جدلية العلاقة المبنية على التفاعلات البصرية والحسية

ضحى عبدالرؤوف المل

تنسج "فاطمة مرتضى" يدويًا خيوط لوحاتها التزينية ضمن رؤية تشكيلية مستمدة من التراث اليدوي الصحراوي، أو بالأحرى من الحرف اليدوية التي تمارسها العديد من النساء في العالم، سواء في الغرب أو في الشرق الأوسط. لكنها تضع الفكر البشري ضمن متاهة الجسد، أو الترحال بين الأنا والآخر، وجدلية العلاقة المبنية على التفاعلات البصرية والحسية، ولكن بلغة الخيط والريشة والقلم، والنسيج المحبوك بفنية حرفية ضمن رؤية تحيك منها أشكالًا إبداعية كالدمى وغيرها. وهي ما هي إلا ترجمات إبداعية لأعمال مشغولة بحرفية فنية لها جمالها الخاص.

صراحة تشكيلية لا تخلو من نفحة سريالية خفيفة فنِّيًا، إلا أنها ترمز إلى رؤى تغريبية. ترتكز أساسًا على مفارقات تكوينية بين الجنسين (امرأة ورجل)، وقد جاءت تشكيلاتها غالبًا بألوان ترابية طاغية على مساحات متوسطة الضوء، ومتوازنة بين العتمة والضوء، برغم السطوع في بعض اللوحات. وبرغم توهج الأحمر في أماكن مختلفة، لتشكل تحديات تبدأ مع ذاتها، ولتنطلق نحو المتلقي في محاكاة فلسفية جدلية ما زالت مطروحة منذ القدم وحتى الآن، وهي خصوصية حرية الإنسان في التعبير عن مشاعره كما يشاء. إلا أنها وعفويًا، وضمن اللاوعي النفسي، لجأت إلى الخيط لمنح شخوصها نوعًا من الدفء اليدوي المزدان بأقمشة من ألوان تجذب البصر، لتناغمها مع الرسومات والخطوط، والأبعاد، والعودة إلى مفهوم البداوة والترحال، والمخيلة الافتراضية في نشوء حريات خاصة.

أبعاد تصويرية ثلاثية الأبعاد، غنية بحرفيتها وخصائصها من حياكة وتطريز، وظَّفتها في لوحات تهدأ وتضج فيها الشخوص ضمن تضاد حركي ينقلنا من فضاءات تخييلية إلى فضاءات تشكيلية. تعتمد على مرونة الإحساس الحركي الذي يضفي على الذاكرة رؤية كليوباترا، وكان الزمن يضعنا أمام تحولات وتغيرات تطرأ على الذاكرة الزمنية. لنستبدل فلسفة البداوة والترحال التي وضعتها الفنانة "فاطمة مرتضى" ضمن الزمن النسيجي المحبوك برؤية تصميمية تداعب بها المخيلة الزمنية ذات البعدين المتناقضين حرفيًا وفنيًا، أسلوبًا ومضمونًا. والجسد المتوحد تحت صفة النسيج اللامحدود، وكأن الحركة الجسدية هي حركة ذاتية تتكرر عبر الزمن، لتعيد الحكاية وتجدد الرفض والقبول لهذه المفاهيم الحياتية التي نحافظ من خلالها على بقاء النوع. فهل الأمر محصور بالجسد أم بالجمال المطلق للإنسان كمخلوق بشري له خصوصيته وجماله المتزن تكوينيًا، بعيدًا عن مقاسات الحجم والمسافة والطول والعرض وامتداد الخيوط أو ألوانها الداكنة المنسوجة بجمالية توحي بتراثيات صحراوية، مرسومة على جدران الكهوف في زمن نحيا فيه البداوة والترحال من جديد، ولكن ضمن مفهوم فني متقلب بين غرب وشرق، وعالم متوحد يبحث عن الجمال الفني المعاصر؟

اختلاطات رؤيوية وتناقضات تتصف بمزج تكنيكي يدفع بالحواس نحو تقلبات العقل والعاطفة الناتجة عن تصويرات حسية تعبيرية، مرسومة ضمن مشاهد تبث حيوية فنية، تفيض بمعنى الجنس الإنساني، وتحديد الاستدارات الزمنية اللامتناهية من خلال اللباس أو الثوب أو الحياكة النسيجية أو الشكل العام للمرأة أو للرجل من حيث القدرة على إغواء الآخر، ومنح الوجود البشري رؤية إبداعية تم تصميمها لتصبح من مكونات شخصية الفنانة "فاطمة مرتضى" ومن تأثر بفلسفتها الإبداعية القائمة على تتويج اللوحة، كقطعة نسيجية تمت حياكتها بصريًا. لتكون كنص بصري مقروء استطاعت تشكيله بأسلوبها الفني الخاص، ونقله من كلاسيكية ذات حركة خط معاصرة مع الفنانة "إيغون شييل"، وتطورت مع فكرة بداوة أحاطت بها مرتضى مضمون الفكرة الفنية، كما تحيط بالإنسان المتحرر فكرة التخلص من كل القيود والنظريات التي وضع نفسه بها.

بين السائد المتوارث، والمقبول والمرفوض، تمضي الفنانة "فاطمة مرتضى" في نسج أفكارها، فتؤطرها في لوحات تحتفظ من خلالها بالأبعاد الفلسفية المبنية على اختبارات حياتية ذاتية، منحت لرؤيتها الإبداعية حداثة تشكيلية جمعت من خلالها العناصر الفنية، والمفردات من متأثرات انطبعت في ذهنها الفني، وتشكلت يدويًا مع جمالية شرقية تفتقد لها في داخلها، وتبحث عنها في فضاءات بصرية متنوعة، وضمن الاتجاهات الفنية التي خاضت فيها محاولة الابتعاد عن التقليد والكلاسيكية. إلا أنها لامست بذلك رؤية الفنانة الباحثة عن الأنا والذات في الآخر "إيغون شييل"، ولكن "فاطمة مرتضى" أضافت روح الخيط اليدوي، والفلسفة البشرية التي تعصف بالذهن من حيث أهمية الزمن في تكرار التشكيل البشري المتجدد ضمن نمطية انفعالاته وأحاسيسه. رغم أن البيئة هي الفضاء التخيلي غير المحدود لإنسان قد يحيا في افتراضات شبكة عنكبوتية تعيده إلى بداية التكوين أو إلى بدائية المفهوم الإنساني في التحرر والانعتاق، والانفلات بالجسد نحو المجهول في كل شيء.

فهل اندفعت الفنانة "فاطمة مرتضى" نحو متاهة فلسفية ترجمتها فنيًا بمعرض إبداعي يمنع فيه الدخول لمن دون سن الثامنة عشر؟ وهل السبب هو وجود المعرض في لبنان أو بالأحرى في الشرق الأوسط؟ أم أن هذه قاعدة عامة في العالم؟ والفن بمفهومه العام هو إبراز الجمال بغض النظر عن الإيحاءات الجنسية؟ أم أن في المعرض ما يخدش الحياء لمن هم دون السن المطلوب لرؤية الجمال؟

تم نشره عام 2014 في جريدة اللواء