صور فوتوغرافية تم تصويرها وإخراجها وفق أطر إخراج تصويرية.

ضحى عبدالرؤوف المل

تتآخى الطبيعة مع بعضها في كل مكان، فتزدان جمالًا وتناغمًا حيث الرؤية المكتملة مع كائنات تنمو ضمن عالمها المنسجم مع التغيرات الفصلية والضوئية، والتي تثير في النفس تساؤلات تؤدي إلى محاولة اكتشاف جمالية الطبيعة في كل مكان. أي من حيث اختلافها من بلد إلى بلد، ومن ضوء غروب أو ضوء شروق، ومن حيث قدرة الطبيعة على بث المشاعر الوجدانية التي تختلط في نفس المتأمل، وكأنها تدعوه إلى رؤية الجمال، والتناسق بين الطبيعة. لأنها واحدة تجمع في بوتقتها الكرة الأرضية ومن عليها من حيث تأثيرات الألوان، والتغيرات والتصوير الخلاق لكل شكل من أشكال الطبيعة، كالماء، والهواء، والتراب، والمطر، والشجر، والأعشاب، وهذا ما دفع الفوتوغرافي "وائل أبو مرعي" إلى الاندفاع مع عدسته نحو الطبيعة. ليصورها في لبنان وفي فرنسا، وفي كل جزء استرعى حواسه واستفزه للإمساك بعدسة استطاعت الرسم الفني بالضوء.

صور فوتوغرافية تم تصويرها وإخراجها وفق أطر إخراج تصويرية أو تشكيلية ذات جمالية فنية تعكس قيمة الضوء من خلال الإسقاطات والانعكاسات. لترتسم الظلال بتَموجات مع اللون، مما يمنح الحركة تفاصيل الصورة الخام التي التقطها "وائل أبو مرعي" محاولًا تكبير المشهد، ولكن ضمن قياسات صغيرة واضحة الرؤية، وكأنه استعمل الريشة واللون في تكوين الصورة الفوتوغرافية ذات التدرجات اللونية، والظلال المنخفضة الخفوت والأحجام المتناسقة مع الصورة والمساحة، والفراغات التشكيلية الإيحائية تصويريًا من حيث الكائنات الطبيعية، كالنباتات القادرة على محاكاة عدسة "وائل أبو مرعي" ومنحها نشوة جمالية جعلتنا نرى صورًا من حضن الطبيعة الأم في فرنسا ولبنان، وكأنه يريد توحيد العالم أو إنشاء الجسور الفنية من خلال الطبيعة بين لبنان وفرنسا وتحت مفهوم الصورة الفوتوغرافية المرسومة ضوئيًا، وبعفوية عدسة متوسطة في تفنيتها. إلا أنها استطاعت إيصال مفهوم التآخي الطبيعي في الكون.

يترجم "وائل أبو مرعي" غنى الطبيعة بلقطات مختلفة في كل منها بيئة خام تنصهر مع الأشكال الانطباعية، والواقع المتخيل حيث استطاع توظيف عاطفته المنبثقة من قدرة فوتوغرافية تمتلك حساسية تشكيلية، باحثة عن تعديلات تطرأ على الحواس بعد الخروج من بوتقة التلوثات الصناعية التي تتعرض لها الطبيعة، ولكنها برغم ذلك ما زالت تحتفظ بجمالية لا تصدقها العين، وإنما تستقبلها العدسة الفوتوغرافية. لتظهر حدة التباين في أجزاء من طبيعة انحصرت رؤياها على حواس فوتوغرافي يبحث عن الجمال الحي، والمتغير في واقع تخيلي يستطيع من خلاله تعديل المشهد والتلاعب بالضوء داخل مساحات ضيقة المدى. ليقتطع من اللقطة الواحدة صورًا تحاكي الكل أي من الجزء إلى الكل وبالعكس.

