أصداف ملونة تتحرك بصريًا تبعًا للإيقاع الداخلي.

ضحى عبدالرؤوف المل

تحبك "ستيفاني بويري" خطوطها بعد تصميم النقاط الأساسية التي تنطلق منها في تصميماتها المزركشة لونيًا، وفي الخطوط الناشطة عبر كل الاتجاهات البصرية، والتفافاتها التشكيلية المتماسكة بخيوطها الدقيقة والرفيعة. المندمجة مع الأنماط السلسة ذات الديناميكية الموسيقية، فالحركة الرومانطيقية دائرية الشكل، وذات حلقات تتآخى مع بعضها البعض ضمن إيقاعات لونية متجاورة ومتحاورة ـ باردة وحارة، متناقضة ومتوافقة. لأن استراتيجية العمل الفني عند "ستيفاني بويري" مصممة ضمن أولويات الخطوط. ليصبح اللون فيما بعد هو وليد إيقاعات تنتجها الخطوط الدائرية والمنحنية، وحتى اللولبية، مكونة أصدافًا ملونة تتحرك بصريًا تبعًا للإيقاع الداخلي للون، وقدرته على التنافر والتوافق الحسي.

ريشة حرة تمد ألوانها وفق انعكاسات تجمعها ضوءًا، وتخطو في اتجاهات معاكسة، لترسم زركشاتها في فضاءات تخيلية ذات فانتازيات سابحة في مساحة لوحة غير محدودة، ولا متناهية، وفق فراغات تأملية تبث تغصناتها ضمن حلقات ونقاط ودوائر، وأصداف هي مزيج من موتيفات راقصة إيقاعيًا تزهو مع الظل والضوء في تدرجات تنخفض وتعلو تبعًا للبصر، ولذهن يستثيره الخط الرفيع المرسوم بدقة، مما يجعل المتلقي يستمتع بلغة اللون، وحركة الخط واتجاهات الظل الماتعة، وقدرة الضوء على منح اللوحة شاعرية عاطفية تدعو إلى الأمل وإنكار كل كتلة لا تتناغم مع الفراغات والأشكال الأخرى.

عوالم متصلة وتخيلات خاصة ذات أسلوب يحتاج لصبر وأنات، فهو يترجم اللاشعور الوجودي في الوجود كمتاهة لا يمكن للقلم الخروج منها، ولا للفرشاة التعبير عنها بشكل نهائي. فتجريدها الملامس للواقع والممزوج بكلاسيكية معاصرها له منظورها الخاص، وبصمة تقليدية. لكنها متجددة برؤية لها أسرارها الفنية التي يصعب قراءتها نفسيًا وسيكولوجيًا. لكنها تميل إلى الفرح الفني المبني على تكنيك اللون المعاكس، واستدارته ضمن فلسفة متصلة بحقيقة فنية لها أسسها المبنية على قياسات تحصر الخط، وتفتح فضاءات اللون نحو التعبير اللامحدود والمنطلق مع الإشراقات الضوئية والسطوع القوي، والأبعاد المسطحة ضمن حلقات متوازية وسيمترية لها تغيراتها وتحولاتها المنظورية التي تتيح للبصر لذة الاستكشاف في دخول متاهة الزركشات، ورؤية تكويناتها التظليلية وألوانها الغامقة والفاتحة، والمتباعدة والمتقاربة، وكأنها تؤلف طبقات ذات نسخ متعددة تحاكي من خلالها الذوق الإنساني، وكل متلقٍ استمتع بتنغيم وترقيق، وامتداد الخطوط المتسربلة مع اللون والحجم والمساحة ومستويات التفتيح والتعتيم.

سينوغرافيا بصرية مؤلفة من تجريدات تشكيلية تتجسد مرئيًا، وفق مكنونات بصرية ذات تعبيرات مشبعة بالحركة والتوهج والتلاشي، لثلاثية الخط واللون والفراغ الذي تتمسك به "ستيفاني بويري"، لتمثل بذلك فنونًا تحاكي بمسرحياتها جزءًا من الوجود الفني المصمم بسكون الخط الأسود، وضجيج الألوان الساطعة. لتتبارى الموتيفات في صراعات الحركة داخل كل لوحة تركتها الفنانة "ستيفاني بويري" مفتوحة تخيليًا نحو أبعاد غامضة زمانيًا. لكنها تؤكد على قيمة المكان لتحديد الزمن، وليجمع البصر من شواطئ لوحاتها أصداف الحلم والوجود، والعدم، والحياة، وكأن الخيال يلملم من الواقع حقائق تتشكل تبعًا للخيال الفني.

يتوازي الضوء عند الألوان الحارة المحافظة على مستويات شفافة تتصل ببعضها البعض، وترنو نحو بعضها البعض في أحجام تختلف في قياساتها والإحساس بالسماكة واللزوجة، والدوران الإيحائي المخضب بتصويرات سيمائية تكشف عن شاعرية ورومانسية تخيلية. متسعة بفضاءاتها المفتوحة نحو تكويرات الواقع التي تتجسد من خلال الخطوط المنحنية، والنقاط المتناثرة هنا وهناك. وكأنها تبني شبكات ضوئية لها مساراتها الفنية الممسكة بحواس المتذوق الفني من حيث جمالية التكوين والتأليف الفني الموسيقي، والمتناغم مع ذاتية كل شكل استدار وانحنى، وارتقع وتشكل وتآلف وانسجم مع ذاته، لتحاكي "ستيفاني بويري" بلغة كلاسيكية لم تتريث في تحديثها، ومنحها لغة جديدة معاصرة خاصة بها. غمرتها بتلاشٍ غامض يتمدد ويتقلص تبعًا للأبعاد التي تخبو وتتوهج، كمشاعر فنية ترتد في عمق اللوحة، وتنعكس على السطوح في دورة حياة تكتمل مع الألوان الزاخرة بنبض جمالي، مؤثر حسًّا على الوجدان، وعلى التفاعلات البصرية المنسجمة مع فروقات الخط واللون معًا.

تخضع الألوان في أعمال "ستيفاني بويري" لتدرجات موجية تعلو، ومن ثم تتدرج وتنخفض في هبوط، لتتجرد اللوحة من ألوانها، ونرى الرسومات الأخرى بالأسود والأبيض ممتلئة بنقاط بداية لا نهاية لها. إذ تبرز للعين الموجات المنخفضة بجمالية تحافظ من خلالها على مستويات فنية تتوازى فيها حاسة اللون عند المتلقي، بوعي لا يعترف بلون الخط الأسود الذي يجرح الألوان. ليتشكل برسومات تعبيرية تتخذ من الواقع وجودًا لا يعترف بتضاد الألوان، وكأن اللون ينفرد عن الخط رغم تشكلاته الأخرى.

أزرق أساسي مع ألوان مركبة، وخلفية حيادية تجمع الحار والبارد في ثنائية تمثلت بمقارنات ازدواجية، للوحات غلب عليها انطباعات تعبيرية، تأثرت بجدية خط اكتسب مرونة حيث برز بين الألوان، كنوع فني منفرد فسيولوجيًا بتكويناته التخيلية المتكاملة، والمتناسقة مع فكرة الوجود التي تبحث عنها "ستيفاني بويري" من خلال الخط واللون واللوحة المفتوحة سيميائيًا.

تم نشره في جريدة اللواء لبنان عام 2014