الفن المفاهيمي في الفنون التشكيلية الفلسطينية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتحول الرؤية الحسية إلى فكرة ملموسة حين تظهر كعمل فني له أهدافه المعرفية والفنية. ليسبق التصميم أي عمل ينضوي تحت مفهوم الفن المفاهيمي، فهو يبدأ برؤية لها صياغة ملموسة تنتج عن فكرة تكوينية تحولها إلى واقع ذي أبعاد فكرية وتحليلية قد تكون عبثية البناء والتشكيل، أي من مواد عضوية يتم تحويلها إلى عناصر فعالة تخدم فكرة العمل الفني من خلال المفاهيم الحسية والتخيلية، لتبقى ضمن مفاهيم العمل الفني التشكيلي، ولكن بصياغات ذات أبعاد علمية وعملية تتشكل فنيًا بجمالية لها معانيها ودلالاتها وإيحاءاتها، وحتى لغتها الخاصة التي يتكلم من خلالها الفنان بجمالية تكوينية لها صيغة الفن المفاهيمي.
فن بصري تحويلي ينتقل من طور إلى طور ليصبح مرئيًا يخاطب جمالية الفكرة الفنية المتوازنة بصريًا أو المتناقضة تشكيليًا. فالشكل الحركي هو مفهوم علمي عملي مبني على الإيقاع، والانسياب الفراغي المؤدي إلى خلق فضاءات تحاور الذهن والمخيلة، ويتولد عنها تحولات تكوينية تؤدي وظيفتها الفكرية أو الفلسفية قبل الجمالية، والثابت مع المتحرك، مما ينعكس على العمل الفني بشكل عام من حيث التقنيات البصرية، والمنظومة العملية المهيمنة على الأنماط، والأبعاد، والتشكيلات، والتركيب المنحسر في فضاءات تكتمل عند نهاية تكوين الملامح التي تبث افتراضات ذهنية تخلق تصورات إيحائية ذات حداثة تشكيلية لم تخرج من مفهوم الجمال، ولا من مفاهيم اللون، ولكن اختلفت العناصر التأسيسية لعمل فني مفاهيمي وإبداعي يلبي حاجة العصر، ويخدم الحدث الذي يريد تأريخه الفنان من خلال عمله.
كما في أعمال الفنانة "ماري تومب" والأثواب المعلقة وفق أذيال تجرجرها الحركة، وقياسات طولية هي ابتكارات رؤية تحمل فكر النساء اللواتي تركت الحياة أجسادهن خارج موطنهن بينما كن يحلمن بحق العودة إلى أوطانهن. فالأثواب بشفافية ألوانها السوداء، وبرغم أنها مؤلفة من مواد حياتية، إلا أنها تشير إلى الأرواح الحزينة والمعلقة في برزخ فكري وحياتي سيستمر ما لم تحقق المرأة بنضالاتها حق العودة إلى وطنها الذاتي الذي انتهكته الظروف السياسية التي تركتها معلقة كثوب أسود تحركه الرياح العاتية ذات اليمين وذات الشمال.
تناسق جوهري وجمالي تتميز به الكثير من الأعمال الفنية التي تتمحور حول الفن المفاهيمي، ونظمه التشكيلية المعاصرة من حيث دلالاتها الزمنية والموضوعية، والمعنى المتعلق بمحاور حياتية تأثر بها الفنان، وتركت في ذاته انطباعات ذهنية وضعته أمام حقائق تبث نصًا بصريًا مغايرًا في فضاءاته المتخيلة، وفي واقعه التأثيري حيث يتقصى المتلقي بصريًا المعنى المؤدي إلى خلق عمل فني مفاهيمي يرتكز على قراءة الإشارات والرموز التي ترتكز على مضمون فلسفي كأعمال الفنان "أشرف فواخري" ورمزية الحمار، وما ينطبق عليه من مفاهيم تدعو إلى الصبر وقوة المثابرة. وهذا ما وضعه الفنان "أشرف فواخري" في أعماله، حيث كان الحمار سببًا أساسيًا في نجاته من الموت، مما أعطاه فكرة إبداعية نفذها في سلسلة أعمال مفاهيمية تنضوي تحت فكرة الخارطة الحياتية بتجانس فكري معاصر فنيًا. يعتمد على محاكاة خارجية ذات خصائص دينامية تحمل أبعادًا مفاهيمية لا تخلو من تشكيل، حيث إنها تمنح هوية للعمل الفني كي يؤرخ لحدث تأثر به الفنان، فتأثرت به تصويراته التي نقرأها ضمن فلسفته الآنية المفتوحة نحو تأويلات متعددة. فالمعنى المضموني لصورة الحمار يختلف من حيث المفهوم من شخص لآخر، وهذا ما تميزت به المفاهيم العامة في أعمال "أشرف فواخري" الإبداعية.
تتنامى الصورة الفنية اللامحدودة في رؤيتها المفتوحة نحو فضاءاتها الفكرية الانعكاسية، وضمن جوهرها المفاهيمي التكويني المنفتح نحو إضاءات فنية ذات حركة بصرية معاكسة ينتج عنها تحليلات ترتبط بجاذبية متراابطة بعدة وسائل يستخدمها الفنان، ليجعل من عمله قبلة أنظار النقاد، ليتخطى من خلال ذلك جفاف الرؤية التي تفتقد إلى الدينامية والجاذبية، محققًا بذلك قدرة جمالية تدفع المتلقي إلى اكتشاف الهدف من وراء ذلك، وإلى
اختصارات هي جزء تشكيلي تكنيكي يقدمه وفق لغة مفاهيمية ترتبط مع التشكيل، وتتناقض معه من حيث القياسات والمواد والأساسيات البنائية التي تحتاج أحيانًا إلى ورش عمل تختلف عن التشكيل من حيث الأسلوب، إلا أنها تتفق في المضمون الهندسي والتفاعلي. كما تتفق مع المنظومة المفاهيمية لعمل يحمل نفحة من تشكيل، ومن عناصر حياتية مختلفة تم تكوينها من مواد عضوية تم تحضيرها وتركيبها، لتنسجم مع العمل المفاهيمي بشكل عام، كما في أعمال الفنانة "ميرفت عيسى" حيث إنها استطاعت منح رؤيتها للتاريخ الفلسطيني بشكل خاص، وللإنسانية بشكل عام. لنستشف من كل كتلة الأشكال البنائية بعلاقاتها المترابطة مع العناصر المكملة للعمل، ومع الموتيفات الوظيفية التي تخدم العمل الفني، وترفع من أهميته المفاهيمية، ليتفرد في الأسلوب والمضمون، والمرئيات الحركية التي ينتابعها البصر ضمن المعطيات التشكيلية القادرة على تخزين المعلومة. كما في أعمال الفنانة الفلسطينية "ميرفت عيسى" وتحنيط معنوي لتاريخ الموت الذي يتعرض له شعبها، وللمعاناة التي تؤدي إلى وضع الجثث في أكياس حيث استبدلت الأكَفان. لتوضح الصورة للزمن المستقبلي الذي وضعته في عملها المفاهيمي الحاضر كشاهد على زمن الموت، والألم والحزن الذي لحق بشعب فلسطين، وبالإنسان من حيث قدرته على تصوير الأحداث بمؤثرات مفاهيمية تمنح العمل الفني قيمة توضيحية مقروءة بكل أبعادها الموضوعية والذاتية والجمالية.
فروع تشكيلية تفتح شهية الرؤية نحو المزيد، لنبحث داخل كل عمل عن مفاهيمه وتفاصيله، وأسبابه، وأبعاده، لننتقي بصريًا كل عمل متماسك ومتوازن، ومتوافق فكريًا مع الأسلوب، والتكوينات المادية للعمل. فالأكياس في أعمال الفنانة الفلسطينية "ميرفت عيسى" قد تكون أشلاء أخفتها لتوحي للمتلقي بسرية المجازر التي وقعت في أرض فلسطين أو حتى في خارجها. فالغموض الداخلي في عملها المفاهيمي هو استنتاج ونتيجة المذابح والمجازر الإنسانية ذات الصلات المتينة بشعب فلسطين، حيث تحاول إبراز الصلابة والقوة، والبشاعة التي تجعل من الأكياس عنصرًا فنيًا يدعونا للتفكر في التاريخ والأحداث التي ارتبطت بالموت والقتل، والمجازر المخفية أسبابها وكيفيتها. كما يحدث في الحروب عادة، إلا أن ميرفت منحت الشكل الغامض تشكيلات تنم عن تفاصيل الإنسان كتكوين إنساني له كينونته التي يجب احترامها من حيث رؤيته. لهذا تركت لنا في أعمالها الطينية مفهومًا وهو عودة الإنسان إلى طبيعته الإنسانية المحبة للخير وللسلام. فهل استطاعت فعلاً تجسيد الفكرة في أكياسها الطينية الشبيهة بعناصر الحجر القديمة أو الجثث التي تم تشويهها، ومن ثم أغلق عليها في أكياس تكومت كبضاعة مرمية عشوائيًا على جوانب الطرقات المنسية؟ أم أنها تركت عملًا مفاهيميًا شديد الومضة الفكرية، وتتجسد من خلال رؤى متعددة حيث إنه يمتد من الحروب الأولى إلى حيث ما لانهاية.
