخطاب الفني؟
لا يوجد ازدواجية في العمل الفني، وخصوصًا ضمن التعامل مع الحجر. نحن بحاجة ليد يمنى هي المصالحة، ويد يسرى هي المصارحة، وما بينهما ثديين: الأيسر لخدمة المتلقي، وهو الابن، حيث لا فطام بين المتلقي والثدي. والثدي الأيمن هو علاقة تشوق وحنين وجنون بين الشفاه العاشقة وخاصية ثدي الحبيبة. إذاً، لا ازدواجية بين اليمين واليسار، وما من ازدواجية في العمل الفني.
9. ألمس بعدًا تعبيرًا في تكوين الأشكال النحتية، هل هذا ناتج عن التحاور؟ ومتى يتحاور الفنان "وليد محمود" مع المنحوتة؟
لا أستطيع التحاور مع منحوتتي ضمن المألوف. لا ككتلة ولا كفكرة. بكل بساطة، لا يمكنني الوقوف أمام منحوتتي دون أن أملأ رئتي بالهواء، وأغوص في محيط اسمه الحلم. لأن مسافة غوصي بقدر الكمية التي تغطيها منحوتتي بكمية الهواء. إذاً، الموضوع هو موضوع تنفس واستمرارية في الحياة.
10. هل من نزعة تحرر في الأشكال النحتية؟
بالتأكيد، لا يوجد فن بمعنى الفن بدون تحرر. فالفن بداية منذ بدء التاريخ هي رسالة حرية تطالب بكسر القيد وجدانيًا أو روحيًا أو دينيًا أو بيئيًا. الفن عبارة عن رسالة روحية بمعنى الحرية. أي كسر القيد بكل أنواعه.
11. تجرد خامة النحت من كثافتها وأبعادها المادية فيشعر المتلقي بانفعالات شاعرية. هل لأنك شاعر؟
ربما! لكن الشعر والنحت لا ينفصلان. لأن النحت عبارة عن وليد تكوّن من مجموعة عناصر تمثل كل الفصول في الطبيعة الإنسانية. تنجب ذاك الوليد ليأتي دور النحات، فيعلمه الحبو والوقوف والنطق، ومن ثم المشي والركض، ثم يعلمه الرقص أو الطيران.
ماذا تعني هذه المفردات للنحات "وليد محمود"؟
المرأة؟ ...إله صغير
الحجر؟ ...ديمومة دافئة
وليد محمود؟ ...طفل لن يبقى وليدًا
الأزميل؟ ...حلم الحجر
أعمال النحات السوري "وليد محمود" في صالة (أوتيل أكواريوم - جونية المعاملتين) تحت عنوان "نخل وسنديان" بالاشتراك مع الفنانة التشكيلية السعودية "دنيا الصالح" ويستمر حتى 3 آذار 2013.
dohamol@hotmail.com
تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء لبنان
في رؤية تحليلية لحوار النحات "وليد محمود"
يُعد الحوار مع النحات السوري "وليد محمود" فرصة لفهم عميق لروح الفنان وفكره النحتي. يتناول الحوار عدداً من المواضيع الجوهرية التي تخص النحت وفلسفته، ولكن أكثر ما يميز هذا الحوار هو العمق الفكري والشاعرية التي يضفيها "محمود" على عمله الفني.
1. النحت كوسيلة للتعبير الروحي والوجداني
إن أولى النقاط التي يتطرق إليها "محمود" هي كيفية علاقة النحت بالحياة والمشاعر الإنسانية. يصف النحت ليس فقط كأداة لإنتاج شكل مادي، بل كوسيلة للتعبير عن روحانية ومشاعر عميقة. من خلال إجاباته، يبرز بشكل واضح أن النحات لا يُعامل الحجر ككتلة صماء، بل كمادة حية ومؤثرة. ما يعكسه هذا الطرح هو رؤية "محمود" التي تُعلي من مكانة العمل الفني كوسيلة لخلق حوار بين الفنان والمادة، وكذلك بين الفنان والجمهور. هذا الحوار ليس مقتصرًا على الجمال البصري، بل يتعداه ليشمل التأثير النفسي والفكري.
2. المرأة والحجر: العلاقة الرمزية والمعنوية
إحدى أبرز الملامح في حديث "محمود" هي المقارنة بين المرأة والحجر. يبدو أن "محمود" يراهن على أن الحجر يملك ديمومة وجمالًا مماثلاً للمرأة، ويفسر هذا الرابط من خلال إيماءاتٍ رمزية تدور حول الأنوثة والإبداع. المرأة هنا ليست مجرد موضوع يشتغل عليه الفنان، بل هي استعارة لمفهوم الخلق والتجدد، فهي رمز للخصوبة والإبداع الذي لا يتوقف. تجسد العلاقة بين النحات والحجر حالة من التفاعل العميق بين المادة والروح، بين العطاء والخلود. لا يقتصر الأمر على مادية الحجر أو شكله الخارجي، بل يعكس أيضًا المدى الذي يمكن أن يبلغه الفنان في خلق تفاعل غير مرئي بين المادة والروح.
