الفنان "أنطوان منصور" في حوار خاص لجريدة اللواء:" تعكس اللوحة بحثي وتشوقي لاكتشاف الحقيقة"
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل
تتفاعل الأبعاد مع الرؤية الحسية والخيالية لواقع المفاهيم الفلسفية التي يؤججها الفنان "أنطوان منصور" في لوحات تحاكي الفكر بمنطق فني يدعو كل رائي إلى التأمل والتفكر والاستمتاع بجمال ذي صفة ترتكز على المخزون الفكري في اللاوعي، مثيرًا بذلك انفعالات فنية تشويقية تؤدي إلى حشرية جمالية تجعل المتلقي يحاول استكشاف المضمون الذي يسعى إلى إيصالِه من خلال "فكرة". انطلاقًا من هذه الفكرة كان الحوار مع هذا الفنان الباحث عن الحقيقة والجمال.
- نلامس في أعمالك متعة الحوار مع الذات، بماذا تفسر ذلك؟
الرسم هو نتيجة تأمل ذاتي نستخرج من خلاله بواطن الحس الداخلي، فهو تجسيد فني أبحث من خلاله عن الحقيقة أو أن أطرح تساؤلات عن ماهية الكون، والبحث عن جمال الخالق. عندئذٍ أشعر بإيحاءات أو بالأحرى بوحي فني أستكمل به الرؤية الجمالية، حيث أرى كل ما عصف بذهني يتجسد في لوحة فنية استكملتها، وهي ذات أبعاد تأويلية خاصة.
- تعشق الفراغات كنحات، بمعنى أنك ترسم كنحات يمتلك لغة تشكيل خاصة.
العمل بأبعاد ثلاثية ورباعية وخماسية يجعلني أتخطى اللوحة المسطحة ذات البعدين، فالانطلاق نحو أبعاد متعددة هو كالانطلاق نحو الزمن اللامحدود. فالحركة في كل لوحة تختلف من حيث النقاط الأساسية للفكرة التي أنطلق منها، فهي الحركة الشبيهة بحركة الحلم أو الرؤيا أثناء النوم (المنام). فنحن أثناء النوم نرى صورًا بصرية متحركة بأبعاد زمنية مختلفة. فهل من أبعاد هندسية جافة في الرؤية التي نراها أثناء النوم؟ أو هل نرى مستطيلات ودوائر ومثلثات مجردة من حركة وبُعد أو بُعدين؟ عادة ما نتخيله هو ليس من ضمن الأشكال التي نراها في الحياة، وهو ما تبدعه المخيلة وما يعكس جوهر الحياة. وهذا هو صلب الخلق الكوني أو الخلق الفني الجمالي. فإذا كان البُعد الرابع هو الوقت، فالبُعد الخامس هو إنساني والسادس روحاني. لهذا أحب الأبعاد حتى أنني وصلت إلى البُعد الخامس أو السادس.
- تعتمد الأعمال الفنية على أسلوب بنائي، وإن امتلأت بحركة جمالية وتشكيلية خاصة. كيف تشرح لنا هذا؟
أسلوب بنائي أكيد، فأنا تخصصت في الهندسة الداخلية في معهد الفنون الجميلة. وساعدني ذلك على تجسيد أفكاري بأسلوب واضح ومقروء من الغير، وكان التحدي الأكبر في تجسيد الأفكار الفلسفية بكل صعوبتها ليستمتع بها جمهور واسع لا يقتصر فقط على المفكرين، بل يشمل أي إنسان عادي أو طفل صغير يتذوق الأشياء الفنية على طريقته، لتكون إيحائية مقروءة بكل تفاصيلها ومستوياتها. وكل من يرى ويتأمل ويفكر ويستنتج.
- ما علاقة الفلسفة والفن والرؤية الإيحائية بأبعادها المختلفة؟
سأقدم معادلة بسيطة: "إن الله خلق الجمال، فتجسد الكون بكل أبعاده الحقيقة التي نلمس منها الخير، فالجمال والحقيقة يلتقيان، والفلسفة وُجدت حتى نستنتج منها الحقيقة الموجودة أساسًا في الكون. ولنفهم أسرار التكوين الجمالي، يجب أن نضع أمامنا نظرية بنائية تفسر لنا الوجود الكوني وما يحمله من صفات مثالية فنية. إن إيجاد الرقم الذهبي عند اليونان لا يعتمد فقط على حسابات ونسب ومعادلات، فهم استطاعوا إيجاد علاقة بين الجبر والجمال والفلسفة بقدر ما ينعكس على الحقيقة الإنسانية والفن، وبقدر ما ينعكس التذوق الفلسفي والجمالي عند الإنسان، ليكونوا الاثنين كوجهين لعملة واحدة، وهي النزعة الإنسانية نحو التسامي أو النزعة الروحية. إذ لا يمكن أن يلتقي الفن والفلسفة بدون نزعة روحية."