تهيمن على السطوح البصرية الأضواء المنعكسة على الألوان والأجزاء في أكثر الأعمال المفاهيمية التي تنتمي إلى الفنون التشكيلية الفلسطينية الخاصة، بما يحياه كل فلسطيني من هواجس ومخاوف ومن أحلام ونضالات، وصلت به إلى الفنون. ليسجل من خلال مواقفه أمام التاريخ الإنساني، حيث يحاكي بصندوق ذخيرة هو للفنان "راجي كوك" الثقل القتالي الغربي المنشأ، إن من ناحية الكلمات على الصندوق، وإن من الحجارة باعتبارها الوسيلة الوحيدة للدفاع عن النفس، أو بالأحرى هذا ما يملكه الإنسان المغلوب على أمره، ليحقق المساواة نوعًا ما، أو كي يستطيع أن يمنح نفسه حق الرد، مظهرًا "راجي كوك" بذلك صيغة مفاهيمية تختزل الأسلوب، وتضعه داخل المعنى لصندوق هو من صنع غربي وحجارة عربية متأصلة في وزنها، وقدرتها على امتلاك حق الدفاع عن النفس. فالأبعاد المضمونية في فكرة الصندوق تحقق أهدافها رغم بساطة الوسائل وابتعادها جمالياً عن الشكل المتناسق والمتناغم، إلا أن الفكرة برهنت على قوتها ومنحت العمل المفاهيمي جوانب فنية مختزلة وذات اختصارات تشكيلية توحي بالبعد المعرفي والإيديولوجي. لأطفال الحجارة وقدرتهم على تسليط الضوء على أسلحة كونتها الطبيعة للإنسان منذ آلاف العصور.
لا يهتم الفنان المفاهيمي للون، ولكنه يكمل به عمله الفني ليكتمل المعنى أحيانًا من خلال الألوان وما ترمز إليه، لكنه لا يعتبرها من أساسيات أعماله الفنية. فالفن المفاهيمي بسيط بمواده ومعقد بفكرته، لأن بين الفكرة والمضمون والأسلوب يولد الفن متحررًا من سلطة الذهن ليخترق
الأذهان الأخرى، وبما يعصفه من تحليلات ودلالات، وسيمياءات هي جزء من العمل الفني بل هي كل العناصر والمكونات المتوافقة مع الأُطر المتخيلة التي جعلت الفنان ينجز عمله بقدرات جمالية لها أساسها الفني المعاصر، وحداثتها التقنية التي تضفي ديناميكية مرنة على عروضها البصرية المساندة على منح المتلقي ميزة الاستمتاع بالعمل المفاهيمي. كما في عمل "أنا إسماعيل" للفنان "سليمان منصور"، فهو يقارب بين الإنسان والإنسان وفق نظرية التناظر والسيمترية، والتوازنات الخطية العامودية بشكل عام، إلا أنه لم يحذف الخط الأفقي باعتباره يمثل الحياة، ولكنه أعطى المنظور الهندسي ليونة تشكيلية تهيمن على الشكل الخارجي، بل وكانه يستنسخ من الإنسان أعدادًا أخرى، أو كانت اللقطة تكرر ذاتها زمنياً أو بالأحرى هو يوحي للمتلقي بأن التاريخ الإنساني يعيد نفسه في كل زمن ومكان من العصر الحجري وحتى المعاصر.
كما يمنح الفنان "سليمان منصور" مساحات تكنيكية ذات ديناميكية حركية تبتعد بالعمل الفني عن الروتين، والتشكيلات اللامتناهية المنوطة بتكرار له دلالاته التصويرية للشكل الإنساني، مضيفًا للعمل أرصفة ذات تشققات تاريخية، هي عبارة عن شروخ زمنية تتشابك برغم تصدعاتها المحسوبة بقصدية موضوعية تبرز من خلالها مفاهيم العمل الفني ونتؤاته الموزونة مظهرًا الفكرة بتساو مع منظومة الشكل. لجدارية تشكل بأبعادها النحتية النافرة وبانعكاسات متحركة تتجه نحو الثابت من خلال المادة الجامدة التي منحها رؤيته الخصبة فنيًا.
يغني الفن المفاهيمي الأذهان، فالحركية البصرية التي تستمد من الفراغ تشكلاتها تتيح للبصر عدة إيحاءات، هي عبارة عن لوحات مفاهيمية بحد ذاتها تخرج من نطاق الدائرة الخاصة بالفنان لتدخل زمنية أخرى بمفهومها المفاهيمي الدقيق وعناصرها الفنية المميزة. فالفن المفاهيمي الفلسطيني استطاع الخروج من قمقم الكلاسيكية ليصل إلى الحداثة بفن معاصر يحمل القيم الجمالية الخاصة بشعب يؤمن بالمحبة والسلام
تم نشره عام 2014 في ملحق شرفات
عمان