3. الرمزية والتجريد في النحت
من خلال تصريحات "محمود"، يتضح أن عمله النحتي لا يقتصر على تقديم أشكال مرئية تقليدية، بل يتجه إلى التجريد والرمزية. فهو يبرر أن أعماله لا تسعى إلى تقديم شكل واضح يمكن التعرف عليه بسهولة، بل هي أكثر من ذلك بكثير. النحت عنده يشبه "الرقص" الذي يهدف إلى تفعيل مشاعر وحالات ذهنية، وهو يتساءل في ذات الوقت عن جدوى الفن إذا لم يكن قادرًا على التفاعل مع السياق الثقافي والاجتماعي للعصر الذي يتم إنتاجه فيه. هذا يعكس فهمًا عميقًا لفكرة أن الفن يجب أن يكون حيويًا ومتواصلاً مع الواقع.
4. الفراغ والكتلة: الثنائية المكانية في النحت
إحدى الأفكار المثيرة التي تطرقت إليها "محمود" هي الثنائية بين الكتلة والفراغ. في حديثه عن هذا الموضوع، يُظهر كيف أن النحات يخلق عالمًا جديدًا من خلال التفاعل بين الفراغ والمادة. هذه الثنائية تتجاوز المفهوم المادي لتصل إلى بعد معنوي، حيث يشير إلى أن العمل الفني لا يتكون فقط من الكتلة التي تملأ الفراغ، بل يتضمن أيضًا هذا الفراغ نفسه كعنصر له وظيفته وأثره. هذه الرؤية تبرز تفرد النحات في فهمه للفراغ باعتباره عنصرًا لا يقل أهمية عن المادة نفسها في البناء النحتي.
5. التأثير الموسيقي والرقصي في النحت
إن حديث "محمود" عن النحت كرقصة يشير إلى تأثير موسيقي واضح في تفكيره الفني. فهو يرى أن المنحوتة الحقيقية لا بد أن تكون قادرة على الرقص، أي أن يكون لها ديناميكية وحركة في أعين المتلقين. يُظهر ذلك كيف أن النحت، بالنسبة له، ليس مجرد عملية تشكيل، بل هو خلق لنسق موسيقي وحركي، يحرر العمل الفني من الجمود ويجعله حيًا في تصور المشاهد.
6. المفهوم غير التقليدي للعمل الفني
النحات "وليد محمود" يعكس من خلال حواره موقفًا غير تقليدي من الفن وعمل النحت. فهو لا يعترف بالتصورات المسبقة، ويؤمن بأن العمل الفني يجب أن يكون وليد اللحظة. في هذه الرؤية، يعكس "محمود" مفهومًا منفتحًا عن الفن الذي لا يجب أن يخضع للتخطيط المسبق أو القوالب الجامدة. على العكس، الفن عنده هو حالة من التجربة والتفاعل المستمرين بين الفنان والمادة، وتعبير عن حالةٍ من الجنون الإبداعي والجرأة التي تتجاوز المألوف.
7. النحت والفلسفة: الربط بين الشكل والمحتوى
لا يمكن تجاهل البُعد الفلسفي في حديث "محمود" عن النحت. يشير إلى أن كل منحوتة هي نوع من الحوار بين العقل والروح، حيث يصبح الحجر ليس مجرد مادة خام، بل وسيلة للتأمل والتعبير عن قضايا فلسفية معقدة مثل الجمال والحرية. نرى هذا في إجاباته المتعلقة بكسر القيد والتعبير عن الحرية، حيث يربط النحت بالتحرر من القيود، سواء كانت هذه القيود اجتماعية أو فكرية أو ثقافية.
8. التناغم بين الفن والجمال
تأتي فكرة التناغم بين الجمال والفن كخيط مشترك في جميع إجاباته. بالنسبة لـ"محمود"، العمل النحتي ليس مجرد شكل مادي بل هو علاقة متناغمة بين العقل والمادة، بين الجمال والإحساس، وبين المتلقي والفنان. يُظهر ذلك تقديره العميق للفن كأداة لا تنفصل عن الطبيعة الإنسانية والروحانية التي يجب أن تحاكي مشاعر المتلقي وتؤثر في فكره.
الحوار مع النحات "وليد محمود" يُظهر رؤيته الفنية العميقة والغير تقليدية. هو يتعامل مع النحت كفن حي له بعد روحي وفلسفي، حيث لا يقتصر دوره على تشكيل الحجر، بل يشمل خلق حوار دائم بين المادة والفكر. إجاباته تشكل دعوة للتفكير في النحت كأداة للتحرر الفكري والإبداعي، وهي دعوة لقراءة العمل الفني كعالم حي يتنفس ويمتد في الزمان والمكان.