المسار الغامض عبر الأسلاف.
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في قصة قصيرة بعنوان" الضلع الآخر للموت" من كتاب القصص القصيرة الكاملة للروائي غابرييل غارسيا ماركيز.
اختصر ماركيز قصته في عنوان ضم المعنى ببلاغة قاص أدرك قوته الأدبية، فالضلع الآخر تبعا لنظرية النسبية هو الزمن الأخير أو الزمن المتشكل بين مسافة المألوف وغير المألوف، أو بالمعنى الأصح الماورائي الذي نرى فيه الحقائق حسيا تبعا للعقل والعاطفة السريالية التي بناها بتقنية تحليلية ذات رؤية فلسفية فيزيائية وكيميائية، إذ تتجلى حياة الإنسان بالتيقظ والرؤية الواضحة التي لا تحتاج إلى تفسير، فإرهاصات النوم والاستيقاظ هي من تفاسير الزمن أو الضلع الثالث برأي نظرية النسبية، لكن ماركيز جعله الأخير، ليبدو الموت هو الحياة الحقيقية التي نعيشها بجسد نتركه في مكان بارد بلا زمان كقطعة الأرض التي يدفن فيها الإنسان، ونمضي بجسد لا يحتاج إلى فورمالدهيدو، أو أي مواد للتحنيط، لأننا ضمن الجوهر نمتلك جسدا ثانيا، وهو الأهم " بينما الجسد خفيفا، منعدم الوزن ، يجتاز إحساسا عذبا من الطوباوية والتعب، وآخذا بفقدان الوعي ببنيته المادية ، بهذه الماهية الأرضية، الثقيلة " فالبنية المادية للجسد تتعرض للتفتت والاضمحلال، وتحتاج إلى مركبات كيماوية للحفاظ على الأنسجة التي تحتاج إلى النفس لتنبض، لكنه " ترك هو الرجل جذوره الفانية، ليتغلغل في جذور أخرى أكثر عمقا ورسوخا في الجذور الأبدية لحلم متكامل ومحدد." فالحياة كالحلم، وحين تنتهي دورة الشباب، وتبدأ مراحل الشيخوخة كالموت البطيء تزحف نحونا، ندرك أن هذا الجسد مرحلة زمنية لمكان محدد، مررنا به بوهن مملوء بتسلسلات تسربت لنا عبر الأسلاف أو السلالة البشرية " فأغرقته هو في مفهوم جديد وغير معقد للزمان والمكان ماحية وجود هذا العالم المادي العضوي والمؤلم" فالجسد المادي مركب ليخدم الإنسان ضمن مرحلة معينة هي ضلع أول للزمن ، فالسكينة المشتهاة هي صفة لعالم الخلود حيث النفس تستقر بلطف "عالم سهل، مثالي، عالم كأن من صممه طفل، دون معادلات جبرية، دون وداعات غرامية، ودون قوى جاذبية" وفي هذه المعاني جمالية قصصية هي من عبثية الوجود، وسريالية الفلسفة التي تجعلنا نهرب من الوجود إلى اللاوجود ضمن نظريات النسبية والمعادلات الجبرية وقوى الجاذبية التي نتجرد منها في أثناء النوم أو الحلم ، حتى عند الموت، حيث نترك الجسد لنخرج منه ونراه كجيفة محنطة أو "حيث تركوه هناك، في قطعة من الأرض، برموش مرتعشة من المطر، الآن يشعر بالخوف" فهل نرى أنفسنا بعد الموت على حقيقتها، أو حين نتُرك في قبر هو عبارة عن قطعة أرض تثير الخوف، وهذه رمزية ذات عبارات خلاقة تثير عند القارئ التفكر والمحاولات لفك شيفرات قصته السريالية التي تعيد قصة الإنسانية.