- هل من علاقة بين التصميم الإبداعي والفن التشكيلي المتميز بأبعاد متعددة؟
حين يتمكن الإنسان من ابتكار عمل جمالي مكتمل الأركان الفنية، يتحرر من كل ما من شأنه أن يقيد الفكرة، ليصوغها ضمن عمل فني. ولكن لا يمكن منحه صفة إبداعية إلا إذا تلامس مع وعي المتلقي. الصورة البصرية بكل حركتها وأبعادها حينما تلامس الوعي، أرى فيها إمكانية تجسيدها بمنحوتة أو في رقصة أو في عمل تشكيلي، ولكن بما أنني فنان أهوى الرسم وهو الأقرب إلى طبيعتي، فأسد الفكرة ضمن لوحة فنية. فكل موضوع فني أقدمه يترجم فكرة. بهذه الحالة، لا يقتصر العمل الفني على إمتاع البصر بل يقترب من الفن الإيقوني الذي يجسد فكرة وعملًا فنيًا. بهذا الشكل، لا يقتصر الإبداع الفني على الرسم والأسلوب الممتع بصريًا، بل يتعداه إلى الموضوع الذي يطور الفكر ويغذي الروح.
- إلى أي مدى تمتلىء اللوحة بأحاسيسك الفنية؟
تعكس اللوحة بحثي وتشوقي لاكتشاف الحقيقة. فالعمل الفني بكل مراحله يعكس أحاسيس على مستويات مختلفة. فاكتشاف الفكرة الجمالية يشعرني بنشوة روحية، وفهمها يمنحني عمقًا وارتقاء فكريًا صافٍ. وتنفيذ العمل الفني ينعكس برضا ذاتي على المجهود التقني لدى الفنان بشكل عام، ويشعره بانتشاء جمالي وروحي.
- تتميز أعمالك الفنية بفلسفة صوفية تستنبش ذاكرة الإنسان المعرفية، بماذا تفسر هذا؟
لا يمكن أن نصل إلى النبع أو إلى المقام الروحي دون معرفة النور. الإحساس واستشعار جوهر العمل يجعلنا نشعر بالذوبان. فالرجوع إلى النبع هو العودة إلى فطرية الحب، وإعادة انتشار الذات لتلملم شتات الأنا الخفية. فالعودة إلى الحقيقة هي عودة إلى جوهر الذات، وبذلك يترجم العمل الفني هذه المراحل للمتلقي، لتكوين محاكاة فلسفية متطورة مصدرها النور أو المعرفة والجمال.
- كيف تترجم لنا هذه المفردات من وجهة نظر الفنان أنطوان منصور؟
الفكر: هو تخاطب مع الآخر لا ينتهي إلا بالتفاهم والفهم، ففهم الآخر هو الطريق إلى محبته بشكل صادق.
الانعكاس: هو الفكر، لأن الفكر كالمرآة يعكس صورة العالم الخارجي للإنسان في عالمه الداخلي.
اللون: هو مرحلة وهو في حالة تغيير دائم. هو هبوط ونزول، هو ما يمنح العاطفة والإحساس، هو تجاذب بين الفاتح والغامق، وبين الانسياب والعمق والشفافية.
الأمل: هو عندما ينعكس المستقبل بطريقة جمالية، هو توخي الخير والجمال.
- ما بين الواقع والحلم، أين الوهم في فلسفة أنطوان منصور الفنية؟
ليس هناك من وهم في المقاربة الروحية للأمور، بل استشفاف روحي أفتش من خلاله عن الجوهر وباطن الحقيقة، وهو مقاربة في صميم الواقع. فالاستشفاف الروحي موجود في أي عمل صادق حسيًا وجماليًا.
- كيف تترجم الاستشفاف الروحي في أعمالك؟
ما من عمل فني من أعمالي إلا ويحمل معنى الاستشفاف الروحي.
في تحليل فني للحوار معه
الحوار مع الفنان أنطوان منصور يعكس أسلوبًا فكريًا عميقًا ومفاهيميًا في تناول الفن. يتبين من خلال إجابات الفنان أنه لا يقتصر على الفن كأداة تعبير عاطفي أو جمالي فقط، بل ينظر إليه كأداة للتأمل الفلسفي والروحاني. فالفنان في هذا الحوار يتحدث عن الفن كوسيلة لاستكشاف الحقيقة والجمال، ويجسد تجربته الشخصية في صياغة مفاهيم تتجاوز الأبعاد الحسية المباشرة للوحة.
كل إجابة تأخذ شكلًا مفعمًا بالأبعاد الفلسفية والتأملية، ما يظهر الفنان كشخصٍ غارق في تفكير عميق حول الفن والوجود. يربط منصور بين مفاهيم هندسية (مثل الأبعاد الخماسية والسادسة) وبين التجارب الروحية والتصوفية، ما يعكس تداخلًا بين الفن والعلم والفلسفة.
استخدامه للأبعاد الزمانية والمكانية كما في "البُعد الرابع" (الوقت) و"البُعد الخامس" (الإنساني) و"البُعد السادس" (الروحاني) يعكس تفكيرًا غير تقليدي في فهم الفن، ويعزز فكرة أن الفن ليس مجرد تمثيل شكلي، بل تجسيد لحالة من الوعي الأعمق.
