موتٌ حيّ

ضحى عبدالرؤوف المل

قصة "الإذعان الثالث" من كتاب "القصص القصيرة الكاملة" للروائي غابرييل غارسيا ماركيز، ترجمة صالح علماني.

تحتاج تربية الطفل إلى الليونة الفكرية مع عاطفة حاضنة تؤدي دورها في منح الذاكرة قدرة على أرشفة اللحظات التي يمكن استرجاعها بعد مضي الطفولة نحو الشباب، ثم الكهولة فالشيخوخة، لنشعر بعدها بقيمة الذاكرة، وما تعشش فيها من ملامح الحياة الطفولية التي عشناها مع الأهل، ولا سيما أحاسيس الأمومة ذات الصلابة أو الليونة القادرة على إدخالنا الجنة أو الجحيم، لأن الإنسان يحتاج كما كل المخلوقات الكونية إلى عناية خاصة، ليكبر ويصبح بعمر النضج دون مآس، ليتكون إنسانيا محبا شغوفا بالحياة، وهذا ما حاول الإيحاء له الروائي غابرييل غارسيا ماركيز في قصته القصيرة حيث" كانت أمه تحيطه بعناية صارمة خلال الزمن الذي استغرقه الانتقال من الطفولة إلى البلوغ " فهل يحاول القول: ومن الحب ما قتل؟ أو من الأنظمة الاجتماعية ما هو قاتل للإنسان؟ أم أن خوف الأم على ابنها ليحيا ضمن نظام حياتي تراه من منظارها هو نوع من الاهتمام الروتيني القاتل؟

قصص أولها في الكتاب قصة بعنوان" الإذعان الثالث" يحمل العنوان ملامح الاستسلام، وما يرافق الإنسان من يأس أو رؤية تختلف بعد مضي العمر، وهذا ما جعله يوحي بسريالية تستفز القارئ، ليبدأ الاستكشاف عن ماهية هذه القصص التي بدأت هناك في قصة بعنوان "الإذعان الثالث" حيث الضجيج مع كائن ينمو في تابوت وأم" كانت تشعر برضا الأمومة وهي تراه حيا." في سرد مجازي سريالي الإيحاء لا يخلو من تجريد، أو من هندسة رؤية تعبيرية انطلقت من هناك، وتوقفت عند الاستسلام أو الإذعان لمشيئة هو رضي بها، لأن الاستسلام بالكامل حتى التلاشي، ونسيان الذات هو الموت بعينه، وفي هذا حث للسعي نحو الوجود الحقيقي للإنسان أو اللا موت بمعنى التواجد الحسي والروحي، وبنبض يجعلنا نسبح كما في رحم الأم، فالبنية السردية في القصة تتشكل تبعا للنفس الإنسانية، وما تستطيع اكتشافه حين تشتد أوزارها قبيل الوصول إلى النهاية هناك حيث اللا عودة إلى الطفولة، أو إلى حيث يمكن تصحيح المسارات، لنكمل الرؤية ببصيرة تصبح كالحديد، ونحن في نعش أو تابوت أو حتى في كابوس نستيقظ منه بصحوة تجعلنا ننتبه لأنفسنا.

أسلوب قصصي مفتوح على سريالية تخيلية حسية تمسك بالأحاسيس المريرة في الحياة، وحركة لضجيج بلا نهاية حاد في رأس يعاني من قسوة ذكريات تعشش في خلايا دماغية غير قادرة على الإمساك بكل ما تشعر به من قسوة أو مرارة، فما الحياة بالتمني، إنما هي فعل قوي يحتاج إلى تصميم مبني على بداية ووسط ونهاية، فهل الموت نهاية أم بداية؟ وهل الخروج من رحم الأم هو البقاء الحيوي لوظائف الإنسان بالكامل؟ وهل هذا هو الإذعان الثاني أم الأول؟ أم هناك سيطرة قوية تحاول تحجيم دوره البناء فيما أذعن إليه؟ وهل يستطيع الإنسان رؤية التبدلات والتغيرات التي تطرأ على ظله؟ أم أن الظل هو وجود مبني على العتمة والضوء في رسم هو غير محسوس لكائن يرى ما حوله بعين الوجود والفناء، وفي ثلاثية حياتية تركها في معنى الإذعان، ولم يترك للرقم واحد قوة تجعلنا ننظر للإنسان على أنه رمز الوجود والقوة، ولا في الرقم اثنين، لنشعر أن البداية والنهاية هي للحياة والموت التي جعلته كأنه" في نعشه جاهزا لأن يدفن، ومع ذلك كان يعرف أنه ليس ميتا، ولو أنه حاول النهوض لفعل ذلك بكل سهولة روحانيا" فهل يروي هناك ما هو متواجد هنا حيث الروح المدركة للحقائق المخفية مع كل استسلام" الاستسلام للموت هناك" أن يموت بموت الموت الذي هو داؤه" فالخطاب الإنساني المبطن في قصته الإذعان الثالث هو رؤية فردية للموت أو للحياة أو هي ازدواجية الحياة الموت، والتواجد الكلي بالحواس المدركة لحقائق ما يجري من حولها، أو هو ثلاثية ندرك معناها في الفترة الثالثة من الحياة أو الشيخوخة حيث الاستعداد للرحيل، ونحن في نضج شبابي سرقته منا الحياة بعد أن تركتنا كالأموات ننتظر الحياة مرة أخرى. كل هذه المفردات التي صاغها بهندسة قصصية وجودية محسوسة ذات فلسفة حياتية جعلت التابوت من مادة إسمنتية لا يمكن لها إلا أن تتصف بالصلابة، لأنها ممهورة بصنع الإنسان حيث يمضي حياته في بيوت إسمنتية من صنع يديه، وحيث القسوة والاستعباد لنظام يومي يتبع اجتماعيا للبيئة التي نحن فيها أراد الهروب من ضجيج عقاربها التي تعلن له وجوده المرير فيه، وقد ترك لعقارب الساعة صفة" ريشة حفر ذات رأس حاد من الألماس" وهي ذلك الضجيج الذي يثقب اللحظة، لتتباطأ، وتعلن موت الزمن أو الإنسان المدرك أن الوقت الزمني ما هو إلا تتابع نذعن له مستسلمين دون التفكر بكل لحظة مثقوبة بريشة الوقت الذي ننتظره لنرحل حين نريد الحياة .