الضلع الأخير أو الموعد الزمني الحقيقي أمام الموت متناقض بين المراحل التي يصفها بالمرحلة الجنينية وسائل الرحم، حيث بداية الزمن الأول متجاوزا بذلك زمنية الرحم المضياف الذي نحتاج إلى السكن فيه للنمو قبل أن نسكن الجسد الذي نتركه في قطعة أرض، ليزول ويتقطع ويصبح جيفة تتحلل مع التراب" وفي أثناء ذلك تأخذ أرجله المئة بالتشابك في حبل سري طويل وأصفر" أمكنة اختلفت في أحجامها وأشكالها حتى أزمنتها ما بين الرحم والاستقرار، والسكينة والدفء، وما بين قطعة الأرض التي أحس بها بالخوف. بيئة غامضة لم يدرك القارئ أين هي، لكنه حدد الزمن في العنوان الضلع الأخير حيث تصبح الأزمنة بلا أمكنة نأوي إليها، لأننا نتحرر من قيود حياة بائسة نقتل فيها بعضنا البعض بدون رحمة، وبغموض أشبه بغموض قصته " الضلع الأخير للموت"
" هما كانا أخوين توأمين متشابهين تماما، لا يمكن لأحد التمييز بينهما من النظرة الأولى" رمزية غارقة بالصور الإيحائية التي تقودنا إلى خيال واقعي أو لعبة التحليل التسلسلي الذي يقودها مع القارئ لمعرفة تاريخ الإنسان وسلالاته منذ بداية التكوين، حيث الغموض الأول حين يقتل الإنسان أخاه الإنسان، ويحتار في تورية سوأته" الآن وقد اختل التوازن، وتبين أن المعادلة نهائية كان يعرف أن ثمة نقصا في انسجامه الشخصي، في تكامله الشكلي واليومي ، لقد تحرر يعقوب من عقبيه بصورة لا مفر منها." فالزمن يحيط بالنفس بعد مفارقتها للجسد، ولا يحيط بالجسد بالمعنى الواقعي، فالجسد تابع للمكان الذي إليه يعود، وهو التراب، فهل التحرر جيني ومن التاريخ حيث إسماعيل وإسحاق والابن يعقوب والأسماء المتوارثة في الدنيا منذ السلالات الإنسانية الأولى، وقبل الخلافات والصراعات التي تضعنا أمام الضلع الأخير للموت بحقيقة ساطعة لا يمكن نكرانها، لأن الانفصال مادي نفسي ، وهو انفصال غير متوقع يحدث فجأة وبدون مبررات حين ينتهي الزمن المحدد، وهكذا انفصل قابيل عن أخيه هابيل، وأيضا انفصلت الأخوة الإنسانية عن بعضها تماما، كما قصة إسحاق وإسماعيل -عليهما السلام- قبل تفرق البشرية واحتدام الحروب بين الأجناس" تخيل أن انفصال الجسدين في المكان ليس إلا ظاهريا في حين أن لهما في الواقع طبيعة واحدة كلية، وربما حين يصل التفسخ العضوي إلى الميت هو الحين بالتعفن أيضا ضمن عالمه المتحرك." فهل مسارنا الغامض عبر الأسلاف هو أشبه بمسار قصة " الضلع الآخر للموت"؟ التي كتبها ماركيز بهندسة تقنية ذات فلسفات تعددت فيها الرؤى، وامتزجت زمنيا مع أمكنة لا تنتمي للإنسان الذي غادر الدنيا، وترك الجسد حيث تنبعث رائحة الفورمالدهيدو مع زهور البنفسج.
عبثية الفكرة بكوابيس تثير الحيرة، وتناص يجذب الفكر بل مفارقات عميقة الرؤيا تتناسب مع فلسفة قصة هي تكوين كيميائي فيزيائي أشبه بالإنسان، ورمزياته، وسرياليته، ونسبية الزمن، لتتشكل المعادلات الإيحائية ضمن ذهن القارئ، لنشعر بقيمة التآخي بين البشر، وانتزاع بذرة الشر من النفس الخالدة التي لا تموت، وتبقى في الزمن الأخير نادمة على كل ما جرى في أزمنة أخرى" فالتأثير يجب أن يمارسه هو المتبقي حيا، بطاقته بخليته الحيوية وربما عند هذا المستوى. سيظل هو وأخوه على السواء على حالهما ، يدعمان توازنا بين الحياة والموت" فالتوازن بين الحياة والموت يحتاج إلى الوعي الإنساني، وهذه فرضيات يضعها ضمن ثنائية الموت والحياة، والأنا والآخر، والجسد المادي والنفس، والتخبط بين يعقوب وإسحاق، والتحرر من النزعات التاريخية التي تقود اليهود للاقتتال مع الآخرين تحت مسميات مختلفة، ولكن السؤال الذي تثيره القصة: هل من حلول لرؤية سريالية قدمها في قصة هي قصة الإنسانية والأنماط البشرية التي تتعادل في الموت والحياة، أو مراحل أضلاع الزمن كلها، ولكن بأسلوب ذاتي ومنطق موضوعي يبدأ من الأنا للآخر وبالعكس، فالدلالات القصصية هي مجموعة من إيحاءات ذللها فلسفيا، ليقود القارئ نحو حقيقته كإنسان وإن بينه وبين الموت ضلعا واحدا هو زمن سينتهي، ليبدأ بزمن آخر تهيمن عليه الأحلام، وتضعه ضمن عمق نفسي تتأرجح فيه الأحداث، كما تتأرجح المعاني والصور المرعبة، مع وصف عقلاني يمتد مع السرد الإيجازي، والحائر بين الكابوس والحقيقة، حيث "عالم الكائنات العاقلة الخاطئ والعبثي".
Doha El Mol