في هذا الحوار، يركز منصور على عملية التواصل بين الفنان وجمهوره، معتبرًا أن اللوحة لا تقتصر على إمتاع البصر فقط بل هي دعوة للتأمل الفكري. يعبر عن رؤيته بأن الفن يجب أن يتعدى حدود الجمال البصري ليكون مفهوماً على مستويات فكرية وروحية. وقد يتفق الناقد مع منصور في هذه النقطة، حيث إن الفن الجمالي لا يمكن فصله عن جوانب أخرى كالوعي الذاتي والفكر.
يتوجه الفنان بالحديث عن ضرورة "القراء" الفنيين بأن يتفاعلوا مع العمل الفني بطريقة مختلفة، بل أن "كل من يرى ويتأمل ويفكر ويستنتج" هو جزء من عملية "قراءة" اللوحة. وهو بذلك يطرح سؤالًا مهمًا حول دور المتلقي في تكوين المعنى في العمل الفني، حيث يصبح المتلقي شريكًا في بناء هذا المعنى، لا مجرد مستهلك.
العنصر الأكثر بروزًا في الحوار هو الربط العميق بين الفن والفلسفة، كما يظهر في حديث منصور عن "الفلسفة الصوفية" و"الاستشفاف الروحي". إن هذا الربط يجعل من الفن أكثر من مجرد عملية إبداعية، بل يرتبط بمسائل الحياة، الوجود، والمعرفة.
تطرقه إلى مفهوم "الخلق الكوني" و"العودة إلى جوهر الذات" يبرز بعدًا فلسفيًا وروحانيًا في عمله الفني. إن هذا النوع من الفلسفة الصوفية في الفن يجعل المشاهد ينغمس في معاني أعمق بكثير من الأشكال والألوان المعروضة أمامه. إذ يعتقد منصور أن "الفن والفلسفة لا يلتقيان إلا من خلال نزعة روحية"، وهذا يعكس رؤيته بأن الفن يجب أن يرتقي بالروح ويساهم في السمو الروحي للإنسان.
الحديث عن الأبعاد (ثلاثية، رباعية، وخماسية) يوحي بتوجه نحو استخدام التقنية بطرق غير تقليدية، حيث يتحول الفن إلى أكثر من مجرد أداة تجميلية. هذه الرؤية تشكل تحديًا في طرق التفكير التقليدية حول الفن، خاصة عندما يتحدث عن "الأبعاد الهندسية" في الأحلام، ويطرح فكرة أن الذهن البشري قادر على خلق أشكال وأبعاد تتجاوز الواقع.
تحليل الفن من خلال هذه الأبعاد يدعو المتلقي إلى النظر إلى اللوحة ككائن حي أو كنسيج متشابك من المعاني التي تتفاعل بشكل موازٍ مع الوعي البشري.
يربط منصور الإبداع الفني بنقل الأفكار الفلسفية المعقدة إلى شكل بصري يمكن أن يفهمه الجميع، وليس فقط المفكرين أو الأكاديميين. في هذا السياق، يبدو أن الفن بالنسبة له هو "لغة عالمية" يمكن للجميع فهمها، وأن دور الفنان يكمن في تبسيط هذه الأفكار للجمهور بشكل يجعل العمل الفني قابلًا للتفاعل معه بصريًا وعقليًا. وهذا يشير إلى وجود تحدٍ دائم في خلق أعمال يمكن للجميع الوصول إلى معانيها رغم تعقيدها الفلسفي.
الحوار يعكس أيضًا معادلة فلسفية بين العقل والجمال، حيث يتحدث منصور عن "التواصل مع الآخر" عبر الفكر، وهو ما يعكس فلسفة في أن كل عمل فني هو بمثابة رسالة موجهة إلى الآخرين، وأن العمل الفني هو وسيلة للتفاهم والتواصل بين الذات والعالم.
العلاقة بين الجمال والفكر هنا تبدو متداخلة، حيث لا يمكن فصلهما، فاللوحة ليست مجرد تمثيل بصري بل هي عملية تواصل فكري وروحي تعكس فلسفة الفنان.
الحوار مع الفنان أنطوان منصور يقدم رؤى مدهشة عن الفن كوسيلة للتأمل والفهم العميق للحياة والكون. ويعكس هذا التوجه الفلسفي والروحاني في أعماله نظرة غير تقليدية للفن كممارسة فكرية وجمالية متكاملة.
يمكن القول إن هذه الرؤية قد تثير النقاش حول حدود الفن وأبعاده، وتفتح الباب أمام التأمل في مفهوم "الخلق الفني" بوصفه عملية ليست مجرد ترجمة للواقع بل تجربة روحية وفكرية تتجسد في الأبعاد المتعددة للعمل الفني.
الحوار يعكس شخصية فنان متعمق في فلسفته وفنه، ويمزج بين الرؤية الجمالية والفكرية والروحانية في عمله. يحث المتلقي على تأمل أعمق في أعماله، ويدعو إلى التفاعل الفكري مع الفن، مما يثير أسئلة حول طبيعة الفن ودوره في حياة الإنسان.