" يوم مات أول مرة عندما انتبه" ومن منا لم ينتبه فجأة أنه مات في حياة صفعته أكثر من مرة، وتركته معلقا ما بين الموت والحياة أو بالأحرى عندما" لا يشغل مكانا، وأنه لا وجود له لقد كان جثة بالفعل" فعندما ينشغل الإنسان بالأعمال الحياتية، ويتناسى وجوده ككائن حي لا يشعر بتواجده الحقيقي، إلا حين ينتهي كل هذا، فالتنبه هو يقظة ومعرفة وإدراك، وقدرة على تخطي مرحلة لم يكن هو فيها شيئا يذكر، إذ لم يتذوق من الحياة إلا كل ما هو مخيف وغير منطقي، فالفترة الزمنية قد تطول أو تقصر سنواتها، وقد يشعر أن الزمن سرق طفولته التي يحب أن يرويها كما يحب " فهو لن يتمكن من الحديث عن طفولته، فهو لم يعشها، لقد قضاها ميتا" فالتاريخ وجود والحاضر حياة، وأي فقدان لهما أو موت بكل معنى الموت والنسيان، وهذا ينطبق على كل شيء حولنا حتى الحضارات، فهي تعرف بما تملك من تاريخ واضح المعالم.

لا يستطيع قارئ قصة ماركيز " الإذعان الثالث " إلا التوقف عند المعاني التي تأخذك إلى هناك، حيث الأفق المتسع بالتخيلات القصصية ذات الجمالية المشهدية المبنية على رؤية ثابتة تقود الفكر إلى التفكر المتعدد الرؤى، أو النابع من الوجدان القصصي الواسع البصيرة والمتعدد الصور تبعا لكل قارئ، ففي كل مرة تعيد فيها قراءة القصة تكتشف الأبعاد الهندسية لتصورات تخيلية مبنية على حقائق حياتيه نعيش تفاصيلها مع ماركيز بقناعة وإذعان ولا سيما عندما نهرب من الواقع نحو الخيال، ونعيش ضمن حالة لا وجودية تجعلنا نرضى بما نحن عليه " لكن ذلك الواقع الرهيب كله لم يعد يسبب له أي قلق." فهل القلق يولد من الواقع الإنساني الذي نعيش فيه حالة الموت البطيء؟ أم حين " نتحول إلى حفنة من تراب بلا شكل، وبلا أبعاد هندسية " حيث الفراغ المملوء ببصيرة صافية، وقصة ذات أبعاد هندسية لفن هو الحياة، إذ يبني قصته من الواقع المتخيل والتجريدي بمعناه الداخلي إلى سريالية نستكشف منها الحقائق المخفية داخل النفس الإنسانية.

ما بين صلابة التابوت الإسمنتي وليونة التابوت عودة رائحة لها مدلولاتها وتضادها المشحون بفكر لامتناه يحاول ماركيز من خلاله بث مفهوم الحياة التي نعيش فيها كأموات، والموت الذي نولد من خلاله كما لو أننا ننتقل من رحم إلى رحم، ليبدأ الوعي الحقيقي عندئذ، ليترك القارئ في شك تساءل فيه بقوله:" ربما يكون عندئذ حيا" فهل نحن حقا أحياء في دنيا أشبه بمراحل لأرقام نطل من خلالها على عوالم الموت التي لا ندركها إلا هناك ؟

Doha El Mol