دقة مجهرية يحولها إلى العدسة، وكأنه يمارس التصوير الدقيق والحركي بتواصل زمني معين، ومن ثم يقطع الزمن ويحول الأجزاء إلى كتل تظهر من خلالها الألوان الطبيعية، وأبعاد ألوانها مع الانعكاسات المائية، وتدرجاتها من شدة تباين إلى انخفاض متوازن عميق فنيا، فالتشابكات المتآخية بين النباتات والأغصان، والزهور، والحركة الضوئية المتجانسة مع فضاءات المحيط الطبيعي من حيث القدرة على الفصل بين الإضاءة القوية والإضاءة الخفيفة. ليختار لكل مكان زمانه الخاص، فالإيضاح البصري في صور "وائل أبو مرعي" يعتمد على استعراض النتائج المتأثرة من كمية الضوء والظلال، وانعكاس جمالياتها الشفافة على الموضوع الملتزم بإظهار جزئيات الطبيعة الصامتة إلى الحياة الواقعية، وكأنه يستخرج كل صمت انطباعي، ليحاكي الطبيعة بعدسة شاعرية تجمع بين العناصر الفنية، والموضوعات البيئية مع التآخي في مفاهيم رياضية تعتمد على بعيد وقريب، ضوء وظل، وعتمة مسحوبة من فراغات غير متباينة بوضوح. إلا أنها ذات فواصل فوتوغرافية تمنح الأبعاد التصويرية أزمنة واحدة، وأمكنة واحدة هي الطبيعة الأم في كون خلاق.

إضاءات جانبية تعتمد على اتزان الضوء ما بين شروق أو غروب، وما بين محور اتجاهات العدسة المناسبة مع محور بصري ذات عمق تتسع من خلاله المساحات التي تتضاعف من خلالها الأحجام، فنشعر بالصورة أنها قريبة علينا برغم البعد الموجود فيها، فالحزم الضوئية تتبدد مع كل شعاع تنبثق من وهمية صورة تمدد فيها الضوء، ومن ثم تقاطع ليتولد عن ذلك حركة تصويرية وهمية تجمع واقعية الطبيعة بمخيلة عدسة ذات معايير برمجها "وائل أبو مرعي" تبعًا للفكرة والموضوع، وذاتية فنية لها جمالياتها الفطرية والصامتة تشكيليًا، فالمبادئ التشكيلية في لوحاته الفوتوغرافية هي بمثابة مكنون جوهري يتحدث من خلاله "وائل أبو مرعي" عن القيم الجمالية الموجودة في الطبيعة والعدسة، والذات الإنسانية القادرة على جمع كل أركان الجمال في صورة فوتوغرافية تلونت بفعل الزمن والمكان والتأثرات الضوئية، فهل من فرق بين طبيعة هنا وهناك؟..

تتضمن الصورة الفنية الملتقطة من عدسة "وائل أبو مرعي" رسالة فوتوغرافية تنبض بالحياة. لأنه اتخذ من الطبيعة مواضيعًا بصرية جمعها في لوحة توحدت فيها الرؤية، واختلف فيها الأسلوب المتقاطع مع التشكيل والحركة والسكون. بل والجمود المفاجئ حيث يشعر المتلقي بديناميكية اللقطة وشاعريتها الناتجة عن اتساق اللون المنسجم مع الضوء.

تُعد العدسة الفوتوغرافية أداةً مميزة لا تُظهر الطبيعة كما هي فحسب، بل تعكس أيضًا الشعور العميق الذي يحمله المصور تجاهها. فـ"وائل أبو مرعي" لا يكتفي بالتصوير كفن تقني، بل يجسد من خلال كل صورة حالة من التواصل الروحي بين الإنسان والطبيعة. فكل مشهد يلتقطه يُعيد تشكيل الواقع، مُظهِرًا أن الضوء ليس مجرد عنصر بصري، بل هو أداة حية قادرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية العميقة وتفاعلاتها مع محيطها الطبيعي.

عندما ينظر "أبو مرعي" إلى الطبيعة، لا يرى مجرد عناصر ثابتة، بل يرى الحياة في كل زاوية وحركة، وتكمن عبقرية عدسته في قدرتها على تجسيد اللحظات العابرة التي لا يمكننا دائمًا ملاحظتها. من خلال تصويره للأشياء الصغيرة مثل قطرات الندى على أوراق الشجر أو أضواء الشمس المتناثرة بين أغصان الأشجار، تُولد صورٌ تثير فينا مشاعر من الدهشة والتأمل، وكأننا نعيش اللحظة نفسها. هذا التفاعل بين الضوء والمادة في تصويره يعيد تعريف الجمال ويحفز فينا البحث عن روحانية الأشياء المحيطة بنا، فكل صورة هي بمثابة نافذة تطل على عالم لا يُمكن إدراكه إلا بالعين المجردة في لحظات الإبداع.

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء